الصداقة في مرحلة المراهقة
كفاح حداد

لا يخفى على أحد أن مرحلة المراهقة هي مرحلة حساسة تتميز بطغيان العواطف والاحاسيس والمشاعر الروحية. مرحلة ينسلخ فيها المراهقون والمراهقات عن مرحلة الطفولة ويتدرجون نحو الرشد والنضج على مختلف الأصعدة، واحد سمات هذه المرحلة هو نزعة المراهقين والمراهقات الى تشكيل صداقات لها ميزاتها، لكنها صداقات لها تأثير بالغ على شخصية المراهقين كما ان تأثيراتها قد تستمر مدى الحياة وربما تحل بالكامل محل الأسرة والآباء حيث ان جل وقت المراهقين يكون في المدرسة مع أصدقائهم وبعد المدرسة ربما يلتقون معهم عند الهاتف او في أماكن أخرى..

وأهم مزايا صداقات هذه المرحلة [لكلا الجنسين]:

1ـ اصرار المراهق والمراهقة على اختيار أصدقائهم بأنفسهم حسبما يضعون هم من مقاييس وعلامات وقد لا يسمحون للأهل بالتدخل في اختيارهم لأصدقائهم لأنهم يرون أنهم لم يعودوا صغاراً وهم في حالة استقلال ذاتي.. ولهذا فهم يبحثون عن الأصدقاء الذين يتفقون معهم في آرائهم ويتجاوبون معها ولو كانت خاطئة.. ولأن هذه المرحلة تتسم بثورة العواطف وابعاد العقل وعدم وجود الوعي التام بالقيم أو العادات أو التقاليد، فغالباً ما تكون الاختيارات غير سليمة لكنها تحظى بتقديس المراهق نفسه.


2ـ واحدة من مزايا الصداقات في مرحلة المراهقة أنها تكون غير ثابتة وتكون متحركة بين المد والجزر ولهذا لا تدوم طويلاً وسرعان ما تتصدع لأسباب غير منطقية أو غير مقبولة.. ومن البديهي أن التأسيس العاطفي الخاطئ يمهد لانكسار عاطفي مؤلم ولهذا يصاب المراهق والمراهقة بحالة من الاحباط الشديد والانكسار النفسي المؤلم عند تصدع العلاقة وقد تبقى الآثار مدى الحياة فيصبح الفرد انطوائياً انعزالياً ويرى أن هذا هو الحل الوحيد لتجنب انكسار الصداقات.


3ـ صداقات المراهقة هي في الأصل مستودع أسرار، فهؤلاء المراهقون ينقلون لأصدقائهم كل أسرارهم حتى فيما يتعلق بشؤون الأسرة أو علاقاتهم العاطفية الى غير ذلك وهم ينظرون ايضاً الى هذا المستودع على أنه مكتب لحل مشكلاتهم فينتظرون الحلول من أناس يشابهونهم في العمر والمرحلة، أي حلول ناقصة أو مبتورة.. وهذه الحلول قد تؤدي الى نتائج أكثر سلبية على المراهقين أنفسهم.
ولما كانت هذه الصداقات هي محل تعبئة لأسرار المراهقين يشعر هؤلاء بالتهديد حينما تتهشم هذه العلائق خوفا من نشر أسرارهم التي يخفونها عن الآخرين وقد يخضعون لابتزاز هؤلاء الذين كانوا بالأمس القريب أصداقاء لهم وتبدأ عملية المزايدة التي هي غالباً ما تكون مزايدة يمتص فيها الآخرون أموال المراهق ويجعلونه تحت التهديد المستمر.


4ـ الحالة الانفعالية لهذه الصداقات طاغية وغارقة في العواطف وفي ابداء مشاعر العواطف والحب تجاه الآخر وهناك تعصب للصديق ورغبة في الاستئثار به والقضاء معه وقتاً طويلاً، وهو ينظر الى صديقه على أنه ملكه الخاص ولهذا يتأثر اذا ما أبدى الصديق تعاطفاً مع آخر فهو يتصور أن حياته بلا هذا الصديق قد تعني الموت، وهذه أيضاً قد يستغلها البعض فيطلبون من المراهقين أن يقوموا بعمل ما ارضاء لهم، مثلاً القيام بالتدخين رغم علم المراهق والمراهقة أن الأهل لا يقبلون بهذا وأنه خطأ، لكنهم يقومون بالتدخين حفاظاً على الصداقة.
تزداد الحالة سوءً اذا كان المراهق يشعر بعقدة الحقارة ويجد في صديقه منجى له من العقدة او قد يكون ضعيف الشخصية فيقع في طاعة عمياء ولكنها خطيرة.
وقد تكون الصداقة مع من هم أكبر سناً كالأستاذ والمعلمة حيث يبحث المراهقون من خلال هذه الشخصيات عن الاشباع العاطفي الذي يشعرون انهم محرومون منه داخل الاسرة.


5ـ في مرحلة المراهقة هناك حالة من التقليد للآخر، تزداد هذه الحالة عند الاناث لكنها مؤثرة، فيحاول المراهقون تقليد الآخرين في الزي، والحركة، والتصرفات وربما في العقيدة أيضاً اذا كانت العقيدة الأصلية غير مستحكمة وترى البنات يعجبن بالفتاة الأنيقة التي تحاكي الموضة ويحاولن تقليدها بينما الذكور يقلدون أصدقاءهم في اظهار السيطرة والقدرة وتقليد الملابس والحركات.
وقد تبقى السلوكيات المتعلّمة خلال هذه المرحلة مدى الحياة ويصبح من الصعوبة تغييرها.
هذه بعض السمات وليست كلها حول الصداقة في مرحلة المراهقة.


فما الذي يجب أن يفعله الآباء والامهات كي ينقذوا أبناءهم من الانحراف أو الانقياد المهلك؟
ان هذا الأمر يتطلب عدة مهارات منها:

1ـ تقوية العلاقة بين المراهقين والآباء والامهات.
2ـ تغيير الأجواء الموجودة في الاسرة الى اجواء محببة للمراهقين.
3ـ اشاعة روح الحوار بين الطرفين.
4ـ عدم التجسس على الأبناء كي لا يفقدوا ثقتهم بأسرهم بل مراقبتهم عن بعد.
5ـ اتباع أسلوب التوجيه غير المباشر مع المراهقين.
6ـ توفير الحاجات الاساسية للمراهقين، فان اشباع هذه الحاجات داخل الأسرة يقلل من شعورهم بالنقص أمام الآخرين.
7ـ اشعار المراهقين بأنهم مستقلون ولهم كيانهم.
8ـ استشارتهم في شؤون عامة في الاسرة.


بين الجنسين
هناك تفاوت بين الجنسين في مسألة الصداقة في مرحلة المراهقة فمن ناحية يكون الذكور أقل تأثراً بأصدقائهم في حين أن البنت شديدة التأثر بالصديقات.. وربما يعود السبب الى نمط التربية الموجودة التي تعطي للولد الذكر الكثير من الاعتبار والتقدير يقابله تعزيز الشعور بالحقارة وكره الأنوثة لدى البنت.
كما أن اقناع الآباء للأبناء بخطأ الصداقة متفاوت، فالبنت تنظر الى صديقتها على أنها محور أساسي في حياتها. في حين أن الولد الذكر يميل الى اظهار شخصيته أمام صديقه، كما أن الأسر عادة ما تشن الرقابة الشديدة على البنت ويحملونها خاضعة لمقاساتهم الأمر الذي يجعل الفتاة تبحث عن الحرية مع الصديقة في حين أن الولد الذكر يفرض نفسه [حتى لو كان مخطئاً] على أسرته وله حريته.
كما أن صداقة الفتيات تتخللها كلمات مثل [سأنتحر من دون فلانه] أو سأموت اذا لم أراها، لازدياد الشد العاطفي. وعموماً تشن العواطف هجومها منذ سن 11 ـ 17 عاماً وتكون هي القائد الموجة لجيوش العقل والارادة والفكر وغيره.
ولأن البنات أكثر تأثراً بالدين وهن يحترمن العادات والتقاليد حفاظاً على السمعة التي تتيح لهن زواج جيد فهن أقل خطئاً وانحرافاً من الذكور الذين يتمردون على العادات والقيم والذين يعصف بهم الاعلام القاسي في دوائر الرغبة الجنسية الطاغية مع عدم وجود الاشباع السليم.

 

بلاغ كوم