أن يعاتب رسول الله صلي الله عليه وسلم فهذا أمر جلل يزيد عليه أن يكون هذا العتاب من الله تعالى. إن هذا ما حدث لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم جاءه عبد الله بن مكتوم – مسلما – يسأله عن الإيمان والإسلام، فأعرض عنه وعبس في وجهه فعن ابن عباس رضي الله عليهما قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يناجي عتبة بن ربيعة، وأبا جهل بن هشام، والعباس بن عبد المطلب. وكان الرسول يتصدى لهم كثيرا ويحرص عليهم أن يؤمنوا، فأقبل عليه رجل أعمى يقال له: عبد الله بن أم مكتوم، يمشي وهو يناجيهم، فجعل عبد الله يستقرئ النبي آية من القرآن وقال: يا رسول الله، علمني مما علمك الله. فأعرض رسول الله صلي الله عليه وسلم وأخذ ينقلب إلى أهله، أمسك الله بعض بصره، ثم خفق رأسه ثم أنزل الله: "عبس وتولى. أن جاءه الأعمى. وما يدريك لعله يزكي. أو يذكر فتنفعه الذكري. أما من استغنى. فأنت له تصدى. وما عليك ألا يزكى. وأما من جاءك يسعى. وهو يخشى. فأنت عنه تلهي". عبس[10،1].

 

فلما نزلت فيه أكرمه رسول الله، وقال الثوري: فكان النبي بعد ذلك إذا رأى بن أم مكتوم يبسط له رداءه ويقول: "مرحبا بمن عاتبني فيه ربي". إن رسول الله صلي الله عليه وسلم يوم أعرض عن عبد الله كان يرغب في هداية زعماء قومه، لعلمه من إنهم يوم يسلمون يسلم من ورائهم، وتنتهي معاناة الإسلام في مكة بأسرها، ولكن الله تعالى صوب هذا المنطق بما أنزل من قرآن ينصف به أعمى البصر، مبصر القلب، ولو كان التصويب في حق خير خلقه أجمعين صلى الله عليه وسلم. وهذا بدون شك من دلائل صدق نبوته صلي الله عليه وسلم، وربانية القرآن الكريم، إن ابن أم مكتوم رضي الله عنه لم تسمع به الدنيا قبل الإسلام، ولم يكن له صوت ولا حديث فيها، بل كان رجلا من رجالات مكة يعيش لنفسه مع نفسه.

هذا ما كانه قبل الإسلام أما بعد إسلامه فقد هاجر بن أم مكتوم إلى المدينة ونزل في دار القراء كما تقرر بعض الروايات، وأخذ يؤدي مهمته التي أعد نفسه لها بالأسئلة الكثيرة التي كان يوجهها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، مهمته في تعليم الناس مبادئ الدين، ومهمته في تحفيظهم بعض آيات الذكر الحكيم، ومهمته في تهيئة النفوس والقلوب في استقبال رسول الله صلي الله عليه وسلم، ولم يلبث طويلا حتى جاءته الأنباء بقرب وصول الرسول صلى الله عليه وسلم إلى مدينة يثرب، وخرج مع وفود المستقبلين يتنسم أخبار حبيب الله، ويترقب لحظة وصوله حتى يشنف أذنيه بسماع حديثه واستيعاب هديه.

وجاء الرسول صلي الله عليه وسلم ونزل في دار بني النجار كما تقول كتب السيرة. ثم أخذ في بناء مسجده، ليكون المدرسة الكبرى لأول جيل عرفته البشرية يحمل هدي الله وكتابه، واشترك ابن أم مكتوم في بناء المسجد ولازم الرسول صلي الله عليه وسلم في أكثر أوقاته، لم يتخلف عن صلاة واحدة خلف الرسول الكريم، ولم يغب عن حلقة من حلقات التوجيه النبوي، ولم تند آية واحدة من آيات الوحي التي كانت تتنزل في المدينة عن فكره وعقله، بل كان يشرب بأذنيه آخر الكلمات النبوية والتوجيهات السماوية التي يرسلها الله لعباده، وكان في بعض الأحيان تطول الجلسة مع الرسول صلي الله عليه وسلم ويحس بأن الوحي أتى إلى الرسول صلي الله عليه وسلم ويكاد يرى ببصيرته جبريل الأمين وهو يلقن الرسول الكريم. قال أنس رضي الله عنه : "أن جبريل أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده ابن مكتوم". فقال: متي ذهب بصرك؟ قال: وأنا غلام. فقال: قال الله تبارك وتعالى: "إذا ما أخذت كريمة عبدي لم أجد له بها جزاء إلا الجنة". هنيئا لك يا ابن أم مكتوم. هنيئا لك بصحبة الرسول صلى الله عليه وسلم وهنيئا لك ببشارة جبريل بأن لك الجنة. ألم ينزل الله فيه قرآنه..؟

ألم يقل له الرسول صلى الله عليه وسلم كلما لقيه: "أهلا بمن أوصاني به ربي خيراً"..؟. ولقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يأمر بالأذان للصلاة إذا ما غاب بلال. وكان صوته العذب يدوي بكلمة "الله أكبر" خمس مرات في اليوم. فإذا حضر بلال وأذن للصلاة كان على ابن أم مكتوم أن يقيمها خلف الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان بلال يؤذن في رمضان فلا يمتنع الناس عن الطعام والشراب لأن أذانه فقط لإيقاظ النائم وتنبيه الغافل، فإذا أذن ابن أم مكتوم كان هذا إيذانا بالامتناع عن الطعام والشراب وإمساك الصائمين. عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن بلالا ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم. قال: وكان ابن أم مكتوم رجلا أعمى لا ينادي حتى يقال له: "أصبحت أصبحت".

وكان الرسول يستخلفه على المدينة عند خروجه إلى غزواته. استخلفه حين خرج إلى غزوة قرقرة الكدر إلى بني سليم وغطفان. وكان يجمع بالمسلمين ويخطب إلى جنب المنبر، ويجعل المنبر عن يساره. واستخلفه حين خرج إلى غزوة أحد. وحين خرج إلى حمراء الأسد إلى بني النضير وإلى غزوة الخندق، وإلى غزوة بني قريظة، وإلى غزوة بني لحيان، وإلى غزوة الغابة، وإلى غزوة ذي قرد، وفي عمرة الحديبية. ويروى عن الشعبي قوله: "غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث عشرة غزوة ما منها غزوة إلا يستخلف ابن أم مكتوم على المدينة وكان يصلي بهم وهو أعمى".

ولقد كان يشارك في حياة المسلمين، حياتهم الاجتماعية، وحياتهم السياسية، ويتابع أخبار الوفود التي ترد إلى الرسول صلي الله عليه وسلم. وكان صواما قواما،  لم يره أحد إلا في عبادة أو متجها لأداء عبادة أو مشاركا للمسلمين في أمر يهمهم. ولكن ينزل قوله تعالى : "لا يستوي القاعدون من المؤمنين، والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة". إذ هناك من يتفوق عليه في الأجر، وفي التقرب إلي الله. وهناك من هو أحظي منه في العبادة. ويتجه إلي ربه، يتجه إليه بقلب خالص ونفس صافية: يا رب ابتليتني فكيف أصنع..؟ يارب رحمتك التي وسعت كل شيء. فنزل قوله تعالي: " غير أولي الضرر".

عن بن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزل قوله تعالى: "لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم". فسمع بذلك عبد الله بن أم مكتوم الأعمى فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: يا رسول الله، قد أنزل الله في الجهاد ما قد علمت وأنا رجل ضرير البصر لا أستطيع الجهاد فهل لي رخصة من عند الله إن قعدت..؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أمرت في شأنك بشيء، وما أدري هل يكون لك ولأصحابك من رخصة..؟ فقال ابن أم مكتوم: "اللهم إني أنشدك بصري.. فأنزل الله بعد ذلك على رسوله صلي الله عليه وسلم: "لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله".

لقد أخذ الرخصة من ربه. فهل ينتفع بهذه الرخصة؟ لقد سمع قول الرسول الكريم: "إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه". فقرر أن يكون له أجر المجاهد، وطلب من إخوانه أن يشركوه معهم في حروبهم. واستجابوا له، ورافق الجيش المتجه إلى القادسية. وعندما وصلوا إلى ميدان المعركة، قال: يا أحباب الله، يا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. يا أبطال المعارك، ادفعوا إلي اللواء، فإني رجل أعمي لا أستطيع أن أفر، وأقيموني بين الصفين. ويروي قتادة عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن عبد الله بن أم مكتوم يوم القادسية كانت معه راية سوداء وعليه درع سابغة. ثم عاد إلى المدينة فمات بها. رحمه الله رحمة واسعة. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

عمرو خالد يكتب لمجلة المرأة اليوم بتاريخ 21 يناير 2006