كم يشعر المرء بالمرارة والألم حينما يستمع لبقايا إنسان عاش حيناً من الدهر حياة عنوانها البؤس والشقاء، وتزداد معاناتك حينما تعجز عن مساعدته وتقف لا حول لك ولا قوة وتكتفي بتسطير تأوهاته على الورق لعلك بذلك تكون قد ساهمت ولو قليلاً في منع تكرار المأساة المجتمعية ( الطلاق) التي اشتد أوارها في البلاد العربية قاطبة خاصة مع طغيان تيار المادة وتراجع القيم الموروثة النبيلة...

 

إن المشاكل الناتجة عن أبغض الحلال لا يقع في مصيدتها إلا الأطفال الأبرياء الذين لا ذنب لهم سوى أنهم ابتلوا بأبوين لا يدركان المخاطر التي تهدد أطفالهما ولعل هذه الأسطر رسالة موجهة للآباء والأمهات الذين ينتظرون دورهم للحاق بركب المطلقين والمطلقات الذين قرروا الانفصال دون الاكتراث لهؤلاء الضحايا.
 
قلوب صغيرة محطمة تمشي على الأرض لا تعرف الاستقرار أو الراحة تعيش في كنف أب لاه في حياته الجديدة وأم تخلي مسئوليتها من أطفالها تتخلى عنهم انتقاماً من أبيهم... وبين هذا وتلك تاه الأطفال في معمعة الحياة الصاخبة وتحول بعضهم إلى أدوات إجرامية تهدد سكينة المجتمع وأمنه واستقراره. وهناك شريحة قادتهم أقدارهم إلى المؤسسات العقابية وأخرى أصيبوا بأمراض نفسية وعصبية خطيرة..
 
ولنترك إحدى الضحايا وهي( فتاة بالغة ) تتحدث عن معاناتها من طلاق والديها فتقول:
انفصل والدي بعد أن استحالت العشرة بينهما، حيث زرعت الحماة «أم الزوج» المشاكل بين الزوجين فبدأت منذ حمل أمي بي حيث طلب أبي من أمي تحمل نفقات البيت الصغير فوافقت وغاظ ذلك الحماة، فبدأت تكيد المكائد لأمي وتشعل النار بدلاً من أن تطفئها ووصلت حياتهما إلى طريق مسدود، وولدت في هذا الجو الموبوء وكانت هدية والدي لأمي ورقة الطلاق ورمى كل أغراضها في الشارع وطردها في منتصف الليل بدوني وحاول أهل أمي إصلاح الأمر دون فائدة وحرمانها من رؤيتي...
 
وتزوج والدي بأخرى وأنجب منها أطفالاً وأقنعني أن هذه أمي ولم يضع في حسبانه دورة الزمن ولم يخطر بباله أن التقي بأمي واعرف الحقيقة وأضافت الفتاة بينما كنت أعد العدة لزيارة جدتي وكنت في الثانية والعشرين شعرت بقلق والدي علي من السفر وحدي مع أنني اعتدت على السفر وحدي، ولم افهم مخاوفه في لحظتها، ومنذ وصولي وجدتي تحاول أن تمنعني من الرد على الهاتف أو الخروج وحدي من البيت إلا بوجودها هي أو بوجود أحد من أعمامي، ولقد استغربت جداً من موقفها وسألتها تفسيراً لمخاوفها علي فقالت: البلد هنا صغيرة والكل قد يتكلم عليك لو خرجت وحدك فرضخت لأمرها ولم تقنعني مبرراتها وكان قلبي يحس بما سيحدث لي بعد ذلك، حتى جاء اليوم الموعود، حيث عزمت على عرس إحدى قريباتي، ولم تستطع جدتي يومها مرافقتي وشاءت الصدفة أن تجلس على المائدة إلى جانبي والدتي الحقيقية وهي لا تعرفني ولا أعرفها، فجاءت إحدى المدعوات وسلمت عليَّ وعرفت بعد ذلك أن أمي قد سألتها عني فذكرت لها اسمي واسم والدي فرجف قلب أمي وترقرقت عيناها بالدموع وحاولت الاقتراب مني دون أن أشعر، وانتهى العرس وعادت كل واحدة منا إلى بيتها، أنا إلى حضن جدتي لأروي لها ما حدث معي وما رأيت وأمي إلى حضن الدموع والآهات فابنتها كبرت بعيداً عنها ولم تعرفها ولم تتعرف هي أيضاً عليها...
 
وبعد فترة اتصلت أمي بزوجة عمي تتوسل إليها أن تزورها في البيت ومعها أنا على شرط ألا تخبرني أنها أمي ولا تخبر جدتي لكي تراني وتتحدث إلى عن قرب وبالفعل زرت أمي واعتقدت أنها صديقة زوجة عمي ولكن شيئاً ما يحدثني بداخلي بأن لهذه السيدة صلة بي ولم اعرف كيف أفسر مشاعر الارتياح التي تصيبني عندما أراها وأحببت الجلوس معها وزيارتها على الدوام...
 
توالت الأحداث حتى اقترب موعد سفري إلى والدي وهنا ازدادت حسرة أمي على فراقي للمرة الثانية وأنا كنت أشعر بعدم الرغبة في السفر، ونقلت أمي إلى المستشفى بعد أن ارتفع معها مرض السكري واتصلت خالتي بزوجة عمي وأخبرتها بحالة أمي المزرية فما كان منهم إلا مصارحتي بحقيقة الأمر وركضت مسرعة إلى أحضان أمي ومزقت تذكرة السفر واتصلت بأبي وأعلمته أنني لن أفارق أمي بعد اليوم وقررت العيش معها...
 
القصة الأخرى فهي لباسل وريم فهما في عمر الزهور .. دفعا ثمن انفصال والديهما وكانت البداية مؤلمة، أم في أواخر الثلاثينيات من عمرها رفضت كل من تقدم لها إلى أن تقدم لها شاب من أسرة عريقة أحبته أكثر من حبه لها وسبب ذلك عقدة عندها، فكانت تغار عليه كثيراً وقد دمرت هذه الغيرة حياتها الزوجية فهجرها... وأخذت تربي الطفلين إلى أن سمعت من أقارب لها بأن زوجها متزوج من أخرى وأنجب طفلاً، أخذتها الكرامة والكبرياء وذهبت إلى الزوج في بيته الثاني وأعطته الطفلين وطلبت الطلاق وسافرت إلى بلدها، وحاول الأب أبو باسل أن يردها إليه لكنها عاندت ولم ترجع فطلقها وقال: من يوم ما رحلت وتركت البيت وأنا أمثل لطفلي الأم والأب في رعايتهما بكل جوارحي وضعتهما عند أمي حتى لا تتحكم زوجتي الجديدة فيهما وألبي جميع طلباتهما، في البداية كانا يسألان عن أمهما كثيراً ولكن بعد ذلك أيقنا سبب تخليها عنهما وأصبحا لا يطيقان سماع اسمها ولا يردان على اتصالها مع أنني لا أمنعهما من التحدث معها، ولقد عرفت من بعض الأصحاب أنها تعاني فراق ولديها، فقررت أن ابعثهما إليها ولكنهما رفضا ذلك فهما متأثران من تركها لهما وهما صغار يحتاجان إلى حضنها ورعايتها وحبها.
 
والقصة الثالثة يرويها أب ضحى من أجل ابنته علمها وكبرها وزوجها وهي وهو ضحايا لأم جشعة تحب النقود أكثر من أي شيء آخر... رمت طفلة حديثة الولادة لتتزوج من رجل ثري وتسافر معه إلى بلده تاركة وراءها زوجاً محطماً ومخدوعاً وطفلة فتحت عينيها ولم تجد أمها أمامها. يقول الأب المنكوب :
 
كنت أعمل في شركة خاصة وكان لي منصب كبير ومعاش لا بأس به أمنت لزوجتي عيشة رغدة وكنت ألبي لها كل طلباتها، فكانت سيدة مسرفة جداً اختلفت معها كثيراً وكانت خلافاتنا تصب حول إسرافها على مظهرها ولبسها فلا يتبق من المعاش ما يكفينا للأكل والشرب، فكنت أستلف من أصدقائي ولم تتغير حتى بعد الحمل وكانت تكره الطفل الذي في أحشائها لأنه سيخرب منظرها وسيزيد وزنها.. الخ، وطيلة شهور الحمل وصل الخلاف بيننا إلى ذروته فطلبت الطلاق ولكن لا يمكن أن يقع الطلاق إلا بعد أن تنجب.. ومرت الشهور وحان موعد الولادة وأخبرتني صديقة العائلة بأن زوجتي في المستشفى، ولقد أنجبت لي طفلة جميلة فأسرعت هناك لأراها فوجدت الطفلة ولم أجد زوجتي وقلبت المستشفى عليها ولم أجدها فأخذت ابنتي وعدت إلى البيت...
 
وبعدها اتصلت بي لتخبرني بأنها في بيت صديقتها وهي تنتظر ورقة الطلاق وطلقتها وبعد انتهاء شهور العدة تزوجت من رجل ثري وسافرت معه وطيلة تلك الفترة لم تر ابنتها ولم تزرها وإلى الآن لا نعرف عنها شيئا وانقطعت أخبارها.
 
طفلة أخرى كانت ضحية لأب مستهتر وأم غائبة معظم الوقت.. منذ أن ولدت هذه الطفلة الجميلة وهي ترى كوابيس في منامها، كبرت في حضن الخادمة التي أصبحت بمثابة أم لها، أمها تعمل في الصباح وفي المساء تمارس أنشطتها الثقافية، تذهب صباحاً والطفلة نائمة وتعود مساءً وهي نائمة، وأب يذهب في الصباح إلى العمل وفي المساء إلى مجالس الأصدقاء والسهر لأوقات متأخرة من الليل وعندما يلتقي الأب والأم صدفة تحدث المشاجرات بينهما وكل واحد منهما يرمي بمسؤولية إهمال الطفلة على الآخر، وماذا كانت النتيجة أن الطفلة مرضت ذات يوم وارتفعت درجة حرارتها، الخادمة تدور في البيت وتتصل على جوال الأم مغلق لأنها تحضر ندوة، وجوال الأب مرمي في السيارة فهو لا يريد إزعاجاً وهو سهران مع أصدقائه، الخادمة تذهب إلى من؟ إلى الجدة والتي بيتها بالقرب منهم وتذهبان بالطفلة إلى المستشفى فحالتها خطيرة وبدلاً من أن يقف الأب مع الأم لعلاج الطفلة تشاجرا، وكانت النهاية الطلاق وذهب كل واحد في اتجاه وظلت الطفلة عند جدتها التي قالت أخذت الطفلة عندي رغم خوفي أن يحين أجلي فماذا سيكون مصير الطفلة!!
 
ابنتي سافرت لتأخذ شهادة الدكتوراه وطليقها لم نر وجهه من يومها وسمعنا أنه سافر هو أيضا. وأضافت الجدة لكن الله كتب لهذه الطفلة أن تفارق الحياة، وأعلمت ابنتي بالخبر، لكنها انهارت على الهاتف ولم تأت لرؤيتها للمرة لأخيرة في حياتها، ولم أكن اعلم أنني سأنجب ابنة ذات قلب من صخر فدفعت هذه الطفلة ثمن استهتار أب وانشغال أم.
 
طفل آخر لم يتجاوز العاشرة من عمره، فهو أخ لثلاث بنات وولدين، تتحدث عنه أمه فهي امرأة تزوجت من رجل يعمل في النجارة، بدأت حياتها معه ليس من الصفر بل تحت الصفر بمراحل.. جاءه الحظ دفعة واحدة، تحسنت حالته المادية وكأي حديث نعمة لم يتمرد إلا على زوجته رفيقة دربه وكفاحه فطلقها ليطلق كل الماضي ببؤسه وفقره تاركاً لها مسؤولية ستة أولاد أكبرهم فتاة لم تتجاوز الثامنة عشرة زوجتها أمها من رجل غني ليعينهم على الحياة، لكن دائماً تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن فحرمها الذهاب لأمها فلم ترها منذ سنين، أما الابنتان الأخريان فهما يساعدان أمهما في خياطة الملابس، والولدان الأخيران عاطلان عن العمل...
 
طفل آخر كره المدرسة من صغره بسبب انفصال والديه الذي جعله يشعر بالحرية لا رقابة ولا عقاب.. أم تجهل العالم الخارجي بخيره وشره، اجتمع على شلة أكبر منه سناً، حالهم ليس بأفضل منه أراد أن يساعد في مصروف البيت، لجأ إلى السرقة مع أصدقائه فأمسكته الشرطة ووضع في دار الأحداث وأخرجته أمه بواسطة معينة، وتعهد ألا يعود للسرقة مرة أخرى وخرج، ولكن هذه المرة للشوارع والضياع يلهو ليل نهار، لا حسيب ولا رقيب ويعيش مهدداً بالسجن ووضعه في الأحداث إن مسكوه مرة أخرى وهو يسرق...
 
أعتقد أن هذه القصص قليلة العدد نسبة إلى القصص الكثيرة التي لانعرفها ولم نسمع بها..ولكننا نعلم حق العلم أنها كلها جديرة بأن تجعل الأبوين المتشاكلين يعيدان حساباتهما قبل الإقدام موضوع الطلاق الذي وإن كان حلالاً فهو أبغضه لأنه يكون دائماً قنبلة لا يحترق بسببها إلا الأطفال الأبرياء الذين يحلمون بحياة سعيدة وهانئة وسط أبويهما.