أمر عادي أن يكون بين الرجل وزوجه في بعض الأوقات خلاف، فالحياة الزوجية عضواها من البشر لا من الملائكة، والضعف البشري لابد أن يُسْفِر عن بعض الأخطاء سواء كانت صغيرة متكررة أو حتى كبيرة وعارضة، والطبائع البشرية خلقها الله متفاوتة، ولابد أن يختلف الزوجان اختلافاً ما في التفكير أو في المزاج أو في الذوق، وهذا ما يولد خلافاً أو نزاعاً، ولا أحسبني مغالياً إذا قلت- مع القائلين- إن هذا النوع من الخلافات الصغيرة المتكررة بين الحين والآخر، أو حتى تلك الكبيرة العارضة هي للزوجين كالملح للطعام، لأن أحدنا لا يستطيع أن يستطعم طعاماً لا ملح فيه، مع الإقرار بأنه لا يستطيع كذلك أن يطيق طعاماً زاد ملحه فيه عن حده، وتعالوا اليوم بإذن الله تعالى- أعرض على حضراتكم بعض الأكلات التي زاد ملحها قليلاً، ونرى معاً كيف يكون التعامل الأمثل معها.

 

عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان مع بعض نسائه فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين بصحفة (إناء من الطين للطعام) فيها طعام، فضربت التي كان النبي صلى الله عليه وسلم في بيتها يد الخادم فسقطت الصحفة فانفلقت، فجمع النبي صلى الله عليه وسلم فلق الصحفة، ثم جعل يجمع فيها الطعام الذي كان في الصحفة ويقول غارت أمكم. ثم حبس الخادم (أُخِّرَ الخادم) حتى أتى بصحفة من عند التي هو في بيتها، فدفع الصحفة الصحيحة إلى التي كَسَرت صحفتها وأمسك المكسورة في بيت التي كُسِرَت فيه (رواه البخاري).

 
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عالج الموقف بمنتهى الهدوء والحكمة والتسامح وغض الطرف، وهو الذي لنا فيه صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة، لقوله تعالى لنا (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) "الأحزاب21"، وإنني لأعرض هذه القصة وذاك الموقف على الرجل الذي يرمي يمين الطلاق على زوجه، لأنها تأخرت في إعداد الطعام، أو لم تُحْسِن كي قميصه حتى يرى حقيقة نفسه ويعلم أين هو من الإسلام ومن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ طيب لو الملح زاد عن ذلك قليلاً، ماذا يكون العمل؟ تعالوا نشوف (قال: عمر: كنا معشر قريش نَغْلِبُ النساء، فلما قدمنا على الإفطار إذا قوم تغلبهم نساؤهم فطفق نساؤنا يأخذن من أدب الأنصار، فصَيَّضْت (صِحْتُ) على امرأتي فراجعتني فأنكرت أن تراجعني، قالت ولِمَ تنكر أن أراجعك، فوالله إن أزواج النبي الله صلى الله عليه وسلم ليراجعنه، وإن إحداهن لتهجره اليوم حتى الليل، فأفزعني ذلك وقلت لها: قد خاب من فعل ذلك في، ثم جمعت علي ثيابي فنزلت فدخلت على حفصة فقلت لها: أي حفصة أتُغَاضِب إحداكن النبي الله صلى الله عليه وسلم اليوم حتى الليل؟ قالت: نعم، فقلت قد طبت وخسرت....(رواه البخاري ومسلم).


إن الهجر اللطيف والوارد في الفقه من أنواع المغاضبة الرقيقة. وهو في الوقت نفسه عتاب صامت ودعوة للصاحب ليراجع نفسه وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى المسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ويقول: (لا يحل لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان فيعرض هذا، ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ السلام) "رواه البخاري ومسلم".


إذا كان هذا هو المدى الأقصى للهجر بين اثنين من عامة المسلمين أفلا يكون من الأولى أن تكون مدة الهجر بين شريكي العمر أقصر من ذلك؟! أعتقد أن يوماً واحداً كاملاً يكون فيه الكفاية وزيادة، طيب لو فرضنا أن المشكلة كبرت" شوية كمان"، سيكون لها أيضاً – بإذن الله – حل عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: أنكحني أبي امرأة ذات حسب فكان يتعاهد كنته (الكنه هي زوج الولد) فيسألها عن بعلها فتقول: نِعْمَ الرجل من رجل لم يطأ لنا فرشاً ولم يفتش لنا كنفاً (كشفت بذلك عن تقصيره معها في الحياة الزوجية) فقد أتيناه فلما طال ذلك عليه ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: أَلْقِنِي به فلقينه بعد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا عبد الله ألم أخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل. فقلت: بلى يا رسول الله. قال فلا تفعل صم وأفطر وقم ونم، فإن لجسدك عليك حقاً وإن لبيتك عليك حقاً، وإن لزوجك عليك حقاً وإن لزورك (زوارك) عليك حقاً. (رواة البخاري).


إن حل بعض المشكلات قد يكون بالاستعانة بقريب مخلص، يحب الخير للزوجين ويكره أي خلاف بينهما، كما كان في هذه القصة وتلك المشكلة، مع التأكيد على أن ما بين الزوجين ينبغي أن يظل سراً مصوناً، وأن يكون علاج خلافتهما فيما بينهما دون تدخل من أحد مهما كان قربياً من الطرفين – هو الأصل، وأكرر هو الأصل إلا أن يعجزا تماماً وأحذر في هذا المقام – لله – من أن يتسلط علينا الوهم بالعجز أو يغلبنا الكسل عن بذل الجهد، أو تأسرنا العجلة وربما الحماقة وفي النفس طاقات وطاقات لتبذل.


إن تصفية الخلافات بين جدران البيت هي أفضل وأيسر وأستر سبيل والاستعانة بشفيع قبل بذل الجهد الذاتي، ليس حماقة بل هو تعجل وكما يعلم الجميع فالعجلة في الشيطان. وللحديث- عن المشكلات الأكبر حجماً والأشد أثراً - بقية بإذن الله تعالى إذا كان في العمر بقية والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

أ. عمرو خالد مجلة المرأة بتاريخ 27 يوليو 2004