لقد رأينا في السنوات الأخيرة عبر الصحافة بعض الفضائح الأخلاقية التي أثارت ضجةً كبيرة بين الناس. فمن الصعب نسيان الآثار المدمرة التي تسببت بها حادثة التزوير في الحسابات التي حصلت في شركة الاستثمار التي يديرها "بيرنارد مادوف" (Bernard Madoff) أو حوادث التزوير السابقة التي حصلت في شركتي "أيرنون" (Enron) و"ورلدكوم" (Worldcom). فقد أثار هذا عند الناس أيضاً تساؤلاتٍ أخلاقيةً حول نزاهة بعض طواقم المنظمات والمزودين. كما سلَّط هذا الضوء على الحد الذي يكون عنده من الصعب على القادة تحديد ما هو الصحيح وما هو الخاطئ. حيث يتخذ البعض القرار الخاطئ مما يجعلهم ضمن عناوين الأخبار أو في قاعات المحاكم.


محتويات المقالة

    ولكن ما لا نسمع عنه بكثرة هو القصص التي تتحدث عن العدد الكبير من الشركات التي يديرها قادةٌ أخلاقيون. ففي حين تبدو المعايير الأخلاقية متجهةً نحو الانحطاط في بعض الشركات يرتقي قادةٌ آخرون بمعاييرهم ويحثُّون فرقهم على القيام بالأمر نفسه. حيث يقوم هؤلاء القادة بما هو صحيح في الوقت الصحيح ويدفعهم إلى ذلك وجود المبررات الصحيحة. فهم يضعون أخلاقهم فوق أي اعتبار، ونتيجةً لذلك أصبح لديهم فِرَقٌ تقوم تقريباً بكل ما يطلبونه منهم. ولكن كيف يقومون بذلك؟ وكيف يمكنك أن تقوم أنت بذلك أيضاً؟ سنوضح لك كيف تقوم بتحديد معاييرك الأخلاقية، وكيف تبدأ بتطبيق هذه المعايير على أرض الواقع.

    أولاً: حدّد قيم منظمتك:

    لكي تقود فريقك بكل نزاهة وتفرض شخصيتك عليه يجب عليك أن تكون قدوة. تذكر، أنت القائد وأنظار فريقك موجهةٌ نحوك. ولكي تبدأ يجب عليك أن تعرف قيمك بالإضافة إلى قيم منظمتك. على سبيل المثال، لماذا تشتهر الشركة العالمية العملاقة "ثري أم" (3M) الرائدة في مجال التقنية بقيمها؟ لأنَّ الفريق بأكمله من أعلى القادة التنفيذيين وحتى موظفي غرفة البريد يعيشون مبادئ الصدق والنزاهة في كل يوم وتجري هذه المبادئ منهم مجرى الدم. توضح شركة "ثري أم" بشكلٍ جلي أنَّها تريد من موظفيها أن يقوموا بأشياء من قبيل الوفاء بالوعود، والتمتع بالمسؤولية، واحترام الأشخاص الآخرين الذين يعملون ضمن القوة العاملة. حيث يعلم كل قائدٍ في الشركة بهذا الأمر لذلك فإنَّهم يعملون وفقاً لهذه القواعد ونتيجةً لذلك يتبعهم الآخرون.

    ولحسن الحظ فأنَّ لدى شركتك قواعد واضحة حول تصرف أعضاء الفريق. وبوصفك قائداً تقع على عاتقك مسؤولية معرفة هذه القواعد ومبادئ السلوك والتأكُّد من تطبيقها. كما أنَّ قيمك الشخصية تُعدُّ مهمةً كذلك. فإذا كانت قواعد الشركة لا تشير إلى أنَّه يجب عليك أن تكون عادلاً وكنت أنت تؤمن بأهمية هذه القيمة فإنَّك بكل تأكيد ستلتزم بها وستكون عادلاً. حيث يتبع القادة قيمهم الشخصية بالإضافة إلى القيم التنظيمية.

    ثانياً: اطرح على نفسك الأسئلة الآتية:

    • ما هي معايير السلوك التي تعدُّ مهمةً بالنسبة إلى شركتي؟
    • ما هي القيم التي تثير إعجابي عند بعض القادة المحددين؟
    • هل سأبقى ملتزماً بهذه القيم حتى وإن وضعتني في وضعٍ تنافسيٍّ غير ملائم؟

    ثالثاً: مهِّد طريقك:

    الآن وقد عرفت القيم الأساسية لشركتك يمكنك البدء بتمهيد الطريق وتأسيس البيئة المناسبة لفريقك ومنظمتك. ومرةً أخرى فإنَّ مبدأ القدوة هي الطريقة الأمثل للقيام بذلك. حيث إنَّ ما تقوم به لا ما تقوله هو ما يبيِّن لفريقك ما تهتم به. لذلك إذا كانت شركتك تقدِّر الصدق أكثر من أيِّ شيءٍ آخر تأكد من أن تعبِّر عن ذلك من خلال كونك صادقاً مع جميع المحيطين بك. وإذا كانت شركتك تقدِّر حرية التعبير تأكد من أن تسمح لفريقك بالتعبير عن آراءهم بشكلٍ منفتح.

    بعد ذلك حدد عقوباتٍ لأعضاء الفريق الذين لا يلتزمون بقيم الشركة. فإذا سمحت لأحدهم بالتأخر بشكلٍ مستمر من دون أن يعوض ساعات تأخره فإنَّ ذلك لن يشكل قدوةً جيدة لباقي أعضاء الفريق. ولا تنسى أيضاً أنَّك تحتاج إلى نوعٍ من التحفيز، لذلك حدد نظاماً للمكافآت لأعضاء الفريق الذين يلتزمون بشكلٍ مستمر بقيم الشركة.

    كما تُعدُّ رواية القصص طريقةً رائعة لتعزيز هذه القيم وإيضاحها. فإذا كنت تعلم من أعضاء الفريق أو حتى من العملاء من يتصرف بشكلٍ أخلاقيٍّ في المواقف الصعبة تكلم عنهم واروِ قصصهم، حيث سيظهر هذا لطاقمك أنَّهم هم أيضاً قادرون على القيام بذلك.

    رابعاً: مواجهة المآزق الأخلاقية:

    إليك هذا السيناريو: أنت في اجتماعٍ مع غيرك من كبار المديرين التنفيذيين، ولاحظت أنَّ أحد زملاءك قد غيَّر الأرقام الموجودة في تقريره. وعند استماعك إليه أدركت أنَّه يبالغ في وصف مدى جودة العمل الذي يقوم به فريقه في أحد المشاريع الرئيسة. وبدلاً من أن يقول أنَّ فريقه سينتهي في غضون ثمانية أسابيع كما أخبرك في وقتٍ سابق تعهَّد بأن ينتهي في غضون خمسة أسابيع فقط. وبدلاً من أن يقول بأنَّ المشروع سيساعد على زيادة إيرادات الشركة بنسبة 4% كما أخبرك في وقتٍ سابق تعهد بزيادة إيرادات الشركة بنسبةٍ تصل إلى 12%. ماذا ستفعل؟ إنَّه أحد الزملاء المقربين إليك وأحد أصدقاءك الشخصيين. ولكن من جهةٍ أخرى فإنَّه يبالغ في الحديث عن مدى نجاح فريقه. هل ستتستر عليه، أم أنَّك ستقول الحقيقة للمديرين التنفيذيين الآخرين؟

    غالباً ما تواجهنا في العمل خياراتٌ صعبة مثل هذه. ولكن في معظم الأحيان لا تكون المآزق الأخلاقية بهذا الوضوح حيث إنَّها يمكن أن تكون غير واضحة بطريقة يصعب الكشف عنها. إذاً كيف ستتعامل مع هذه المآزق؟

    • حدد "مسبِّباتها": تبدو بعض الحالات مثل الشراء، والتوظيف، والفصل من العمل، والترقية، وتقديم المكافآت جاذبةً للمآزق الأخلاقية. كما يمكن أن يكون ثمة أيضاً حالات غير متوقعة. فإذا ارتكبت خطأً مثلاً هل ستقرُّ به أمام رئيسك أم ستحاول إخفائه؟ أو إذا اكتشفت أنَّ أحد زملائك يتصرف بطريقةٍ غير أخلاقية هل ستتستر عليه أم ستخبر أحداً ما بأمره؟ من خلال معرفة متى يمكن لهذه الحالات أن تحدث يمكنك اتخاذ القرار الصحيح عندما تواجهك إحدى تلك الحالات بشكلٍ فعلي.
    • جهز نفسك مسبقاً: تخيل نفسك في مواجهة الحالات التي ذكرناها للتو. ماذا ستفعل إذا علمت أنَّ أحد زملائك على وشك أن يُفصل من العمل ولكن لم يكن من القانوني أن تخبره بذلك؟

    يمكن أن يساعدك وضع نفسك في مواجهة هذه الحالات التخيُّلية على التعامل مع مشاعرك وتحديد ما ستقوم به إذا ما حدثت إحدى هذه الحالات. ففي الحياة الواقعية قد لا يكون أمامك سوى ثواني فقط لاتخاذ القرار. بالطبع لن يكون من الممكن أن تتخيل جميع المآزق الأخلاقية التي من الممكن أن تواجهها ولكنَّ هذا التمرين سيساعدك على التعرف على قيمك ويمكن أن يجعلك جاهزاً للقرارات التي قد يتوجب عليك اتخاذها.

    • أنصت لـ "صوتك الداخلي": يخبرك ضميرك غالباً أنَّ ثمة ما هو غير صحيح حتى وإن كان ذلك عبارةً عن شعورٍ بعدم الارتياح تجاه أمرٍ ما. إذا واجهت حالةً جعلتك تشعر بعدم الارتياح أو تتعارض مع أحد قيمك أو معتقداتك الأساسية تأكَّد من أن تتوقف وتفكر ملياً بشكلٍ عقلاني فيما يواجهك.
    • أعد تقويم قرارك قبل أن تنفذه: إذا كنت في وضعٍ صعب ولا تعلم ماذا ستفعل اتخذ قراراً. ولكن قبل أن تنفذ قرارك اسأل نفسك كيف ستشعر إذا ما عُرض ما ستقوم به في النشرة الإخبارية للشركة أو في الأخبار الصباحية بحيث يمكن للجميع أن يروه. هل ستكون فخوراً بما قمت به؟ إذا لم تكن كذلك أعد التفكير في قرارك.

    خامساً: عندما تقع في الشك...

    في بعض الأحيان ستتخذ قراراً ولكنَّك ستبقى في حيرةٍ حول ما إذا كنت قد قمت بما هو المناسب. قد لا تشعر بالارتياح ولكن يمكن لهذه الحالات أن تعلِّمك الثقة بنفسك وبحدسك. إذا هدَّأت شعورك بالقلق ونظرت للحالة بشكلٍ منطقي فإنَّ حدسك سيقودك نحو الاتجاه الصحيح.

    النقاط الرئيسة:

    تتطلب الحياة والقيادة بشكلٍ أخلاقي التحلي بالشجاعة والإيمان. وهذا يعني القيام بما هو صحيح حتى وإن لم يكن ما تقوم به سهلاً أو يحظى بشعبيةٍ بين الناس. ولكنَّك عندما تتخذ قراراتك بناءً على قيمك الأساسية فإنَّك بذلك تخبر العالم أنَّه لا يمكن شراؤك وبأنَّك تقود فريقك بالاعتماد على مبدأ القدوة.

    عندما تحدد القيم الأساسية لشركتك بالإضافة إلى القيم الخاصة بك يمكنك أن تبدأ بتمهيد الطريق أمام فريقك ومنظمتك. فالأفعال تتحدث دائما بصوتٍ أعلى من الكلمات لذلك تصرف مثلما تتمنى من الآخرين أن يتصرفوا.

     

    المصدر: هنا


    تنويه: يمنع نقل هذا المقال كما هو أو استخدامه في أي مكان آخر تحت طائلة المساءلة القانونية، ويمكن استخدام فقرات أو أجزاء منه بعد الحصول على موافقة رسمية من إدارة النجاح نت.

    المقالات المرتبطة