كثيرا ما يقال أن العديد من زيجات العرب والمسلمين تعاني من فراغ عاطفي ومن تصحر في العلاقة بين الزوجين ويعزى السبب إلى الجفاء المزعوم للزوج، إلى غيابه ولجوئه إلى الاستئناس بالأصدقاء والمقاهي في أوقات راحته عوض عش الزوجية. قد يكون هذا الكلام صحيحا وينطبق على بعض الزيجات ولكن أستبعد أن يكون معمما...وفي انتظار البحث في الموضوع ودراسته دراسة علمية أقول:

 

 

 من خلال خبرتي العيادية لاحظت بأن هناك حقا واقعا تعيشه كثير من الزيجات يعكس غياب الإشباع العاطفي ، ولا أريد أن أعالج الموضوع من منبر أن هناك جلادا وهناك ضحية بل أعزو ذلك إلى أسباب أعمق( تتجاوز مستوى تعامل مجرد رجل مع زوجته) منها الجهل بأبسط عوامل الزواج الناجح السعيد، وبقوانين التواصل الصحي الفعال ،وإلى الموروثات الثقافية التي تستمر في ترسيخ الصور النمطية الخاطئة عن الرجل والمرأة سواء .

 

وبغض النظر عن إن كان للرجل أكبر المسئولية عن الفراغ الذي تعانيه الكثير من النساء..وقد تكون المسؤولية للكثير من الرجال لما يتمتعون به من حقوق اجتماعية وثقافية ( ما يزال التأويل الخاطئ لمفهوم  القوامة ومفهوم الطاعة والسلطة ساري المفعول في أوساطنا العربية والذي ينتج عنه ظلم للكيان الأسري برمته )

فالمسئولية تلقى على عاتق المرأة أيضا وبالتالي على كل من الزوجين اتجاه نفسيهما و بعضهما البعض واتجاه مؤسسة الزواج، كيف ؟

 

1-أولا – وهذا المستوى المهم هو مستوى العلاقة بالآخر-على كل منهما توفير لحظات وجود معنوي ومادي للآخر ،لإشباع النفس والاستئناس بها ، لم يقل سبحانه وتعالى أنه جعل في زواجهما المودة والرحمة والسكن إلا لأن هذه المعاني تغذي الطرفين وتجعلهما مشحونين بالطاقة التي تساعدهما على مواجهة تحديات الحياة وخدمة الرؤية المشتركة لهما، وهذا المستوى من التعامل يمثل لي قانونا من قوانين استمرار الحياة الزوجية الناجحة التي تخدم أرقى أهدافها وهي استخلاف الله في الأرض بواحدة من مسؤولياتها الكبرى وهي بناء الإنسان الصالح : الأبناء ، ولا يكون البناء إلا إذا كان الجو الأسري صحيا ومتوازنا .

 

2- ثانيا – وهو المستوى الأهم مستوى العلاقة بالذات – إذا لم تجد المرأة إشباعا عاطفيا مع الزوج فليس معنى ذلك أن تسقط في دوامة اكتئاب .فهناك الكثير من النساء من يلجأن إلى سلوكيات غير صحية والتي قد تعمل على  تخفيف معاناة الفراغ ولكن يبقى علاجها سطحيا جدا ،ومنها اللجوء إلى التسوق المفرط أو إدمان المسلسلات أو جلسات النميمة والغيبة...وتنتهي بعضهن إلى التعاطي للأقراص المنومة أو المهدئات هروبا من براثن الفراغ ،حسب تقديري  هذه السلوكيات هي مؤشر على مستوى الرؤية الضيقة ومستوى فكري ونفسي هزيل وهو مستوى الجهل والتركيز على الأشخاص رغم احترامي وتقديري لمعاناتهن ، يقال أن هناك 3 مستويات من العقول: الصغيرة التي تركز على الأشخاص والمتوسطة التي تركز على الأشياء والكبيرة التي تركز على الأفكار ، والعقول التي تركز على الأفكار هي أرقى العقول والأكثر حرية واستقلالية، إذن على المرأة لتفادي الفراغ أن تسعى إلى استهداف فكرها بتنميته وتطويره وتحديد أمانتها وغاية وجودها فهي هكذا تعمل على توسيع إدراكها  وتنمية ذاتها وهي لا محال ستجد الطرق الكفيلة لإيجاد التوازن والانسجام مع النفس ومع الزوج ومع المحيط الذي تعيش فيه.

 

 

أتساءل عن إذا كانت هذه الوضعية التي تعيش فيها امرأة اليوم حالة نفسية نسبية أكثر منها قاعدة  لما تعيشه من ظروف جهل وأزمة هوية ، إلى أي حد نستطيع أن نحكم بأن هناك إشباعا أو عدم إشباع عاطفي مع الزوج أو الزوجة مقارنة بنسبة الوقت الذي يخصصه كل منهما للآخر؟؟؟

 الأمر نسبي جدا ويختلف من شخص لآخر فحين أتأمل قصص كثير من نساء الأنبياء اللواتي كن يعشن التعدد ويعشن غياب أزواجهن مدة طويلة في الدعوة ( مثل نساء النبي محمد وأمنا هاجر التي أودعها النبي إبراهيم هي وابنها إسماعيل  لوحدهما ولمدة طويلة ) حين أتأمل تلك القصص أرى أن  المسألة لا تتحدد فقط بوجود الأشخاص في حياتنا وإن كان وجودهم مهما وجوهريا لنا ،ولا تتحدد بنسبة الوقت الذي يقضوه معنا رغم الاستئناس والراحة النفسية التي نستشعرها بوجودهم ،المسألة تذهب –حسب تقديري –إلى أبعد من ذلك ، الموضوع له علاقة وطيدة بالبنية النفسية لكل امرأة  وبقدراتها ،بوعيها  بمشروع حياة وبمعنى وجود وببعد رؤية...و حضور هذه المعاني في نفوسنا تجعلنا نتجاوز المهم إلى الأهم والوسيلة إلى الغاية.

 

الأمة اليوم في حاجة إلى استثمار الوقت والقدرات والطاقات الكامنة في كل امرأة عربية ومسلمة للتصدي مع شقيقها الرجل  للتخبط والفوضى والتخلف  الذي تعيش فيه ،والله لو اهتمت المرأة العربية بقضايا الأمة لما وجدت وقتا فارغا تركز فيه على أشياء تستنزف طاقتها وعمرها بل تتمنى لو تشتري هذا الوقت بالذهب للقيام بأمانتها على أحسن وجه  لكن مع الأسف الوقت لا يباع.

 

بقلم صليحة الطالب لموقع النجاح ولمجلة الأسرة الكويتية.