ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون )

 

في واقعنا المعاصر نجد ظواهر في سلوكنا الديني والحضاري، ونتحير في أي خانة تندرج أو تصنف، لكنها في الواقع نبات للتدين المغلوط، وتسلل عدد من علل التدين السابق إلى  ممارستنا الدينية.

 

 

ونتوقف عند مفهوم الأماني وتلاوة القرآن الكريم، فقد اتفقت التفاسير على أن معنى الأماني هنا التلاوة، واحتملت معنى التمني أو الأمنية التي يرجى تحققها.

وأرى إمكانية المزاوجة بين التفسيرين، فقد ورد في الحديث ( الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أعطى نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني )،وهذا يعني أن تمني الأماني يورث العجز عن العمل وهو ما عرف عند السلف أيضا بطول الأمل.

فيظهر لنا أن المعني بالآية هو ذم من يقرأ القرآن ولا يعلم منه إلا حروفه، وكيف يتلوه، لكنه لا يعمل به، ويتمنون على الله الأماني، فيكون علمه بالكتاب مبنيا على آيات الرجاء التي يستنبط منها الأمنيات الطيبة، ويبني ظنونا على هذا وينطلق بظنونه بعيدا عن واقعه.

وهذا ما وقع فعلا لأهل الكتابين، فمن يقرأ التوراة يجد نبوءات تتنبأ بالخلاص لبني إسرائيل، لكنه خلاص بلا مشقة ولا تعب، يأتي عبر المخلص من نسل داود الذي يقيم مجد إسرائيل، حيث يعبد بنو إسرائيل إلههم بصدق فيوفقهم للخير، وفي ذات الوقت نجد عبادات اليهود والنصارى تضم في طياتها التفنن في التلاوة عبر الموسيقى والرقص.

بل ونجد رجال الدين من أهل الكتاب لهم زيهم المميز وطريقتهم التي تميزهم في حياتهم،والتي لا يخرجون عنها قيد أنملة، والسبب أن ثقافة الأماني عندهم ارتبطت بالتحسر على الماضي وطقوسه، فصار التعلق بالطقس يعني إعادة بناء صورة ما كانا لماضي عليه، مما يمثل نوعا من التعويض النفسي والذي يورث شعورا بالخدر يلهي عن الواقع المعاش،وما أكثر ما ربط شعر العرب بين الخمر والأماني.

وفي الواقع أن هذه العلة من علل التدين تسللت إلى حياتنا، بعدة أشكال، وجميعها حذر منها النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومنها الإفراط في العناية بالتلاوة والتغني به حتى يقارب تغني أهل الفسق، وأهل الكتابين، فنجد الناس إما تالين متغنين بما يزيد عن الحد، وإما مستمعين مهووسين يجرون وراء الصوت الحسن ويهتفون له ( أعد يا شيخ).

دعك من تمسك كثير من المشايخ بملابس تقليدية، وكان هذا شائعا جدا حتى من ارتدى البدل الأوروبية عد من الدعاة الجدد، وقامت عليهم الضجة التي يعرفها الجميع.

وفوق هذا عند تفحصنا لكثير من حفظة القرآن نجدهم لا يعنون بتفسيره بل يكتفون بتجويده، بل قد ينطبق على كثير منهم حديث، رب تال للقرآن والقرآن يلعنه، ناهيك عن عوام الناس.

كما نجد أن التفسير في المساجد متوقف عند حدود دلالات الألفاظ والمتعلقة بمذاهب انقرضت يصبح التنبيه عليها أحيانا إحياء لها، أما تنزيل القرآن وأحكامه على واقعنا المعاصر، فلا موقع له من الأعراب.

تفريعا على ذلك نجد الخلافات المذهبية والتعصب الفروعي، وكله يدور على كلمة ورفيقتها، ومدلولاتهما، وتوقفهم عند ظواهر لفظية، ونفهم ذلك من المتون العلمية وحفظها واستظهارها.

من جهة أخرى فأمتنا تنتظر الخلاص على يد المهدي المنتظر وعيسى ابن مريم، مع عدم تفعيل القرآن عبر الأدوات المعروفة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمناصحة، مع تهيبها النهوض والتحرك والضرب في الأرض أو السير في مناكبها، أو تفعيل ما نتعلمه من القرآن الكريم في حياتنا اليومية.

كما أن ثقافة الأماني تتوقف بالإنسان أحيانا عند حد التحسر على الماضي، وهذا لا داعي للحديث عنه فإن ثقافتنا متخمة بالتحسر والتغني بالماضي والوقوف عند الأطلال، مع أن امرئ القيس نفسه قال: فهل عند رسم دارس من معول.

وثقافة الأماني تجذرت في مجتمعاتنا منذ وقت طويل، فابن بطوطة في رحلته كان إذا أراد أن يمدح أحد السلاطين أو وقفا من الأوقاف، قال جمل صارت لازمة له: ويرتب فيه من القراء بالأصوات المشجية المبكية، وما يقارب هذا من الكلام، كما نجد في تاريخ الخلفاء والمؤلف في القرن العاشر الهجري نوعا من التحسر يبديه السيوطي على حال الأمة، ففي احد المواضع يتحدث عن سلطة القضاء عند العباسيين فقالها صريحة والقاضي في زمانهم كان يحكم أضعاف ما يحكمه سلاطين هذا الزمان، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وقد كثرت تحسراته على هذا المنوال.

وقاد هذا إلى موت ثقافات قرآنية أخرى تؤدي لمفردات ومصطلحات معينة تنعش الأمة وتوقظها من سباتها، كثقافة الذكر والشهود والكتاب وما إلى ذلك من سياقات قرآنية تحتاج لوقفات لفهم مسارات القرآن الكريم في حياتنا وفقا للصفات التي أسبغت عليه

مختار محمد مختار