المؤسسة المتعلمة

عبد الله المهيري

أخبرني أحد الأصدقاء بأنه يحس بالملل في عمله، فهو وبعد أن ينتهي من عمله، لا يجد شيئاً يعمله أبداً، وطبيعة وظيفته تفرض عليه أن يكون العمل مزدحماً في أوقات معروفة من السنة، وبقيت السنة لا يوجد فيها عمل كثير، ويقول بأنه حاول استغلال وقته في بعض الأمور المفيدة، إلا أنه لا زال يعاني من الملل نتيجة الفراغ الكبير في وقته.

قال لي: الحل يكمن في أن نعمل حتى ننتهي من أعمالنا ثم يؤذن لنا بالخروج ما دمنا قد أدينا ما علينا من واجبات، أما أوقات الذروة فنحن متواجدون لإنهاء كل شيء يجب علينا إنهاؤه، أو أن نضع جدولاً للحضور، بحيث أحضر وبعض الموظفين معي في نصف الدوام، ويحضر البقية النصف الآخر المتبقي من الدوام، فقلت: هذه حلول جيدة، لكن صدقني العقول الإدارية قد لا تتقبل هذه الأفكار لمجرد أنها تخرج عن النظام التقليدي، الحضور باكراً وتوقيع دفتر الحضور والخروج في آخر الوقت، أو استخدام البطاقات والأجهزة الحديثة لتسجيل الحضور والغياب.

ويتبادر إلى ذهني سؤال مهم، ألا توجد طريقة نستغل فيها وقت الموظف فيما ينفعه وينفع مؤسسته؟ بلا توجد الكثير من الطرق، لكن أركز على طريقة واحدة، وهي التعليم والتدريب واستثمار خبرات الموظفين، المرء منا يتعلم ويكتسب خبرات كثيرة في حياته وعمله، وكل مؤسسة تمتلك خبرات بشرية كثيرة، فإن استغلتها الاستغلال الجيد، فستصبح مؤسسة متعلمة تمتلك خبرات تجعل منها مؤسسة منتجة ومتطورة.

ولنأخذ أبسط الأساليب للاستفادة من خبرات الموظفين، وهي الاقتراحات والأفكار الإبداعية، هناك الكثير من المؤسسات ترفع إداراتها شعارات مشجعة الموظف على الإبداع وابتكار الأفكار، وفي أرض الواقع صناديق الاقتراحات عشش فيها العنكبوت ولم يكترث إلى ما فيها من اقتراحات، وبعض المؤسسات لا تضع في الأصل أي صناديق، بل توجه الموظفين إلى أن يتحدثوا بأفكارهم مباشرة مع المدراء، والمدراء بدورهم إن كانوا أصحاب فكر تقليدي فبكل تأكيد سيجهضون هذه الأفكار قبل ولادتها.

أما الجانب المشرق من هذا الأسلوب، يكمن في بعض المؤسسات التي أقامت نظام اقتراحات متكامل، يكافئ فيه صاحب الاقتراح بعدة مكافئات، تتراوح ما بين الحصول على نسبة مئوية من خفض التكاليف إلى جوائز عينية ورمزية، ويشارك صاحب الاقتراح بنفسه في متابعة تنفيذ الاقتراح وتجريبه حتى يثبت نجاحه.

نقارن بين الصورتين، السلبية والإيجابية لنظام الاقتراحات، نجد أن الصورة السلبية تتكرر كثيراً، أما الصورة الإيجابية فلم أسمع أو أقرأ عنها إلا في مؤسسات تعد على أصابع اليد الواحدة، وعلى بساطة هذه الأنظمة، إلا أنها تستثمر خبرات الموظفين في تطوير العمل، وتؤكد للموظفين أن مؤسستهم تهتم بهم وبأفكارهم وتقدرهم، وبذلك يرتفع الولاء لدى الموظف تجاه مؤسسته، وفوق ذلك توفر المؤسسة على نفسها الكثير من التكاليف وتطور من أساليبها فلا تعاني من التجمد ما دامت مستمرة في احترام أفكار موظفيها، ومع كل هذه الفوائد لا زالت الكثير من مؤسساتنا الحكومية والخاصة مترددة أو رافضة لتطبيق نظم الاقتراحات.

وتستطيع أي مؤسسة أن تستثمر خبرات موظفيها عبر عقد دورات تعليمية وجلسات لتبادل الخبرات بين الموظفين والمدراء، ولا تحتاج هذه الدورات إلى تكاليف كبيرة كتلك التي تعتمد على مدربين من خارج المؤسسة، وكل ما على المؤسسة فعله هو إتاحة الوقت الكافي للموظفين للاتقاء والاجتماع لتبادل الخبرات والأفكار، وعلى الإدارة أن تكون منفتحة تجاه موظفيها، حتى يجتمع الموظفون مع المدراء فيأخذ المدراء صورة واقعية عن سير العمل، ويعلم الموظفون ما هو الواجب عليهم فعله وما هي أهداف المؤسسة.

وهناك وسائل كثيرة للاستفادة من خبرات الموظفين، ولا يتسع المجال لذكرها بالتفصيل، لكن كل هذه الوسائل تحتاج إلى أساس متين، يبنى على قطع المجاملات والمحسوبية من جذورها لكي تعم روح الصراحة والصدق في المؤسسة، وتحتاج المؤسسة إلى اتصال فعّال بين كل المستويات الإدارية بحيث يفهم المدير الموظف ويستمع له بصدق، ويستطيع الموظف في نفس الوقت الحديث بحرية وبدون خوف على وظيفته أو من العقاب.

والأهم من ذلك كله، أن تكون المؤسسة متفتحة وغير متمسكة بنماذج قديمة أثبتت نجاحها، فالحاضر والمستقبل بحاجة إلى نماذج أخرى مبتكرة ومرنة، تتوافق مع متطلبات العمل الحالية والمستقبلية، ويعني ذلك التخلي عن كل نظام قديم لصالح أنظمة جديدة أكثر إنتاجية، إضافة إلى ذلك يجب أن تهتم المؤسسة بالإنسان لا الأنظمة والقوانين، فإن تعارضت القوانين مع مصلحة الموظفين أو المؤسسة يجب إلغاءها أو تبديلها إلى قوانين تخدم المؤسسة وموظفيها.

 

عالم النور

تعلم معنا -المؤسسسة المتعلمة