ما الذى يتوقع سماعه – امرؤ مسلم – من فم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة؟! أريد من قراء المقال التخمين قبل سرد الإجابة! إن من آخر ما تحركت به شفتا رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل انتقاله إلى الرفيق الأعلى: "الصلاة الصلاة، وما ملكت أيمانكم لا تكلفوهم مالا يطيقون، الله الله فى النساء، فإنهن عوان بين أيدكم، أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله (أخرجه أحمد وابن ماجه).

 

وأنا أريد أن نتعامل مع هذا الحديث تعاملاً يناسب الموقف، الذى ذكر فيه، لأنه فى هذا الموقف تتوارى التفاصيل الصغيرة، وتبرز الأمور الجسام، التى يلزم التنبيه عليها والتحذير من التفريط فيها لجلالة قدرها وعمق تأثيرها. والتى منها تقوى الله فى المرأة زوجة وصاحبة!! إن تقوى الله في المرأة زوجة ليس نفلا يتفضل به المرء وقتما يملي عليه ذلك مزاجه، أبدا! إن تقوى الله فى المرأة زوجة باعطائها حقوقها وعدم بخسها إياها – فريضة – كالصلاة، يحاسب على التفريط فيها كما يحاسب على التفريط فى الصلاة سواء بسواء!! وهذا المعنى والحكم لابد أن يستقر فى وجدان كل امرئ مسلم يرجو الله ويخاف حسابه!

 

هذه المقدمة رأيتها لازمة قبل الخوض فى تفاصيل تكريم الإسلام للمرأة زوجة، والتى أتوقع أن تكون مفاجأة بالنسبة لأغلبية القراء لفيض الخير الذى فيها، والذى أولاه الإسلام للمرأة زوجة.
لم تكن المرأة عند العرب فى حالة تحسد عليها أو منزلة تغبط عليها. فقد امتهن العرب المرأة واستعبدوها حقا، حتى أعتبرت من جملة ميراث زوجها. فقد روى البخارى وأبو داود: أنهم كانوا إذا مات الرجل فأولياؤه أحق بامرأته إن شاء بعضهم تزوجها وإن شاءوا زوجوها وإن شاءوا لم يزوجوها. فهم أحق بها من أهلها. (أخرجه البخارى عن ابن عباس مرفوعا). وكان أهل يثرب إذا مات الرجل وله زوجة يرثها من يرث ماله وكان يعضلها يعنى يمنعها من الزواج حتى تفتدى منه بمال! فماذا فعل الإسلام؟

 

لقد حررها ورد لها كرامتها الإنسانية، ودفع عنها الظلم والعنت اللذين لم تكن تملك حيالهما إلا الإذعان والرضوخ! حدث ذلك بآية! فى قوله تعالى، فى سورة النساء (آية 19): (يأيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما أتيتموهن إلا يأتين بفاحشة مبينة وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا).. ومعنى (لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها) أى لا يحل لكم أن تسيروا على سنة الجاهلية فى هضم حقوق النساء فتجعلوهن ميراثا لكم كالأموال والعبيد، وتتصرفوا فيهن كما تشاءون وهن كارهات.

 

لذلك فإن شاء أحدكم تزوج امرأة من يموت من أقاربه، وإن شاء زوجها غيره، وإن شاء أمسكها ومنعها الزواج. ومعنى (ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما أتيتموهن) أى لا يحل لكم أن ترثوا النساء ولا أن تضيقوا عليهن أو تؤذوهن، ليكرهنكم، فيضطرون إلى الافتداء منكم بالمال، حتى يتحررن من سيطرتكم وقهركم لهن، وكبتكم إياهن.

 

إن هذا الامتهان الذى كانت تتعرض له المرأة أمدا طويلا بعثر أركانه الإسلام، عندما أنشأ أمه تجل وحى السماء وتنتصر له على كل تقاليد بالية أو منفعة موروثة. إن النداء بـ (يأيها الذين آمنوا) كما جاء فى صدر هذه الآية، كان كفيلا فى وقت من الأوقات، بأن يحول مسار مجتمع إنسانى بأكمله مائة وثمانين درجة بمنتهى اليسر والانسيابية. ولن تعود للمرأة كرامتها غير منتقصة إلا باستيلاء الإيمان على قلب المجتمع الذى تحيا فيه!

 

إن صورة الإهانة هذه لم تكن هى الصورة الوحيدة فى مشهد الظلم العام للمرأة كزوجة، وياليت العرب أو غيرهم ممن لم يكن للمرأة فى شرائعهم أو واقعهم موطن كرامة ولا منزلة شرف – اقتصروا فى إهانتها على ذلك الحد، بل إن بعض القوم ذهبوا لأبعد من ذلك، إذ كانت شريعتهم تقضى على المرأة التى مات زوجها، أن تحرق حية حتى تدفن معه من باب الوفاء له وإعلانا بارتباط حياتها بحياته وروحها بروحه! وإذا تساءل أحدنا: بأى ذنب تقتل وتحرق؟! فالإجابة لأنها زوجة!! ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم!!

 

إن للزوجة فى الإسلام مكانة، غير تلك التى أسرتها فيها شرائع وقوانين غيره، ممن لم يهتد بهدى السماء، سواء أكانت تلك الشرائع التى جاءت كانت قبله أو حتى تلك التى استمرت بعده فى بقاع الأرض المختلفة، والتى استشهد عليها من أهلها: الفيلسوف الإنجليزى (هيربرت سبنسر) الذى ذكر فى كتابه علم الاجتماع: إن الرجال كانوا يبيعون الزوجات فى إنجلترا فيما بين القرن الخامس والقرن الحادى عشر الميلادى.

 

لقد وضعت محاكم الكنيسة قانونا يعطى الزوج الحق فى أن يعطى زوجه لرجل آخر لمدة محدودة، بأجر. وظل هذا القانون مطبقا حتى ألغي ولم يكن للمرأة فى أوروبا حتى فترة قريبة حق الحضور أما القضاء، أو حق إبرام العقود وكانت لا تملك البيع أو الهبة بغير مشاركة زوجها فى العقد إلا بموافقة مكتوبة، كان هذا يحدث فى قلب أوروبا طيلة ستة قرون قبل الإسلام، وأربعة بعده، كانت الزوجة المسلمة فيها تحيا حياة لا أكرم واشرف ولا أعلى منزلة منها. وللحديث بقية في الأسبوع القادم إن شاء الله.

 

الأستاذ عمرو خالد بمجلة اليقظة بتاريخ 28/11/2003