يأخذ كثير من باحثي الأجانب و من مثقفي اليوم الذي لم يطلعوا على نظام الإسلام أنه أباح الرق و أن في هذا هدما ً لمبدأ الحرية المدنية ـ حسب زعمهم ـ و أنه نقطة ضعف في التشريع الإسلامي , ما كان له أن يقع فيه كما أن البعض يتساءل لماذا لم يلغيه تماما ً و يسد هذا الباب و ينتهي منه كما بت في منع الخمر و الميسر و الربا , وكان هذا هو الأجدر به و الأصلح لتلك الطبقة من البشر التي جعلتها الظروف القاهرة تحت وطأة الأسياد و عسفهم و جورهم ....

 

نقول لهم :

على رسلكم أيها الناس لا تسرحوا بخيالكم و لا تطلقوا الكلام على عواهنه و تريثوا فإن المسألة ليست بهذه البساطة التي يجنح إليها خيالكم فظننتم أن الأمر لا يحتاج إلى أكثر من جرة قلم و إصدار أمر بتحريمه و تنتهي المشكلة .

إن الأمر ليس كذلك و ليست من السهولة كالتي تتصورون إذ أن تحريم الرق يختلف كل الاختلاف عن تحريم الخمر و الميسر و الربا , فحين حرم الإسلام الخمر و الربا و الميسر حرمه على الفرد المسلم و أمره بالامتناع عنه و لا يتوقف امتناعه على امتناع غيره و لا يتصل به بل يلتزم ولو لم يلتزم أما لماذا لم يبلغ نهائيا ً فإننا نقول :

إنه أبقى عليه كسلاح من أسلحة الحرب الدفاعية يماثل السلاح الذي يستعمله عدوهم عند الحاجة , فالعالم كله كان يسترق أسرى الحرب و غير أسرى الحرب و لنأت إلى دراسة موضوع نشئ من التفصيل .

و بداية علينا أن نضع في نظرنا نقطتين جوهريتين :

أولاهما : أن الظروف الاجتماعية و الاقتصادية التي كانت تحيط بالعالم في العصر الذي ظهر فيه الإسلام كانت تحتم على شارع حكيم أن يقر الرق في صورة ما و تجعل كل محاولة لإلغائه إلغاء ً سريعا ً محكوما ً عليه بالإخفاء و الرفض .

ثانيهما : أن الإسلام لم يقر الرق إلا في صورة تحيط بالعالم في العصر الذي ظهر فيه الإسلام يعلم أن نظام الرق كان دعامة ترتكز عليها جميع نواحي الحياة الاقتصادية و تعتمد عليها جميع أنواع الإنتاج في مختلف أمم العالم .

فلم يكن من الإصلاح الاجتماعي في شيء أن يحاول مشرع تحريمه تحريما ً قاطعا ً لأول وهلة بل و لا التفكير فيه لأن محاولة كهذه كان من شأنها أن تعرض أوامر المشروع للمخالفة و الامتهان و إذا ما أتيح لهذا المشروع من وسائل القوة ما يكفل به إرغام العالم على تنفيذ ما أمر به فإنه بذلك يعرض الحياة الاقتصادية و الاجتماعية لهزة عنيفة ويؤدي تشريعه أخيرا ً إلى أضرار بالغة لا تقل في سوء مغبتها عما تتعرض له حياتنا في العصر الحاضر إذا ما ألغي بشكل فجائي استعمال السيارات والمواصلات الحديثة أو بطل استخدام الكهرباء.

لذلك أقر الإسلام الرق ولكنه أقره في صورة تؤدي هي نفسها إلى القضاء عليها بالتدريج دون أن يحدث ذلك أي أثر في نظام المجتمع الإنساني بل دون أن تشعر بتغيير في نظام الحياة.

والوسيلة التي ارتضاها للوصول إلى هذه الغاية من أحكم الوسائل وأبلغها أثرا ً وأحسنها نتيجة وهي

 

 

 

 

 

 

تتلخص في مسلكين .

  أحدهما :  تضييق الروافد التي كانت تمد الرق وتغذيه وتكفل بقاءه واستمراره بل والعمل على تجفيفها تجفيفا ً كاملا ً.

وثانيهما:  توسيع المصب أو المنافذ التي تؤدي إلى العتق والتحرير, وبذلك كفل الإسلام القضاء على الرق في صورة سليمة هادئة وأتاح للعالم فترة للانتقال يتخلص منها شيئا ً فشيئا ً من هذا النظام.

 فأما بالنسبة للأمر الأول ( وهو تجفيف الروافد ) فأن روافد الرق في العصر الذي جاء فيه الإسلام كانت كثيرة أهمها :

1 – رق الحرب بجميع أنواعها فكان الأسير في حرب أهلية أو خارجية بين القتل أو الاسترقاق.

2 – رق القرصنة والخطف والسبي فكان ضحايا هدد الاعتداءات يعاملون معاملة أسرى فيفرض عليهم الرق ويعتبرونها وسيلة مشروعة.

3 – عجز المدين عن وفاء دينه في الموعد المحدد لدفعه.

4 – رق الفقر والحاجة فكان يباح للأب أن يبيع أولاده ذكورهم وإناثهم بما له من سلطة عليهم.

5 – ارتكاب بعض الجرائم كالقتل والزنى والسرقة فكان يحكم على مرتكب واحدة منها بالرق لمصلحة الدولة أو المصلحة المجني عليه أو أسرته... إلى غير ذلك من روافد, نكتفي مما ذكرنا.

وكانت هذه الروافد تقذف كل يوم في تيار الرق آلافا ً مؤلفة من الأنفس حتى كان عدد الرقيق يزيد على عدد الأحرار.

جاء الإسلام وروافد الرق بهذه الكثرة والغزارة والقوة فما الذي فعله الإسلام؟

1 – ضيق منبع الرق فألقى روافده وأنواعه في واحدة أبقى عليها ولا تزال معمولا ً بها بين الدول المتحاربة وهي ( أسرى الحرب ) فلا يجوز الاسترقاق وإلا في حالة وقوع أسرى غير مسلمين في يد المسلمين وفي حرب مشروعة دينيا ً.

وهذا التعديل الذي جاء به الإسلام في غاية الأهمية حيث ضيق المنبع وسد كثيرا ً من روافده إلا رافدا ً واحدا ً أبقى عليه مراعاة لظروف الحرب بين المسلمين وغيرهم.

وكان  على الذين يفكرون ويعقلون أن يقدروا للإسلام هذه الخطوة الواسعة ويشكروه عليها في سبيل القضاء على الرق أو حصره في أضيق الحدود, وهذا ما لم يفعله دين أو مصلح قبله.

ثم أن المتتبع لآيات القرآن الكريم لا يجد فيها نصا ً يأمر بالاسترقاق أو يستحسنه وأن الآية الواردة في هذا الشأن قصرت التصرف في أسرى الحرب على المن او الفداء.

ولم تذكر الاسترقاق قال تعالى: ( فإذا لقيتم الذي كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا ً بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوارها ) محمد :

وكان يمكن أن يقول أو استرقاقا ً ولكنه تلافاها ليشير إلى كراهيته لها.

2 – وسع المصب ودوائر التحرير فجعل اقتحام العقبة يوم القيامة – وهي السد الذي يحول بين لمؤمن وبين الجنة – تحرير رقبة . قال تعالى :

( فلا اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة فك رقبة ...) البلد.

وكفارة القتل الخطأ مع الدية عتق رقبة وكفارة الإفطار في رمضان بالجماع مع القضاء عتق رقبة وكفارة الحنث في القسم بالله عتق رقبة. وإذا مزح الرجل وقال لمملوكه أنت حر تحرر تشوقا ً من الإسلام للحرية. قال صلى الله عليه وسلم : ( ثلاث جدهن جد وهزلهن جد وذكر منها العتق ...)

وإذا اشترك رجلان في ملك عبد وأعتق أحدهما نصيبه فيه اعتق العبد كله وتحمل شريكه قيمة نصيبه مسارعة للحرية, وشرع وسيلة المكاتبة وهي ( تعليق عتق العبد على معاوضة مالية يتم عتقه إذا دفع المال المطلوب لسيده ورغب الطرفين السيد والرقيق فيها ودعا المسلمين إلى أن يعانوا الرقيق في الوفاء بها حبا ً في الحرية وإحقاقا ً لها :

بل لحبه الحرية وتخليص الأرقاء من رقهم جعل الدولة ملزمة بمساعدته وذلك حين جعل في ميزانيتها من الزكاة جزءا ً معلوما ً لمساعدة هؤلاء المكاتبين ونص ... على ذلك في الآية الكريمة التي بينت أصناف المستحقين لها فقال تعالى :

( غنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل وابن السبيل ...) التوبة

أعود على الجواب عن السؤال الذي طرحناه في مقدمة البحث هو :

لماذا لم يلغ الإسلام الرق نهائيا ً ؟

فنقول : إن هذا الأمر يتعلق بطرفين أو دولتين فتحريمه أما أن يصدر أمر ألهي لجميع البشر ويعملوا به حتى يقضي على الاسترقاق عالميا ً – وهذا غير وارد لأن الإسلام ليس له سلطان على غير المسلمين – فتكون النتيجة أن يطبقه المسلمون وحدهم ويعملوا به بينما غير المسلمين في حل منه فلا يسترق المسلمون ويطلقون سراح جميع الأسرى إما منّا ً وإما فداء ً بينما أسرى المسلمين في يد العدو يسترقونهم ويستذلونهم كيف شاؤوا ..!

فمن الذي يقبل بهذه المعاملة ؟ وأية نفس تتحملها؟ وكيف يقبل المسلمون على حرب يعملون مسبقا ً أن ليس لهم سيد ينقذهم إذا ما وقعوا في الأسر وأنهم سيتعرضون للمهانة والاسترقاق بينما أسرى عدوهم سيحظون بالتكريم والإشفاق.

إنها – بلا شك – تكون نقطة ضعف في الروح المعنوية والقتالية لجيش المسلمين بعيدة الأثر ...!

فلا بد إذن في مثل هذه الظروف التي تتكرر أن يعمل الإسلام لها حسابا ً وأن يضع الدواء المناسب لها لا رغبة في الاسترقاق بل ليكون عندهم سلاح من نوع سلاحهم يدافع به الإسلام عن نفسه ويحمي جنوده .

ولذلك لم يأمر القرآن الكريم باتخاذه وإنما  تركه للرسول صلى الله عليه وسلم الحاكم والقائد يتصرف به عند الحاجة وحسب ما تقضيه مصلحة المسلمين وهو ما يسمى ( السياسة الشرعية ) وقد أبقى الإسلام على هذه الجزئية وحدها من بين عوامل كثيرة كانت تدفع إلى الرق للحاجة إليها في المعاملة بالمثل مع عالم يبيح الاسترقاق بكل أنواعه ومختلف صوره, ولذا شرعه وأباحه ولم يغلق بابه.

ثم لماذا يعيبون الإسلام ولا يعيبون القانون الدولي العام؟

لأن هذا الذي انتهى أليه الإسلام قبل أربعة عشر قرنا ً لم يخرج عنه القانون الدولي الخاص بمعاملة أسرى الحرب الآن ولم يأت بجديد.

فالدول المتحاربة اليوم تأسر كل دولة جنود عدوها ما تستطيع أسره ثم تضعهم في معسكرات وتقوم بين الدولتين محادثات بواسطة طرف ثالث محايد لتبادل الأسرى وقت الحرب ويظل الأسرى لدى الدولة المحاربة في صورة استرقاق أو ما هو أنكى لخدمة الدولة الآسرة حتى يتم الاتفاق على مبادلتهم أو إطلاق سراحهم.

فليقل لنا بعد هذا أولئك الخياليون البديل الذي يستحسنونه ما دامت هناك حرب وما دام فيها أسرى؟ ليقولوا لنا كيف يكون التصرف ..

( ولو أن المستشكلين فهموا كون الرق مشروعا ً في بعض صوره وشرعته باقية مستمرة لما رأوا في هذه المسألة أية شبهة يمكن أن تغبش صفحة نظامه الناصعة.

وكم من مشكلة يحسبها بعض الباحثين, مشكلة الإسلام وحكمه وهي ليس أكثر من مشكلة جهلهم بحقيقة الإسلام وحتى انتهى الأمر ببعض المسلمين في هذا العصر إلى حد أن الواحد منهم يريد أن يعرف كل شيء عن الإسلام وكل شيء عدا نظامه وطبيعته دون أن يتحرك عن محله ودون تكلفه لفهم كل ذلك إلا قراءة ما طاب من الجرائد والمجلات وما لف لفها مما خف في اليد حمله وقل ثمنه.ولتوضيح الموضوع بشكل أدق نقول : إن العلماء قسموا جملة الأمور الشرعية في الإسلام إلى قسمين قسم تقوم شرعيته على أساس إعطاء الشارع الحكيم جل جلاله الصلاحية للحاكم المسلم أن يقضي فيه بما يرى فيه الخير والمصلحة للمسلمين عامة ضمن دائرة محدودة لا يتجاوزها ويسمى ( حكم الإمامة أو السياسة الشرعية ) وهذا مما يخضع للطوارئ والظروف ويمثل له بإعلان الحرب وأمور كثيرة أخرى ومنها السياسة التي ينبغي أن تتبع بشأن الأسرى من قتل أو فداء أو استرقاق.

فهو إن نوع من الصلاحية يخولها الشارع جل جلاله لمن بيده السلطة من رسول  أو خليفة أو رئيس في أمور قد يختلف وجه المصلحة في معالجتها باختلاف الظروف وتبعا ً لما قد يستجد من طوارئ الأحوال وتقلبات الظروف إذ لو تكن لديه هذه الصلاحية لاضطر تجاه هذه الظروف أن يتحول إلى أهواء الناس وأراء المغرضين. وهذا أروع مظهر من مظاهر صلاحية التشريع ومرونته لكل عصر وفي كل حال .

فلو فرضنا أن حربا ً ما قامت بيننا وبين دولة باغية شرسة وأسرت طائفة من جنودنا ورعايانا وضربت عليهم الرق وهذا فرض لا ينبغي لأي قانون متكامل أن يغفله فلا يضعه في الحسبان وكان لهم بالمقابل جماعات من الأسرى تحت أيدينا فما الذي سيفعله  دعاة المثالية حينئذ لو صح لهم أن يكونوا في مركز السلطة والحكم ولا سيما إذا بدا لهم أن التلويح لهم بالمعاملة بالمثل هو أنجح وسيلة لشل حركة العدو أو إخماد ضراوته فأين يضعون مثاليتهم تلك أمام هذه الضرورة ومقتضياتها ...؟

وبعد فهذا هو النظام الرق في الإسلام أتينا عليه باختصار شديد ولم نشأ أن نتطرق لتلك المعاملة الطيبة التي لقيها الرقيق في ظل النظام الإسلامي الرفيق كما لم نشأ أن نذكر الأرقاء الذين حررهم المسلمون ابتغاء وجه الله – وعددهم كثير – وذلك لئلا يطول بنا البحث واكتفينا بالرد الموضوعي كما لم نذكر معسكرات الأرقاء والعبيد التي تسيطر عليها الدول القوية اليوم في أفريقيا وغيرها وفي مقدمتها فرنسا أم الحريات كما يقولون .

وعلى كل حال فإن الإسلام يرحب بالحرية كل الحرية لكل البشر ويحرص عليها كل الحرص.

والإنسان يولد حرا ً في نظر الإسلام وإن كان ولادته من رقيق وما أجمل قول عمر بن الخطاب في هذا الخصوص ( متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا ً)

ولذلك رحبت الدول الإسلامية بالاتفاق الدولي لمع الاتجار بالرقيق فلم يبق بين المسلمين في العالم رقيق من الأفراد أو الجماعة في أية صورة من الصور وبقي على الدول الغربية ومن ينتمي إليها ويتباكى على الرقيق أن تنزع عن استعمار الشعوب واستعبادها وإذلالها لمجرد أنها ضعيفة أو أن لون بشرتها يخالف لون بشرة البيض وهو أبشع ما يكون في عالم الإنسان المعاصر .!

 

 

 

 

 

خاشع حقي العلواني