تعلم إذا أردت أن تفهم إذا أردت أن تفهم أي جزئية في أي موضوع، فلا بد أن تفهم هذه الجزئية في ضوء كليات الموضوع، واسمحوا لي أن أوضح هذه القناعات بمثال، فما رأي حضراتكم في الإسلام من حيث أنه دين الرحمة؟ أعتقد أننا كلنا متفقون على ذلك أو مقتنعون به، ولكن ما الذي أوصلنا إلى هذا الاتفاق وتلك القناعة؟ إن الذي أوصلنا إلى هذا الاتفاق وتلك القناعة هو عدد وطبيعة النصوص والتطبيقات التي تفوق الحصر، والتي تفيض بالرحمة وتأمر بها لكل من هب ودب من إنسان وحيوان ونبات وجماد..

 

إن تضافر هذه النصوص التي تفيض مع بعضها البعض يكون نسيجاً متيناً متماسكاً يظلل كل ما تحته من أوامر الشريعة، ولا يسمح بأن يكون تحته أمر واحد ينقص هذا النسيج أو يخرقه، فشريعة الإسلام لا تجمع ولا توافق بين أضداد فهي ترفع شعار الرحمة، وهي لا تدعي إقامة العدل في مجال وتغرس الظلم في مجال آخر، ولا ترفض العنصرية ضد جنس وتزينها وتباركها ضد آخر.

إذن اسمحوا لي الآن أن ندخل في الموضوع مباشرة وأن نقول إن علاقة الرجل بزوجته المسلمة وعلاقة المرأة المسلمة بزوجها في الإسلام، هي علاقة إنسانية عامة في مقامها الأول وخاصة في مقامها الثاني، الأمر الذي جعل الإسلام يحكمها بأصولها العامة وينظمها بأصول أخرى خاصة، فمن الأصول العامة التي أقرها الإسلام والتي تحكم العلاقة الإنسانية بين أي من الاثنين،

إن أول هذه الأصول هو أصل الرحمة، إن الإسلام فتح باب التراحم على مصراعيه، ودعا أتباعه إليه بشتى الطرق والوسائل وبالغ في ذلك لدرجة أنه علق رحمة الله تعالى بالإنسان برحمة الإنسان بمن وحوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من لا يرحم الناس لا يرحمه الله"، وقال صلى الله عليه وسلم في حديث آخر "ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء"، وفي حديث ثالث "الراحمون يرحمهم الله"،

وثاني هذه الأصول هو العدل وتحريم الظلم، فعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة"، رواه مسلم. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم، قبل أن لا يكون درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه"، رواه البخاري.

 ثالث هذه الأصول هو الرفق، عن عائشة رضي الله عنها، قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله"، متفق عليه، وعنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف ومالا يعطي على ما سواه"، رواه مسلم، وعنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه"، رواه مسلم. وعن جابر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من يحرم الرفق يحرم الخير كله"، رواه مسلم.

ورابع هذه الأصول هو العفو والصفح قال تعالى "وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم"، وقال تعالى: "والعافين عن الناس والله يحب المحسنين"، وقال تعالى: "ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور"، إذا كانت هذه الأصول الأربعة التي ذكرتها وغيرها مما يدور في فلكها ولم أذكره، هي الأصول التي تحكم العلاقة بين أي اثنين تظلهما شريعة الإسلام، فهي بداهة بين الزوجين أولى وأحكم وأوثق وأعمق لخصوصية العلاقة بينهما، والتي أوضحها الله تعالى في كتابه العزيز، قال تعالى: "ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون" الروم 21، ولا أعتقد أنه يمكن بحال من الأحوال أن تنشأ علاقة سكينة وأن تكون بالمودة والرحمة والحب كما أراد الله تعالى لها، وعلاقة طرف بالآخر فيها هي علاقة الجلاد بسجينه، إنه لا يتصور بحال من الأحوال أن يأمر الله الرجل المسلم بالرحمة والعدل والرفق والعفو والصفح مع الخلق جميعاً، ثم يستثن من هذا الخلق كله زوجته ليمارس ضدها العنف والإهانة والترويع والكبت، والذي يفهم بمثل هذا الفهم لا شك أنه مصاب بعلة عقلية وأخرى نفسية..

إنني أجزم بأن مشكلة هؤلاء ليست في سوء فهمهم للنص بقدر ما هي تعبير وتنفس عن طبيعة نفسية معتلة، إن الإنسان السوي يأبى أن يتجاسر على ضعيف أو أن يتعدى عليه بلا سبب قهري، وإن استفزه هذا الضعيف فالمروءة تمنعه من ذلك فطرة، فما بالكم لو كان هذا الإنسان مسلماً يُشربه دينه مكارم الأخلاق ويربيه عليها ليلاً ونهاراً، إن استغلال القوي لضعف الضعيف دناءة لا يعرفها الإسلام ولا يقرها بحال من الأحوال، والذي يظن أن ثمة نصوصاً في الإسلام تبيح إهانة الآخر لأي سبب من الأسباب، وتبيح ترويعه دون سبب حقيقي فهو إنسان لا يفهم الإسلام ابتداءً، إن الإسلام إذا أباح الاشتباك اليدوي مع الآخر فهو يبيحه كاستثناء أخير يلجأ إليه الشخص ليرد ظلماً واضحاً وفجاً، ولا يلجأ إلى مثل هذا الاشتباك ابتداء أبداً، إنه أولاً يصفح وينذر ويعظ ثم يمهل، فإن لم يصاحب هذا الإمهال موقف إيجابي من الآخر ورجوع إلى الحق الذي حاد عنه، فإنه يشتبك معه اشتباكاً تأديبياً على قدر جرمه وإصراره عليه ولا يتعدى في ذلك، فيواجه برد فعل لا يتناسب مع فعله سواء من حيث الكثرة أو الحجم قال تعالى: "الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين"، البقرة.

إنه منطق الحق الذي استودعه الله تعالى كتب الغابرين ولكنهم للأسف ضيعوه، قال تعالى: "وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون"، المائدة. إن التعدي في رد الفعل جريمة يعاقب عليها الإسلام حتى وإن أقر رد الفعل ذاته قال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ، فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ" (البقرة، 178)، أترى ختام هذه الآية تنطبق على من يسوّغ لنفسه ضرب امرأته دون سبب أقره الشرع، وهل تراه ينطبق على من استعمل الإباحة المقيدة تقييداً شديداً- كما سنوضحه في مقالنا المقبل بإذن الله- فأطلقها، وهل تراه ينطبق على من لجأ إليها ابتداء ولم يراع أن آخر الدواء الكي، وجعلها الأصل، وهل تراه ينطبق على من استغلها لإهانة زوجته وتخويفها وترويعها، ولم يفهم أن القصد منها هو مجرد التأديب والإرجاع عن النشوز؟ إن الله تعالى علواً كبيراً لا يحابي أحداً على أحد، ولا يفرق في الجزاء بين رجل يتعدى حدوده وامرأة تتعدى حدودها. وللحديث بقية في الأسبوع المقبل إن شاء الله.

 

عمرو خالد يكتب لمجلة المرأة اليوم بتاريخ 19 مارس 2005