دعونا الآن نتأمل مشهد تكرم الإسلام للمرأة زوجة من أوله، والذى يبدأ باختيار وقبول الزوج.. إن الفتاة – أو المرأة – فى الإسلام حرة فى اختيار وقبول الزوج، لأن هذا جزء من حريتها العامة، التى تتكافأ فيها إنسانيا وبشريا مع الرجل.


محتويات المقالة

     

    إن للمرأة فى الإسلام – بكرا كانت أم ثيبا – كمال الحرية وتمامها فى قبول أو رفض من يأتى لخطبتها، لا حق لأبيها أو وليها أن يجبرها على ما لا تزيد، لأن الحياة الزوجية لا يمكن أن تقوم وتستمر على القسر والغضب والاكراه، فى حين أنها ما شرعت إلا للمودة والألفة والسكن بمقتضى قوله تعالى: فى سورة الروم (آية 21): (ومن آيته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن فى ذلك لآيات لقوم يتفكرون)..


    وكيف تقوم المودة والرحمة والسكن فى زواج أجبرت فيه الزوجة على الاقتران بمن لا تحب ولا ترغب ولا تهوى؟! ما الدليل على ما ذهبت إليه وأوردته؟ الدليل ما رواه الشيخان عن أبى هريرة مرفوعا: "لا تنكح الأيم حتى تستأمر ولا البكر حتى تستأذن" قالوا: يارسول الله. وكيف إذنها؟! قال: أن تسكت (متفق عليه).


    والأيم: هى الثيب المطلقة والمتوفى عنها زوجها، والبكر: هى التى لم يسبق لها الزواج .إن ظاهر الحديث يدل على أن استئذان البكر: هى التى لم يسبق لها الزواج. إن ظاهر الحديث يدل على أن استئذان البكر والثيب شرط فى صحة العقد، فإن زوج الأب أو الولى الثيب بغير إذنها فالعقد باطل مردود، كما فى قصة خنساء بنت خذام الأنصارية فعنها: أن أباها زوجها وهى ثيب فكرهت ذلك، فأتت رسول الله "صلى الله عليه وسلم" فرد نكاحها (رواه الجماعة أى مسلما).

     

    وفى البكر هى صاحبة الخيار إن شاءت أجازت اختيار أبيها أو وليها لها وإن شاءت رفضت اختيار أبيها أو وليها لها، الأمر الذى إن فعلته (الرفض) يبطل العقد، والأدلة التى تؤيد هذا الحكم فى حق البكر، ما جاء عن بن عباس أن جارية بكرا أتت رسول الله "صلى الله عليه وسلم" فذكرت أن أباها زوجها وهى كارهة، فخيرها النبى "صلى الله عليه وسلم" (رواه أحمد) وفى هذا دليل على الأب لا يتميز عن غيره فى وجوب استئذان البكر، وضرورة الحصول على موافقتها. وفى صحيح مسلم وغيره "والبكر يستأمرها أبوها" يعنى يطلب أمرها وإذنها دليل آخر ما جاء عن عائشة: أن فتاة دخلت عليها، فقالت: إن أبى زوجنى من ابن أخيه ليرفع بى خسيسته وأنا كارهة. قالت: أجلسى حتى يأتى النبى "صلى الله عليه وسلم" فأخبرته، فأرسل إلى أبيها فدعاه فجعل الأمر إليها. فقالت يا رسول الله قد أجزت ما صنع أبى، لكن أرادت أن أعلم النساء من الأمر شيئاً؟! (رواه النسائى فى كتاب النكاح من سننه).

    وأقف على هذه القصة عدة وقفات:

    أولها: قول الفتاة (وأنا كارهة).

    ثانيها: فعل رسول الله "صلى الله عليه وسلم" (فجعل الأمر إليها) إن رسول الله "صلى الله عليه وسلم" جعل الأمر إليها بمعنى أعطى لها الحق أن تمضى ما فعل أبوها أو ترده وترفضه ولو أنها رفضت لبطل العقد.

    ثالث هذه الوقفات: أن صاحبة القصة كانت فتاة بكرا وليست ثيبا حتى لا يدعى أحد أن هذا حق الثيب دون البكر، وهذا ما ذكره النسائى عندما أورد القصة والحديث.

    رابع هذه الوقفات، قولها: (قد أجزت ما صنع أبى) ولو أنها لم تجز ما صنع أبوها لبطل العقد.


    خامس هذه الوقفات، قولها: (لكن أردت أن أعلم النساء من الأمر شيئاً؟!) وأعتقد أنها علمت أن للنساء أبكاراً كن أم ثيبات الأمر كله فى عدم إجبارهن على الارتباط بمن يكرهن أو لا يرضين.

     

    إن الإسلام بدأ يعلم الأب أن ابنته "إنسان" قبل كل شئ وليست سلعة تعرض وتعطى لمن يدفع نقوداً أكثر، كما هو شأن كثير من الآباء فى مجتمعنا إلى اليوم. إن ما أثبته الإسلام للفتاة أو للمرأة فى موضوع الزواج من حرية القبول والرفض عززه بأمر آخر لابد من ذكره وهو: إذن الولى وهو أمر يحتاج إلى بعض الشرح والتفصيل الذى ربما لا يتسع له المقام والذى يرجع فيه لكتب الفقه وأهله.
    ولكن أقول اجمالا: إنه إذا كان الأب لا يحق له تزويج ابنته ممن لا ترضاه كان من حقه عليها ألا تزوج نفسها إلا بإذنه حتى لا يكون هناك مجال للقيل والقال فى حقها أو عرضها وشرفها وحتى لا يكون ثم خصومة أو شحناء أو تقطيع للأواصر. لقول رسول الله "صلى الله عليه وسلم": (لا نكاح إلا بولى) رواه أبو داود والترمذى وابن ماجد وأحمد.


    إن النص النبوى لم يرد أو يقصد إعنات الفتاة، إنما أراد تكريمها بتوفير كل الضمانات التى من شأنها أن تجعل زواجها زواجا موفقاً سعيداً تملأه المودة والرحمة. زواجا قائما على أصول. زواجا ليسا فيه شبهة استغلال الجانب العاطفى فيها مع إغفاله أو تضييعه لبقية الأصول التى يقوم عليها الزواج من طلب الكفاءة والدين وغير ذلك! وأولى من يضمن للفتاة أو المرأة تلك الحقوق هو أبوها الأب الذى أنجب، وربى، واحتوى وأدب، واحتضن، وأحب وأنفق وأرشد، وانتصر لها عندما طلبت النصرة، وكفكف الدمع، وربت على الكتف، الأب الحنون الذى لا يبغى لبناته وأولاده إلا كل خير، وبر وصلاح!

    إن الذى أتمناه لكل زواج أن يتم بموافقة جميع الأطراف: الأب، والأم، والإبنة، وأن تتم هذه الموافقة والكل سعيد بها فلا البنت مجبرة على أن تتزوج بمن تكره، ولا الأب مضغوط عليه ليقبل من يشك فيه ولا يرضيه!

     

    الأستاذ عمرو خالد بمجلة اليقظة بتاريخ 24/12/2003


    تنويه: يمنع نقل هذا المقال كما هو أو استخدامه في أي مكان آخر تحت طائلة المساءلة القانونية، ويمكن استخدام فقرات أو أجزاء منه بعد الحصول على موافقة رسمية من إدارة النجاح نت.