يعتبر الكذب في مرحلة الطفولة أمراً غير مقلق وهو ليس كذباً بل هو خيالاً والطفل لا يستطيع التمييز بين الواقع والخيال..

الطفل الصغير جداً لايميز بين الخيال والواقع ولهذا يشغل خياله في بعض الأمور فينتج مانسميه كذباًًًًًً...

ولكن من الخطأ أن نظن بأن الطفل في مراحل أخرى لايفرق بين الكذب وبين الصدق...

يولد الطفل على الفطرة وهو يتعلم الكذب أو الأمانة من البيئة المحيطة به حيث أن هذه البيئة بكل أخلاقياتها تلعب دوراً كبيراً في اكتساب الطفل عادة الكذب دون الشعور بذلك حيث أننا نطالبه بعدم الكذب في حين أنه يرى والده يطلب من أخيه الذي رد على الهاتف أن يخبر المتصل بأنه ليس موجوداً في البيت أو الأم كذلك الأمر تتهرب من جارتها وتدعي بأنها مثلاً في الحمام والطفل يرى تصرفات الاثنين وكذبهما ولهذا يبدأ باكتساب عادة الكذب...

وللكذب عدة أنواع لو حاولنا تصنيفها بناء على الغرض الذي يدفع الطفل ليكذب لوجدناها كالتالي:
 
1- الكذب الخيالي:
غالباً ما يكون لدى المبدعين أو أصحاب الخيال الواسع. فالطفل قد يتخيل شيئاً ما ويحوله إلى حقيقة.

يختلط الخيال بالحقيقة لدى الطفل فلا يستطيع التفريق بينهما لضعف قدراته العقلية، فقد يرى حلماً ما أو يسمع قصة خرافية فيحكيها على أنها حقيقة ويعدل في أشخاصها وأحداثها حذفاً وإضافة وفق نموه العقلي .
فأحد الأطفال مثلاً رأى في المنام أن معلمته في الصف ضربته فأخذ يصر على أن الأمر قد وقع ويشكي ذلك لأهله، بينما ترى المعلمة لاتتبع نهائياً أسلوب الضرب مع أي طفل من الأطفال مهما كانت غلطته.
وهذا النوع لا يعتبر كذبا حقيقياً، ودور الوالدين هنا التوجيه للتفريق بين الخيال والحقيقة بما يتناسب مع نمو الطفل، ومن الخطأ اتهامه هنا بالكذب أو معاقبته عليه، بل استيعاب هذا الخيال وتوجيهه في أمور إبداعية...

2- الكذب المقصود:
يلجأ إليه الطفل عندما يعاني من شعور بالنقص أو الحرمان من أمر ما، وفيه يبالغ بوصف الأشياء التي يملكها، فيحدّث الأطفال الذين حوله أنه يملك ألعاباً كثيرة كبيرة ومميزة ولها ألوان فاتنة وأصوات ساحرة وهي غالية الثمن و......، أو يحدثهم عن ثروة والده، أو عن منزلهم الكبير الرائع الذي يحتوي على الغرف الكثيرة والهواتف العديدة ويبالغ في وصفه ....
ومن الأمور التي يقوم بها الطفل كثيراً، التظاهر بالمرض عند الذهاب إلى المدرسة.
وهنا بغية استدرار عطف الوالدين، وخصوصاً عند الأطفال الذين يشعرون بعدم اهتمام الأبوين بهم .
وينبغي للوالدين هنا تفهم الأسباب المؤدية إلى هذا الكذب وعلاجها، والتركيز على تلبية الحاجات التي فقدها الطفل فأدت به إلى ممارسة هذا النوع من الكذب، دون التركيز على الكذب نفسه.

3- الكذب بغية الانتقام:
ونقول هنا بغية الانتقام لأنه فعلاً غالباً مايشعر الطفل بأنه يريد الانتقام من أبويه عندما يشعر بالتفريق وعدم العدل بينه وبين إخوته في المنزل أوبينه وبين باقي الطلاب في المدرسة، فقد يعمد الطفل إلى تخريب أو كسر لعبة أو مسطرة أو قلم ما ثم يتهم أخاه المدلل أكثر منه أو زميله المميز بالأولية بذلك الفعل. وهذا يكون سببه الأساسي الغيرة التي يشعر بها.

4- الكذب الوقائي:
وهو أكثر أنواع الكذب رواجاً ومن أهم أسباب الكذب الوقائي الذي يتبعه الطفل هو الخوف من والديه الذين يعاقباه بشكل قاس فهو هنا يكذب هرباً وخوفاً من العقوبة... سواء أكان العقاب من الوالدين في المنزل أو من المعلم في المدرسة، وهو يكثر غالباً في البيئات التي تتسم بالقسوة في التربية وتكثر من العقوبات الجسدية. ولهذا يجب علينا دائماً عدم إتباع أسلوب الضرب مع الأطفال لأنه يدفعهم للكذب ويعرضهم لمشاكل نفسية كثيرة.

إذاً الكذب هو الكذب وليس هناك كذبة بيضاء وأخرى سوداء ونحن بأفعالنا وسلوكنا أمام أطفالنا ندفعهم أحياناً للتقليد فيصبح الكذب متأصلاً لدى الطفل، ويصبح عادة سيئة عنده، من الصعب التخلي عنها...لأن الكذب كما ذكرنا سلوك مكتسب فهو لا ينشأ مع الإنسان إنما يتعلمه ويكتسبه، ومن هنا كان لابد للوالدين من الاعتناء بتربية أولادهم على الصدق، وشرح معنى الصدق ومعنى الكذب ومكافأتهما على صدقهما في بعض الأمور وذلك لتشجيع الطفل على متابعة صدقه ...
كما يجب على الأهل:
- تفهم الأسباب المؤدية للكذب لدى الطفل، وتصنيف الكذب الذي يمارسه بحسب عمره، فالتعامل مع الكذب الخيالي يختلف عن التعامل مع الكذب الانتقامي أو الوقائي.والتعامل مع الطفل الخيالي غير التعامل مع الطفل الراشد الذي يتقصد الكذب لهدف ما...

- تلبية حاجات الطفل قدر المستطاع وإن لم يكن هناك مانع من تلبيتها ...يعني مثلاً من الممكن أن يكذب الطفل على أبويه بأنه يريد بعض النقود لأمر يخص المدرسة أو الأغراض الدراسية بينما هو يذهب ليشتري بهم لعبة ما...

- المرونة والتسامح مع الأطفال، وبناء العلاقة الودية معهم، فإنها تهيئ لهم الاطمئنان النفسي، بينما تولد لديهم الأساليب القاسية الاضطراب والخوف، فيسعون للتخلص من العقوبة أو للانتقام أو استدرار العطف الذي يفتقدونه.

- البعد عن معاقبة الطفل حين يصدق، والحرص على العفو عن عقوبته أو تخفيفها حتى يعتاد الصدق، وحين يعاقب إذا قال الحقيقة فهذا سيدعوه إلى ممارسة الكذب في المرات التالية للتخلص من العقوبة.

- البعد عن تقبل الكذب لدى الطفل أو الضحك من ذلك بغية تدليله، فقد يبدو في أحد المواقف التي يكذب فيها الطفل ما يثير إعجاب الوالدين أو ضحكهما، فيعزز هذا الإعجاب لدى الطفل الاتجاه نحو الكذب ليحظى بإعجاب الآخرين بتصرفاته .

- تنفير الطفل من الكذب وتعريفه بشؤمه ومساوئه، ومن ذلك ما جاء في كتاب الله من لعن الكذابين، وما ثبت في السنة أنه من صفات المنافقين، وأنه يدعو إلى العقاب في الآخرة...الخ. وتنبيهه، والحزم معه حين يقتضي الموقف الحزم، مع مراعاة دافع الكذب ونوعه.

- الالتزام بالوفاء بأمر ما قد وعد الأبوان به طفلهما لمكافأة معينة، فالطفل قد لا يقدر عذر الوالدين في عدم وفائهما بما وعداه به ويعد ذلك كذباً منهما.

- الابتعاد كلياً عن نعته أمام الآخرين أو حتى أمام نفسه بالكذاب، لأن تكرار ذلك سيؤدي إلى نتائج سلبية...
 
 
 أطفالنا أكبادنا تمشي على الأرض فلنحم هذه الأكباد ولنجعل منها جيلاً فعالاً وصحيحاً في عقله وفي جسده.