هناك مجموعة من البحوث حول السبل الكفيلة بديمومة الحياة الزوجية واستمرارها، منها ما يتعلق بالأمن العائلي وشعور الزوجين بحالة السكن، حسب تعبير القرآن الكريم، ومنها ما يتعلق بالواجبات والحقوق المتبادلة، والتي من شأنها تعزيز العلاقات الزوجية. وأخيراً، ما يتعلق بالإنجاب ودور الأطفال في إشاعة روح جديدة في كيان الأسرة وإرساء أواصرها المتينة.

 

الأمن العائلي

إن أحد أهم الأسباب التي تدفع بالرجل والمرأة إلى الزواج وتحمل مسؤولياته الجسيمة هو السعي لتحقيق حالة من الاستقرار الروحي. يقترن الفتى والفتاة، وتبدأ حياتهما الجديدة وفي قلبيهما عزم على بناء مستقبلهما على أسس متينة يوفر لهما شعوراً بالطمأنينة والسلام. يلوذ الرجل بزوجته إذا ما داهمته الخطوب فيشعر بالثقة تعمر قلبه، وتلجأ المرأة إلى زوجها لدى شعورها بالخطر فتحس بالسكينة تملأ قلبها، فالزواج يعني التضامن، الحب، التكافل، الاتحاد، وأخيراً يعني الملاذ الآمن الذي يوفّر للزوجين شعوراً بالأمن.

الأب والأم

يشعر المرء بحاجته إلى من يقف إلى جواره وهو يشقّ طريقه في الحياة. إنه لا يستطيع أن يتحمل كل أعبائها بمفرده، ولذا فإنه يطمح إلى شريك يخفف من الأعباء التي ينوء بحملها. وتطمح المرأة أن ترى في زوجها ذلك الأب الرحيم الذي يضمها بعطفه ويغمرها بحبه، كما أن الرجل يطمح أن يرى في زوجته تلك الأم الرؤوم التي تمسح على رأسه وتغمره بحنانها الفياض. ومن أجل تحقيق هذه الصورة الجميلة من الحياة الزوجية فإن على الزوجين السعي المتواصل والعزم الأكيد في الابتعاد عن روح الأنانية، والعمل بإخلاصٍ وتفانٍ على تثبيت عرى التضامن والحب والإيثار والوفاء بينهما.

قيادة الرجل

الأسرة ككيان صغير يحتاج إلى قيادة وترشيد، وهي مسؤولية يتحملها الرجل، مع التأكيد على أنها ليست امتيازاً للرجل بقدر ما هي مسؤولية جسيمة تتطلب البذل والعطاء، والتشاور. الرجل هو عماد الأسرة والخيمة التي يجد فيها أعضاء الأسرة ما يصبون إليه من الراحة والأمل. وإذا كان المرء يحتاج إلى نموذج يقتدي به في حياته، فإن الرجل هو خير مثال للمرأة تتعلم منه الكثير الكثير في حياتها، ذلك أن المرأة لا تنتظر من زوجها أن يلبّي حاجتها الجنسية فحسب، بل تنتظر منه ما هو أكثر من ذلك وأسمى. إنها تنتظر منه أن يكون إنساناً ناضجاً يشعر بالمسؤولية وملاذاً آمنا تحس في داخله بالطمأنينة والأمن.

المرأة مسكن

يحقق الزواج ضمن ما يحققه من أهداف كبيرة شعوراً بالألفة، ويقضي على أحاسيس الوحدة والغربة التي تموج في أعماق الإنسان قبل إقدامه على الزواج. يشعر الرجل بعواصف الحياة تلفح وجهه ويحس بضغوطها عليه، فإذا دخل منزله ملأت مشاعر الراحة قلبه وهو يرى زوجته تستقبله بابتسامة مشرقة تغسل قلبه من الهموم وتملأ روحه بالثقة والاعتداد بالنفس. فالمرأة خير معين للرجل، تقوي قلبه وتملأ روحه ثقة في أحلك الظروف وأشدّها قسوة؛ ذلك أن المرأة مخزون هائل من العاطفة والحب الذي يمكنه أن يسع العالم بأسره.

إظهار المودة

لا شك بأن المودة والحب يولدان مع الزواج، فهناك اندماج وتفاعل ينشأ لدى الزوجين ويترعرع بمرور الأيام؛ غير أن الإسلام يطلب من الرجل والمرأة إظهار حبهما المتبادل لتأكيده أوّلاً ولتجذيره ثانياً. فقد يرتكب الرجل أو المرأة خطأً ما فيفسر على غير حقيقته، وعندها يولد الشك؛ ولذا ومن أجل محو تلك الشكوك فإن إعلان الحب وإظهار المودة يعتبر عاملاً مهماً لتبديد ضباب الظنون. كما أن الحياة المشتركة تتطلب تفاهماً مستمراً من أجل تكامل الزوجين وبناء حياتهما المشتركة على أسس متينة وقوية.

تعزيز المعنويات

الحياة بحر متلاطم الأمواج، زاخرة بألوان المحن التي تزلزل القلوب، ولذا فإن على الزوجين الوقوف معاً في مواجهة ما يعترضهما من أمواج. الرجل يناضل ويكافح من أجل لقمة العيش ويتحمل في سبيل ذلك ألواناً من المتاعب والضغوط التي قد تزلزل إيمانه بالحياة؛ وهنا يبرز دور المرأة في بحث روح الثقة بنفسه وتشجيعه على مقاومة ما يعترضه من مشكلات. إن المرأة ومن خلال وقوفها إلى جانب زوجها في معترك الحياة سوف تصنع بطلاً قادراً على تحدّي كل ألوان المحن.

التعاون

من المسائل المهمة في توفير الأمن العائلي هو التعاون بين الرجل والمرأة، إذ ليس من اللياقة أبداً أن تقف المرأة مكتوفة اليدين وهي ترى زوجها يكافح ويكدح ويتصبب عرقاً وينزف جهداً في سبيل توفير لقمة العيش الكريم. وليس من المنطق مطلقاً أن يجلس الرجل في زاوية من البيت دون اكتراث بزوجته التي تدور في البيت هنا وهناك.. تغسل الثياب وتطهو الطعام وترتب أثاث البيت. إن التعاون بين الزوجين يشيع أجواء المحبة والدفء في فضاء الأسرة ويزيدها مهابة وجلالاً.

عدم التنكيل

التنكيل معول هدام يضعف أساس البناء العائلي ويبث روح الفتور في العلاقات الزوجية.
فقد تخْطئ المرأة، فلا ينبغي للرجل أن ينكل بها لأن ذلك يجرح كرامتها، وقد يخطئ الرجل فلا يجوز للمرأة أن تلوم زوجها لأن ذلك يضعف من ثقته بنفسه. النشاط البشري حافل بالأخطاء، والقاعدة أن من لا يخطئ لا يمكن أن يصيب، فالخطأ مدرسة تعلم الإنسان أن يسلك الطريق الصائب.

إشاعة الدفء

يتحمل الزوجان مسؤولية بث الدفء في أجواء الأسرة، غير أن المرأة بما وهبها الله من العاطفة تتحمل القسط الأكبر في ذلك. فالمرأة مخزن للعواطف الإنسانية وينبوع الحب الصافي. إنها بروحها الوثّابة يمكنها أن تشيع النشاط والحيوية في البيت، وبابتسامها الحنون تتبدد السحب ويتلاشى الضباب فتشرق شمس الحب وتغمر المنزل بالدفء والنور. المرأة سيد البيت والمسؤول الأول في إدارة مملكتها الصغيرة. إنها ومن خلال مهارتها وفنها ودقّتها يمكنها أن تجعل جميع الأشياء فيه تنبض بالحياة.

ينبغي على المرأة أن تحول بيتها إلى واحة صغيرة وارفة الظلال، فإذا عاد زوجها بعد عناء يوم حافل بالنشاط والجهد وجد جميع الأشياء وكأنها تستقبله، فيشعر بالراحة تغسل كل تعبه وهمومه. وقد جاء في الأحاديث الشريفة: «جهاد المرأة حسن التبعّل».

قَدْر من الراحة

عندما يعود الرجل إلى البيت يكون همّه الأول أن يلتقط أنفاسه في مكان مريح، ولذا فإن على المرأة أن تدرك هذه المسألة فتهيئ لشريك حياتها ما يناسب ذلك، لكي ينعم زوجها بقسط وافر من الراحة والهدوء.
كما أن على الرجل أن يدرك أن زوجته لم تكن تقضي وقتها في استراحة طويلة. إنها هي الأُخرى تعمل وتدور في المنزل من أجل إنجاز أعماله ومستلزماته العديدة، ولذا فعليه إذا ما استمتع باستراحته أن يبادر إلى مساعدة زوجته في شؤونها المنزلية، ذلك أن هذا الإحساس سوف يصب في مصلحة الأسرة ويشيع فيها جوّاً من التفاهم والانسجام. الحياة الزوجية تعاون وتضامن «وخيركم خيركم لأهله» كما ورد في الحديث الشريف. ولا ينبغي أن ننسى هنا الجانب العبادي في هذه المسائل، فالله سبحانه يثيب المحسن ويعاقب المسيء.

الثناء

من العوامل المشجعة والتي تساعد على إشاعة الانسجام في الأسرة، الثناء والمديح في وقته وظرفه المناسب. إنه دفقة من الحياة يضخها الرجل في روح امرأته عندما يثني على عمل ما قامت به، كما أنه وسام شريف تمنحه المرأة لزوجها عندما تمتدح موقفه من مسألة ما. الإنسان يحتاج إلى ثناء الآخرين لكي يتقدم في عمله ويبدع، فالتشجيع له دوره البنّاء في التكامل والتقدم نحو الأمام. إن على الزوجين، ومن أجل إشاعة الانسجام في الأسرة، البحث عن النقاط الإيجابية في كل منهما وتنميتها، والغض عن العيوب ـ قدر الإمكان ـ ومعالجتها بطريقة هادئة بعيداً عن أسلوب التنكيل والتقريع والإهانة. إن امتداح الرجل لزوجته سوف يجعل له مكاناً أثيراً في قلبها، كما أن ثناء المرأة على زوجها سوف يوفر لها منزلة سامية في قلبه.

التحمل

وأخيراً فإن التحمل والصبر من العوامل المهمة في توفير الأمن الأُسري. إن على الرجل أن يتحمل سلوك زوجته ولا يثور في وجهها لدى كل هفوة تصدر عنها، كما أن المرأة عليها أن تصبر، فلا تتصرف بردود فعل متشنجة إزاء موقف مغيظ يصدر عن زوجها. إن من علامات العقل، ضبط النفس وعدم الانقياد وراء الأهواء النفسية، ينبغي على المرء أن يبدي أكبر قدر من الحكمة في سلوكه ومواقفه.

الزوجان شريكا حياة وليسا غريمين ينتظران تسوية الحساب بينهما في كل لحظة، بل أحدهما يكمل الآخر، وكلاهما يتعاونان على تحمل أعباء الحياة. وأول خطوة في هذا الطريق هو أن يتحمل أحدهما الآخر منتظراً الفرصة المناسبة لتقويم اعوجاجه وتصحيح انحرافه.

موقع الأسرة السعيدة