كتب عبد الرحمن الفيفي:
أن أحد أهم الأركان اللتي تقوم عليها هو (( المرونة )) ، و المرونة هي القدرة على التغيير ، تغيير أي شيء من روتين الحياة من العادات من السلوكيات من طرق التفكير من استراتيجيات التعامل .. أي شيء يمكن تغييره فيما عدا الثوابت طبعا .
إن قدرتك على التغيير تكسبك خيارات جديدة ، و تجعلك في سعة من أمرك ، و تجدد حياتك بشكل يدفع الملل والسأم وتحررك من أسر الروتين و سجن العادة ، و هذا كله يجعل حياتك أرحب و أسهل شرط أن يكون التغيير محسوب العواقب والآثار .

وبما أن هذا الموضوع يكتب ضمن قسم ( شواهد البرمجة من التراث الإسلامي ) فإني أحب أن أركز على التوجيهات الإسلامية المتعلقة بهذا الموضوع ، فإن ديننا عظيم ، وقد راعى هذا الجانب في توجيهاته المختلفة ، وربى أبناءه على المرونة ، و من أعظم الشواهد على ذلك ( صيام رمضان ) الذي هو ركن من أركان الإسلام والذي هو فرض عين على أبناء الإسلام ، إن فيه دروسا عظيمة جدا من دروس المرونة ، فالمسلم يعتاد في سنته كلها على نمط روتيني في نظام حياته ثم يأتي رمضان فيلتزم معه بنظام مختلف تماما يعلمه المرونة ،

ومن أهم المتغيرات في رمضان :
1- النظام العبادي : لا شك أن الإنسان يمر في حياته اليومية طيلة سنته بمشغلات دنيوية كثيرة تأخذ كثيرا من وقته و تحول بينه و بين ما يطمح إليه من التفاني في طاعة ربه ، حتى يغلب عليه في حياته نمط معين من صلته بربه تكاد تكون معة العبادة عادة إلا من رحم الله ، حتى إذا جاء رمضان وهو موسم الخير و التنافس الذي تصفد فيه الشياطين ، شمر المسلم للطاعات والقربات وفرغ نفسه من كثير من مشغلاته المعتادة ، وعاش رمضان في صيام صلاة وقيام ودعاء وصدقة وتلاوة وغير ذلك ، هذا التغيير الموسمي السنوي يجدد حياة المسلم ويكسبه شفافية روحانية عالية فينقضي رمضان والمسلم يبكي على فراقه ، لما اعتاد عليه من جو الصلة العالية بالله تعالى .


2- النظام الغذائي : ولا شك أنه ثبت طبيا وصحيا أن هذا التغير له فائدته الصحية الرائعة ( صوموا تصحوا ) ، فلا شك ( ان المعدة بيت الداء ) ، و هذا التغيير بقدر فائدته الصحية البدنية له فائدة نفسية وذهنية رائعة ، وقديما قيل ( البطنة تذهب الفطنة ) ، هذا فضلا عن استشعار المسلم لمشاعر الضعفاء المساكين الذين يفتقرون لما يقيم أودهم من القوت القليل . كل هذه الفوائد لايمكن أن نتعلمها بنفس الدرجة لولم يكن هذا التغيير الجذري الذي يحدثه الصوم في حياتنا .

كل هذا التغير الذي يحدثه رمضان في حياة المسلم هو لون من ألوان المرونة المقصودة التي تترك آثارا إيجابية لا حصر لها ، ولا شك أن هذه الفوائد ليست وحدها مقاصد رمضان فهو أعلى من ذلك و أسمى .

ومن حرص الإسلام على إحداث التغيير الإيجابي المقصود في حياة المسلم ، الحج والعمرة ، وما فيها من تغييرات متعددة تعلم المسلم أشياء لم يعتد عليها في سائر حياته و من أبرزها ، لبس الإحرام للرجال و محظورات الإحرام للرجال و النساء ، والمتأمل في حكمها ومقاصدها يجد إيجابياتها أكبر من أن تحصر .

و من شواهد المرونة في تراثنا الإسلامي حث الرسول صلى الله عليه على عدم التزام المسلم نمطا من الحياة روتينيا محددا في مثل قوله عليه الصلاة والسلام : ( إخشوشنوا فإن النعم لا تدوم ) .

هذه عجالة سريعة في هذا الباب أدع لكم جميعا إثراءها بشواهد أخرى من تراثنا الإسلامي العظيم .