Top
مدة القراءة: 4 دقيقة

الليل وحلاوته "قيام الليل"

الليل وحلاوته
مشاركة 
17 اغسطس 2009

 

الدنيا في النهار كلها ضوضاء وزحام وشيل وحط وهات وخد وإقبال وإدبار، وذهاب ومجيء ولي وليك، وليك ولي، عكس الليل كله هدوء وسكون. إن طبيعة الحركة في النهار من شأنها أن تؤثر بالسلب على التركيز العقلي فتضعف القدرة على الفهم العميق والحفظ الراسخ لآيات الله وكذلك تؤثر بالسلب على الهدوء النفسي الأمر الذي يؤدي إلى التوتر والتشتت وعدم القدرة على الاستغراق والمعايشة العميقة لأي أمر من الأمور، ليس ذلك فقط بل وكذلك على الاحتمال الجسدي، فلا يقوى الجسد على طول القيام في الصلاة أو المجاهدة، أما الليل فهو وقت تخفت فيه الأصوات وتقل فيه الحركة، ولا يسعى فيه الإنسان بعنف إلى حوائج الدنيا، وهو وقت يلقى على عاتقه إلى حد كبير الكثير من اللواهي وشواغل القلب الأمر الذي يساعد على فراغ البال وحسن السمع والتلقي، وهي الأمور التي تؤدي إلى تمام الإحساس والشعور بمراقبة الله ومعايشة القرآن تلاوة وتدبراً بخشوع، ولذا أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بقيام الليل، فقال تعالى: "يا أيها المزمل(1) قم الليل إلا قليلا (2) نصفه أو أنقص منه قليلا (3) أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا (4) إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلا (5) إن ناشئة الليل هي أشد وطئاً وأقوم قيلا (6) إن لك في النهار سبحاً طويلا (7) واذكر ربك وتبتل إليه تبتيلا (8)" المزمل.



 

لهذه الخصائص ميز الله الليل بما ميزه من الفضائل فساعات الليل بالنسبة لقائميه ومحبيه أعمق طمأنينة وأفرغ للقلب، وأشد موافقة بين القلب والبصر والسمع واللسان من ساعات النهار، وبهذا العمق في الشعور بمراقبة الله والإحساس بمعاني القرآن يتحقق الإيمان الصادق، قال تعالى: "إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجداً وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون (15) تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون (16) فلا تعلم النفس ما أخفى لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعلمون (17) أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون (18) أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى نزلاً بما كانوا يعملون (19)" السجدة. فقيام الليل ومناجاة الله فيه والبكاء بين يديه وطلب العفو والغفران أمور ترفع صاحبها إلى منزلة عباد الرحمن الذين قال تعالى فيهم: "وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً (63) والذين يبيتون لربهم سجداً وقياما (64) والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم ‘إن عذابها كان غراماً (65) إنها ساءت مستقراً ومقاما (66)" الفرقان.

ومقام عباد الرحمن هذا مقام تشريف طوبى ثم طوبى لمن أدركه أو تعلق بأستاره، قال تعالى عن أصحابه: "أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاما (75) خالدين فيها حسنت مستقراً ومقاما (76)" الفرقان، إن الله تعالى لم يسوي بين قُوّام الليل وغيرهم أبداً قال تعالى: "أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب" الزمر: 9، إنه قانون العدل الإلهي الذي يعطي كل ذي حق حقه وفوق حقه فضله وكرمه.

ولنتأمل هذه الرقيقة المعبرة عن جملة تلك الحقائق التي أوردناها، أوحى الله تعالى إلى بعض الصديقين "يعني ألهم الله بعض الصديقين" أن لي عباداً أحبهم ويحبونني وأشتاق إليهم ويشتاقون إليّ وأذكرهم ويذكرونني فإن حذوت حذوهم أحببتك وإن عدلت عنهم فقدتك؟ قال وما علاماتهم يا رب؟ قال يراعون الظلال كما يراعي الراعي غنمه "يعني يدققون في أوقات الصلاة ويؤدونها في وقتها" ويحنون إلى غروب الشمس كما تحن الطير إلى أوكارها "فالمغرب هي وقت الأذكار وبداية الليل" فإذا جهم الليل وخلا كل حبيب بحبيبه قاموا إلىّ فافترشوا إلي جباهم ونصبوا إلي أقدامهم يتملقون بأنعامي ويذكرونني بكلامي ما بين متأوه وباك وما بين صارخ وشاك بعيني ما يجدون من حبي وبسمعي ما يجدون من ذكري أول ما أعطيهم أقذف من نوري في قلوبهم فيخبرون عني كما أخبر عنهم والثانية لو كانت السموات السبع والأرضون في موازينهم يوم القيامة لاستقللتها لهم والثالثة أقبل عليهم بوجهي أفترى من أقبلت عليه بوجهي أيعلم أحد ما أريد أن أعطيه؟! انتهى.

اللهم لا! إن الفضل الذي ألحقه بصلاة الليل وقيامه فضل يحتاج إلى بيان وتفصيل فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: في الجنة غرفة يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها فقال أبومالك الأشعري لمن هي يا رسول الله؟ قال لمن أطاب الكلام وأطعم الطعام وبات قائماً والناس نيام "حديث صحيح رواه الطبراني" هذه واحدة، أما الثانية فشفاعة القرآن: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة يقول الصيام: أي رب إني منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه وقول القرآن: رب منعته النوم بالليل فشفعني فيه فيشفعان "حديث صحيح" إن هذه الشفاعة ليست بالشيء الهين الذي يستخف به أحدنا إنها أمر جلل يسعى إليه ويحفد أحدنا وراءه حتى يدركه بكل ما أوتي من طاقة لعله ينال به الفكاك من النار في هذا اليوم الذي يفر فيه المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه.

إن قيام الليل هو الطريق الأمجد لتكفير السيئات والذنوب والخطايا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم وقربة إلى الله تعالى ومنهاة عن الإثم وتكفير للسيئات ومطردة للداء من الجسد" حديث صحيح، وهو الطريق لحب الله تعالى، فعن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاثة يحبهم الله ويضحك إليهم ويستبشر بهم الذي إذا انشقت فئة قاتل وراءها بنفسه لله عز وجل فإما أن يقتل وإما أن ينصره الله ويكفيه فيقول انظروا إلى عبدي هذا كيف صبر لي بنفسه والذي له امرأة حسنة وفراش لين حسن فيقوم من الليل فيقول يذر شهوته ويذكرني ولو شاء رقد والذي إذا كان في سفر وكان معه ركب فسهروا ثم هجعوا فقام من السحر في ضراء وسواد" "حسن رواه الطبراني في الكبير وفي إسناده حسن".

إنني لا أحب أن أحداً منا رغب عن هذا الفضل وهو في غنى عنه والذي لا يتعب نفسه في تجربة قيام الليل والناس نيام يحرم نفسه من خيري الدنيا والآخرة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ينزل الله تعالى إلى السماء الدنيا كل ليلة حيث يمضي ثلث الليل الأول فيقول: أنا الملك أنا الملك من ذا الذي يدعوني فأستجيب له؟ من ذا الذي يسألني فأعطيه؟ من ذا الذي يستغفرني فأغفر له؟ فلا يزال كذلك حتى يضيء الفجر" "أخرجه مسلم والترمذي عن أبي هريرة" إن في الليل ساعة لا يوافقها عبد مؤمن فيسأل الله فيها من خيري الدنيا والآخرة إلا أعطاه وذلك كل ليلة، الذي يريد الغنى عن الناس عليه بقيام الليل والذي يريد في الدنيا الستر عليه بقيام الليل والذي يريد حفظ النعمة والبركة في الولد والشفاء للأهل عليه بقيام الليل إن الله هو الذي وعد بأن يعطي لقوام الليل سؤاله والله تعالى إذا وعد فهو خير من يوفي سبحانه! بقي وقبل أن نختتم المقال أن نقول إن قيام الليل هو الاعتناء بشأن الليل من مغرب شمس اليوم إلى طلوع فجر اليوم التالي بإقامة الصلاة والذكر والدعاء والتفرغ والابتهال والمناجاة لله فيه، جعلنا الله وإياكم رجالاً ونساء من قوامي الليل ومتعنا وإياكم بما يمتع به أهله وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى آله وصحبه وسلم. 

 

عمرو خالد لمجلة المرأة اليوم بتاريخ 7 ديسمبر 2004


تنويه: يمنع نقل هذا المقال كما هو أو استخدامه في أي مكان آخر تحت طائلة المساءلة القانونية، ويمكن استخدام فقرات أو أجزاء منه بعد الحصول على موافقة رسمية من إدارة النجاح نت.



ساعدنا في تطوير عملنا وقيّم هذه المقالة


تعليقات الموقع