قيام الليل! كيف تحمى نفسك من المعصية؟؟ كيف تتخاص من عبودية الشيطان ووساوسه الجهنمية؟؟ كيف تدخل على الله من باب المحبين المقربين؟؟

 

علاقة خاصة بينك وبين الله تبارك وتعالى قد نشأت من قيام الليل.. علاقة بين المخلوقات الضعيف المسكين وبين خالقه القوى العظيم.. علاقة تحميك من المعصية.. تحميك من عبودية الشيطان قيام الليل هو الذى يوجد هذه العلاقة، به تخرج الدنيا من القلب مطرودة منكسة الرأس ويمتلأ هذا القلب انى أعلم مدى قوة إرادتك وعلو همتك.. آن الآن خوض التجربة - تجربة قيام الليل - وداعاً للسرقة فلقد أيقظت حارسك الأمين.


بقول الله عز وجل: "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون". خلقنا لعبادة الله ومعرفته.. وأقرب أبواب المعرفة قيام الليل.. انه باب المحبين.


والآن.. جاء الدور عليه !!

إننا جربنا أشياء كثيرة فى هذه الدنيا فهذه طبيعة الإنسان، ففصل الصيف قضيناه فى أماكن متعددة.. كل سنة نجرب مكانا وكذلك السفر.. سافرنا إلى بلاد كثيرة.. كل شىء فى حياتنا كان لنا حق الاختيار فيه، جربنا فيه العديد والعديد. والان جاء الدور عليه.. نعم جاء الدور عليه حتى نجربه وهو شىء جديد، أعلم أنك لا تحب التكرار.. هيا نجرب وستجد أنه أفضل من أشياء كثيرة قد جربتها.. أراك قد وقعت فى حيرة وتقول: عن أى شىء يقصد!؟ ظننتك قد فهمت.. إننى اقصد أنه قد جاء الدور على قيام الليل كى نجربه. أن نتائج هذه التجربة نتائج مضمونة ولكنها دائما متجددة لمن يقوم بالتجربة فاحرص على تدوين النتائج ولتستعن بمداد الإخلاص.


هذا طريقك نحو التميز!!

إن قيام الليل يعد مؤشراَ لرضى الله عنك.. فهو يوفر إجابة سؤال محير لكثير من الناس ألا وهو: اراض عنى ربى أم لا؟ واليك التوضيح.. انظر لمن يقوم الليل.. كم عدد من يقومون الليل فى شارعه.. فى مسكنه.. فى مدينته؟ انظر إلى التميز.. أن هذه العبادة.. عبادة المتميزين.. عبادة المتفردين أنك تقيم الليل والناس نيام.. أيرضى الله عنك أم لا.. !؟ يقول الله عز وجل فى الحديث القدسى: "ولا يزال عبدى يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذى يسمع به وبصره الذى يبصر به ويده التى يبطش بها ورجله التى يمشى بها ولئن سألنى لأعطينه.."


هيا.. فليكن لك حال مع الله وقت السحر فلا لذة للحياة إلا بأنه السحر.. هيا أعلن التحدى وارفع راية التميز "ها أنذا اقف بين يديك يارب والناس نيام أعنى يارب أن أقدرك حق قدرك وأعنى ذكرك وشكرك وحسن عبادتك".


انه زادك أيها المؤمن..

يقول الله عز وجل: "يا أيها المزمل * قم اليل إلا قليلا * نصفه أو انقص منه قليلا * أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا * إنا سنلقى عليك قولا ثقيلاً * إن ناشئة اليل هى أشد وطئاً وأقوم قليلاً * إن لك فى النهار سبحاً طويلاً * واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلاً *".

 

إنه نداء للنبى صلى الله عليه وسلم، ثم امره بالقيام - قيام الليل - ثم تحديد المواقيت.. إنه أمر مفصل وهذا للأهمية فالأمر ليس نظريا بل هو عملى، ثم يأتى الترتيل وتلقى وحى السماء وكأنما عليك أنزل.
هيا هيئ نفسك واستعد "إنا سنلقى عليك قولا ثقيلا *" نعم إنه الوحى.. تكليفاته ثقيلة تحتاج من المؤمن زاداً قوياً ليتحمل المشاق والمتاعب، ويقف أمام المعاصى والمغريات شاهراً سلاحه!! ولن نستطيع المضى فى الدنيا بدون قيام الليل "واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلاً *". تبتل إليه وحده ولا تجعل فى قلبك إلا الله.. لا تجعله يتعلق بأحد سواه.. اجعل حزنك وفرحك لله، غناك وفقرك بالله.

هل ما تقرأ الآن سهل أم صعب؟

اعتقد بالك أن أقمت الليل ودامت على ذلك؟! ستفيض علينا بمعان جديدة وبشعور جديد.. وكل إناء بما فيه ينضح!!


فأحسن الوجهة

هذا القلب الذى بين جنبينا خلقه الله سبحانه وتعالى شديد التأثير.. شديد التقلب.. حساس للغاية.. انظر إلى حاله.. تراه متعباً مفعما بالمشاكل مليئاً بالمعاصى.. قلبه جامد.. يدخل بيته حاملاً كل هذا ثم يجلس على الكرسى يرى فى التليفزيون مشهداً يؤثر فتراه يبكى.. انظر حساسية القلب. نعم فالقلب شديد التأثير.. انظر إلى الأم كيف تتعلق بأولادها وانظر إليه كيف يتعلق بأمه.. وهذا يتعلق بزوجته. كل منا له وجهة بصوب قلبه تجاهها.

 

أخى الحبيب.. أحسن الوجهة واجعلها لربك وقم الليل.


كفاك يا قلب

طالما قد وجهت هذا القلب لله سيطير شوقاً لخالقه وحبيبه.. ما عليك سوى توجيه وسترى العجب.. إياك أن تقول: قلبى قاس ولن أستطيع.

 

لا تقل ذلك أخى الحبيب.. ما عليك سوى أن تختار المدخل.. هيا جرب وبادر ولا تتأخر.. كفاك كل هذه السنوات كفاك يا قلب.. كفاك ركضا للمال وللنساء وللهو وللعب و... كفاك يا قلب وعد إلى ربك..
أما أن لك تجرب قيام الليل؟ انه نعم المعين.

 

إنها شاهدة لهم وشاهدة علينا!!

ظل قيام الليل فرضا على المسلمين سنة كاملة.. نعم فرضاً، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم الليل حتى تفطرت قدماه فتقول له السيدة خديجة رضى الله عليه وسلم: هون عليك يا رسول الله أفلا تنام؟ فيقول لها: مضى عهد النوم يا خديجة.. وكان بعض الصحابة حريصين على قيام الليل كله حتى خفف "فاقرءوا ما تيسر منه".

 

سورة المزمل بمثابة شهادة لهذا الجيل أن قام الليل، وفى نفس الوقت هى شهادة علينا أننا..!!
هيا أمامك الفرصة بأن تكون شهادة لك.. لا تكن مع الخاسرين.


اعقد مقارنة

يقول الله عز وجل: "وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً *". نحن مخاطبون بهذا القرآن الذى بين ايدينا.. أما أذهلك هذا الفعل؟ "يبيتون" أن عباد الرحمن يبيتون لربهم سجداً وقياماً.. إنه شرف كبير.. فهل نلت هذا الشرف!؟ أخشى أن تكون ممن يبيتون للتلفزيون حتى صلاة الفجر بخمس دقائق، ثم تغلق التليفزيون وتخلد إلى النوم مستسلماً!!

 

ألا تستطيع أن تكون لك ركعات وسجدات تشهد لك يوم القيامة؟ أتفضل التليفزيون على الله؟!
أخى الحبيب اعقد مقارنة الآن بين عباد الرحمن وبين الآخرين اعقد مقارنة بين الذين يبيتون لربهم سجداً وقياما وبين الذين يبيتون أمام التليفزيون هل أنت راض عن نفسك.. مالى أراك صامتا؟!

 

اعلم انه رب ذنب يورث ذلا وانكسارا فيورث توبة.

 

تتجافى جنوبهم

يقول الله عز وجل: "إنما يؤمن بئاتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجداً وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون * تتجافى جنوبهم عن المضاجع.." و "تتجافى" جاءت من الجفوة ومعناها: أى كرهت جنوبهم الأسرة.. لا يطيق هذا السرير.. فالشوق إلى الله يقلق فلا راحة ولا اطمئنان ولا سكينة إلا بالقرب من الله.. والوقوف بين يديه.. ما حالهم فى هذه اللحظات؟ "يدعون ربهم خوفاً وطمعاً...".

 

مسكين أنت يا من تركت نفسك هكذا.

 

مسكين أنت بتركك لقيام الليل.

 

أسبوع واحد .. استعن بالله فيه وكن ذا إرادة حديدية واستمتع مدى الحياة.


"جزاء بما كانوا يعملون"

وإليك ختام الآيات السابقة: "فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون*".
انظر إلى هذه النتيجة السعيدة التى تنتظرك.. تعتبر قرآنى بديع "ما أخفى لهم" تخيل وتخيل فلن تصل "فلا تعلم نفس" وهنا شىء هام جداً قال الله عز وجل "يعملون" ولم يقل: "يعملون".

 

إن دنيا العمل غير دنيا الكلام.

 

ودنيا الجهاد غير دنيا الكساد.

 

قم الليل وانتظر الجزاء.. هيا إلى العمل.

 

"قليلاً من الليل ما يهجعون"

يقول الله عز وجل: "إن المتقين فى جنات وعيون * آخذين ما آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين * كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون * وبالأسحار هم يستغفرون *".

 

 

"قليلاً من الليل".. يتعجب الإنسان حينما يرى أناساً ينامون ست عشرة ساعة يومياً لا يعرفون شيئأً عن السحر وأناته فهل يرون الجنات والعيون؟! فكلما يأتى ذكر قيام الليل تجد مقروناً به الجنة ونعيمها.. إنها عبادة تستحق الجنة.

 

عمرو خالد لمجلة المرأة اليوم بتاريخ 4/11/2003