قديماً قالت العرب: لا تَنْكِحُوا مِن النِّساء ستاً، لا الأنَّانة، ولا المنَّانة، ولا الحنَّانة، ولا الحدَّاقة، ولا الشدَّاقة، وقد أوضحت في مقال سابق ما معنى الأنّانة والمنّانة والحنّانة، كما أوضحت سِرْ تحذير الحكماء من هذه الأصناف الثلاثة، واليوم بإذن الله أتَكَلَّم عن الثلاث الأخر:

 

إنّ الحدّاقة هي المرأة واسعة حَدَقة العين، يعني المرأة الشَرِهَة، ولا أقصد بالشراهة شراهة الطعام دائماً، وإنَّما أقصد بها شراهة الدنيا، إنها مُتَطَلِّعة تطلعاً مادياً مُفْرِطاً، وهذا التطلع الرهيب يُرَى في عينيها إذا رَأتْ ما يُعْجِبُها، إنها لا تستطيع أَنْ تُسَيْطِر على انطباعات وجهها التي تفضح رغبتها الجامحة في التَّمَلُّك، والاقتناء، وقد يُصَادف الإنسان في حياته شيئاً يعجبه ويسعى لاقتنائه، ولا بأس في ذلك، ولكن أن تتحول الحياة كلها بكل ما فيها إلى هدف للاقتناء والتملك فتلك هي المصيبة، إنَّ هذه المرأة لا ترحم زوجها من المتطلبات، وتَقْصِمُ ظَهْرَه في كل يوم عشرات المرات، فهي تريد هذا وذاك، وهذا وذاك، إنها لا تَشْبَع أبداً، ولا ترضى أبداً، إنها من صِنْف النِّساء اللاتي يَمِنُّ الدنيا على أزواجهن، وليست من الصنف الآخر، اللاتي يَعِنَّ أزواجهن على الدنيا!

 

إنها لا تعرف معنى القَنَاعة، علاقتها بزوجها هي علاقة السيد الذي يُلْهِبُ ظَهْرَ عَبْدِه بالسياط حتى يستفيد بخَرَاجِه، زوجها ليس إلا مَاكِينة تلبية لمتطلباتها التي لا تنتهي، فهذه هي الصورة الوحيدة المقبولة منه، وكل الويل والثبور وعظائم الأمور إذا حاول أن يحيد عنها، ولم يستطع أن يكونها! والرجل الذي يتزوج بالحدّاقة ويُصِيبه التعب والإرهاق ولو بعد حين، سيفكر مراراً وتكراراً في الوضع الذي وصل إليه وحالة السُّخْرَة التي وصل إليها، وسيخنقه هذا الاستبعاد، سينفجر المَرَّةَ تِلْو المَرَّة وستََنْزَوِي العاطفة بينه وبين زوجه ثم ستختفي، وستتحول الحياة الزوجية إلى اسْتِعْبَاد يشعر فيه بأنه فَقَد قِيمَتَه الآدمية لدى الطرف الأخر، وتَحَوَّل إلى مَاكِينَة ضَخّ أموال، ولا شيء غير ذلك، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حَذَّر من سيطرة حب الدنيا على المرء بهذا الشكل المَرَضِي، فقال صلى الله عليه وسلم: (حُبُّ الدنيا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَة)، إن تغيير هذا الجُمُوح النفسي بالنسبة للحدّاقة ليس بالشيء الفيصل، فأيُّ خَلْق قابل للتصويب متى أراد صاحبة ذلك. ومتى جاهد صاحبه ذلك، المهم الإرادة والسعي، وعلى الله التوفيق، وإذا كانت هذه هي الحدّاقة.


فالبرّاقة هي التي تسيطر عليها نزعة الاهتمام البالغ بجمالها الظاهري، والتي تستهلك معظم وقتها في الزينة، والتزين، تريد أن تكون برّاقة المظهر لافتة بشكل جامح، إن تزين المرأة لزوجها من أحب الأشياء إليه، فهي تُشْعِره بلمسة عاطفية مُؤَدّاها: إنني أهتم بك وحدك، أنت بالنسبة لي مختلف عن كل من سواك، وقد سُئِل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أَيُّ النِّساء أفضل؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "التي تُطِيع زوجها إذا أَمَر، وتُسِرَّه إذا نظر"، فالتزين والتحبب للزوج واجب أَمَر به الشرع وأثاب عليه! وكلما تَفَنَّنَت المرأة في ذلك لزوجها زاد حبه لها وتعلقه بها، فالمرء مَجْبُولٌ على حُبِّ كل جميل، ولأن الوسَطِيَّة في الأمور كلها خير فكذلك هي في التزين!

 

إن استهلاك المرأة أربع أو خمس ساعات في النهار ومثلها في المساء أمام المرآة لضبط درجات الألوان على وجهها، أو لتجميع خصلات الشعر في اتجاه معين أو تجربة أنواع مختلفة من الكحل أو تجربة الثياب وما يناسبها من إكسسوارات والمحادثة في الهاتف بالساعات مع الصديقات المهتمات بمثل هذه الأمور تصرفات غير مقبولة شرعاً ولا عقلاً، إن هذا الوقت الذي صرفته المرأة في هذا الإفراط سَتُسْأَل عنه أمام الله تعالى، فلن تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع منها: عن عمره فيما أفناه، هذا على صعيد الشرع، أما على صعيد حياتها الزوجية فإن فعلاتها هذه ستتحول إلى سبب من أسباب الشجار المستمر، وليس إلى سبب من أسباب الوفاق، لأن أمام كل إفراط في اتجاه تفريطاً في اتجاه آخر، وسيكون هذا التفريط إما في حق الأولاد، أو في حق البيت، أو في حق الزوج، أو في حق المجتمع، ومن قبل كل ذلك في حق النفس التي لم تكتسب خيراً، وفي حق الدين الذي لم يُقَدِّمْ له عملاً يُبْذَل في سبيله بَذْلاً، ومن المشكلات أيضاً المتعلقة بهذه الطبيعة أن صاحبتها عادة تكون مصابة بأَنَفَةٍ في غير محلها تمنعها من مُزَاوَلة واجباتها المُكلَّفة بها، فهي تَخَاف كل الخوف على زينتها أن يصيبها ما يُعَكِّر صَفْو بَهَائِها، وتتعامل مع ما حولها ومن حولها بمنطق ممنوع الاقتراب، وهذا منطق مرفوض، ومستفز، ويُنْشئ حواجز نفسية بينها وبين كل من في البيت، وأكرر في البيت لأنه ليس للمرأة_ براقة كانت أم غير براقة _ أن تتزين بما ذُكِرَ من أنواع الزينة إلا في بيتها ولزوجها.

وأختم مقالي بالمتشدِّقة وهي المرأة المُتَفَلْسِفَة، المُتَصَنِّعة في طَرِيقَةِ كَلامِها، التي تتعمد أن تتكلم بأسلوب يُوحِي أنّها من طبقة اجتماعية معينة، وأنها صاحبة شخصية معينة، وهي ليست كذلك، وهذه النعرة لا تُنَاسب الحياة الزوجية، إنَّ الزوج لا يحتاج إلى من يتفلسف عليه، بل يحتاج إلى من يحتويه ويحتضنه، ويشاركه أفراحه وأحزانه ببساطة وانسيابية فلا التعالي يفرحه، ولا التصنع يبهجه، أتمنى أن تجد هذه المقالات أذاناً مصغية من نسائنا فيعلم الله أنّنِي لم أُرِدْ بها إلا الخير لَهُنَّ ولحياتهن الزوجية راجياً من الله أن ينعمن بالسكينة والمودة والرحمة مع أزواجهن كما قال الله تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) "الروم:21". وللحديث بقية في الأسبوع المقبل إن شاء الله.

 

عمرو خالد لمجلة المرأة اليوم بتاريخ 22 /6 /2004