تحدثنا في المقال السابق عن الخطوط الكبرى لمسار التراكم، وما يتطلبه من بناء عالم جديد من الأفكار والعلاقات والمشاريع. ونختم هذه السلسلة بالحديث عن فكرة “المساهمة” في مشروع النهضة، وهو مفهوم يجب أن يترسخ في أذهان العاملين للنهضة، إذ احتكار قيادة وممارسة الفعل في مسار التراكم أمر لا نرى بإمكانه عملياً في هذا العصر، فضلاً عن إنه يخالف جوهر فكرة “النهضة”، التي تنادي بإشراك كل مكونات الأمة في هذا المشروع. لا شك إن الجهود التي تحتاجها الأمة للنهضة كبيرة ومتنوعة، فهناك جهد يجب أن يتم لإصلاح عالم الأفكار، وهناك جهد يجب أن يتم لإصلاح عالم العلاقات، وهناك جهد يجب أن يتم لإصلاح عالم المشاريع والمبادرات. وحركة الحياة أعقد بكثير من التراتيبية الثلاثية، فلا يمكن وقف أي من هذه المسارات لإصلاح أحدها، ولكن من زاوية أخرى يمكن القول إن نقطة الانطلاق والتركيز في مرحلة ما قد تكون في أحدها. وهنا تأتي أولوية عالم الأفكار والمشاعر…

إن افتتاحية أي عصر تبدأ من تحولاته الفكرية، فالرسالة الإسلامية كانت افتتاحية عصر تحرير للعقل والروح والجسد من مقررات العصور الوسطى، حيث صودر العقل (اغمض عينيك واتبعني)، وصودر الجسد (بالخطيئة الأصلية وضرورة التكفير عنها بالحرمان الجسدي)، وصودرت الروح (طريق التكفير يمر عبر وسيط الكنيسة).

هكذا جاءت رسالة الإسلام لتحرر العقل (اقرأ، وعلم بالقلم، وهاتوا برهانكم، وأفلا ينظرون)، وتحرر الجسد (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق)، وتحرر الروح وتلغي الواسطة (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان).. والأمة الإسلامية مطالبة اليوم أن تحرر نفسها مما ران عليها من آثار عصور الانحطاط.. من بعض الأفكار المتجذرة ومصادرها.. فكرة الخصام مع عالم السببية، وفكرة الخصام مع العلوم التطبيقية، وفكرة قصر العلوم الشريفة على علوم الكتاب (تصريحاً أو تلميحاً)، وفكرة إن دور العقل لا نحتاجه مع النص، وفكرة إن المرأة يقاس حالها على الأسيرة والمملوك عند زوجها، وفكرة إقصاء المخالف المسلم، وفكرة الإكراه في الدين. تبدو هذه المقولات غريبة، وقد يسارع بعض المستعجلين بنفيها؛ ولكنها تسكن في تلافيف التراث والعقل الجمعي، وهي نتاج مراحل الانحطاط في الفكر الإسلامي، وتجذرت في فضاء الأمة من خلال مدارس إسلامية كبرى، ونحن مطالبون على الأقل بالتأكد من هذه المقولات بشكل علمي لا بردود الأفعال. إن استقبال عصر جديد يعني معاودة النظر لجذور هذه الأفكار، وتحرير العقل منها إن وجدت.

لقد ورثنا إرثاً ضخماً فيه الغث وفيه السمين، وهو ليس كتباً بل بشراً ناطقاً في الإعلام والتعليم وعلى المنابر، يعيد إنتاج العقول وفق هذه المنظومات. إن جهد التحرر العقلي والتصحيح الفكري لا يقل أهمية؛ بل هو المقدمة الصحيحة لسائر أشكال التحرر، وهو جهد يحتاج إلى جميع الطاقات العلمية والإعلامية والدعوية والرسمية والأهلية، للانطلاق إلى حال جديد وعالم جديد. نحتاج إلى جهد فكري ضخم لفهم العالم الذي نسكنه مع غيرنا من البشر، وأن ندرك علومه وتجاربه ومتغيراته، ولا بد أن نزود أبناءنا بخرائط صحيحة ليسلكوا في هذا العالم طريقاً مثمراً. آن الأوان أن نعيد النظر في عالم العلاقات داخل المجتمع الواحد وبين طوائف الأمة، وأن تبنى العلاقات على أسس جديدة تسمو فيها فكرة (إن هذه أمتكم أمة واحدة)، (وتعاونوا على البر والتقوى)، وهي فكرة تحتاج إلى تيار عام من الأمة يؤمن بإمكانية بناء هذا العالم الجديد، والتعامل على أساسه.

والمدركون لخطورة عالم العلاقات وأثره في النهضة اليوم كُثر وتواصلهم واجب الوقت … ومن العالَميْن السابقيْن سيولد عالم كبير من المشاريع الجديدة، التي تسد احتياجات الأمة في مختلف المجالات بإذن الله … ومشروع النهضة الذي ينادي به الجميع كحلم لهذه الأمة؛ هو ما حاولنا أن نساهم فيه بشئ يسير، من خلال سلسلة من الكتب، وبرامج التدريب للراغبين، وموقع لتنمية الفكرة وتطويرها، وبناء عالم علاقات يقوم على الفكرة المركزية (وتعاونوا على البر والتقوى) و (إن هذه أمتكم أمة واحدة)، ولمزيد من التفصيل والتشاور حول جملة الأفكار المطروحة يمكن للقارئ أن يتواصل معنا عبر موقعنا… فلا تحرمونا من رأيكم ومشورتكم. ربما… ربما يكون هناك حل محتمل… والله الموفق للفلاح.