Top
مدة القراءة: 4 دقيقة

الذكاء بين الوراثة و الاكتساب

الذكاء بين الوراثة و الاكتساب
مشاركة 
10 يوليو 2009

 

كتب الدكتور فاخر عاقل في كتابه "أصول علم النفس و ميادينه " :
من الأمور التي شغلت علماء الوراثة و علماء النفس السؤال عما إذا كان الذكاء وراثياً أم كسبياً ؟! و بتعبير آخر السؤال عما إذا كان الانسان يولد بقدر محدود من الذكاء لا يستطيع تجاوزه مهما أُحسنت تربيته و أُتيحت له من فرص الاكتساب و التعلم ؟ أم أن حسن التربية و غنى المحيط و فرص التعلم قادرة على زيادة ذكاء الإنسان نفسه و تنمية قدراته العقلية وقابلياته الذهنية ؟!


للعلماء في طبيعة الذكاء نظريات يمكن إجمالها في أربع هي :
النظريات البيولوجية : فهي نظريات (داروين) و (سبنسر) و أتباعهما و هي تبني الذكاء على أساس بيولوجي و تعرفه بأنه ( القدرة على الإفادة من الخبرة و مواءمة المحيط و المرونة أو القدرة على التعلم ) . وهم يعتبرون الذكاء قدرة عامة و موروثة و يرون أن القدرات الأكثر تخصصاً تميزت بالتدريج أو نجمت عن القدرة التكيفية العامة خلال تطور كل من الأنواع و نمو الفرد معاً .


النظريات السيكولوجية : فتركز اهتمامها على الوظائف الادراكية التي تميز الإنسان عن سواه من المخلوقات و لا تهتم بتطور الذكاء في العالم الحيواني و قد قال العلماء المؤمنون بهذه النظريات بعدد من القدرات اعتبروها جوهر الذكاء من مثل القدرة على حل المشاكل أو القدرة على التفكير المجرد أو غيرهما وقد عرف العالم الانكليزي ( نايت ) الذكاء بأنه ( القدرة على التفكير في العلاقات تفكيراً بنائياً موجهاً نحو هدف ) و هو يميز بين هذه القدرة و بين مجرد الحصول على معلومات أو مهارات .


النظريات العاملية : فقد حاولت تجنب البحث في مشكلة طبيعة الذكاء بأن قالت : " ان الذكاء هو ما تقيسه مقاييس الذكاء " و واضح أن هذا النوع من النظريات لا يفعل أكثر من تجنب المشكلة على طريقة تفسير الماء بالماء ، ناسياً أن واضعي مقاييس الذكاء لم يكونوا ليصفوها على هذا الشكل أو ذاك لو لم تكن لهم نظرياتهم عن الذكاء .


النظريات النمائية : تعتبر أقرب النظريات الى الصحة و أكثرها توفيقاً في تفسير طبيعة الذكاء . و أشهر القائلين بهذه النظريات عالمان أحدهما أميركي اسمه ( هب ) و الآخر سويسري اسمه (بياجه) و بالرغم من أن معالجتهما للموضوع مختلفة جداً ، و ذلك على اعتبار أن ( هب ) يصرف جل اهتمامه الى سيكولوجية الحيوان و فيزيولوجيا الدماغ و أن ( بياجه ) يهتم أكثر ما يهتم بسيكولوجية الطفل و المنطق الصوري ، فإن النتائج التي توصل إليها كل منهما متناسقة متوافقة بشكل ملحوظ . و للعالم (هب) مساهمة أهم و هي تفريقه بين نوعين من الذكاء ، الذكاء - أ - و يقصد به الذكاء الوراثي بصورة كامنة ، الذكاء -ب -ويقصد به الكفاءة العقلية الحاضرة ويمثل القابليات العقلية التي بنيت أثناء الحداثة و الطفولة و الذي لا يمكن أن ينمو إلا في إثارة محيطية مناسبة .
أما ( بياجه ) فقد وصف كيفية انبثاق التفكير و الصور عن سلوك المحاولة و الخطأ الظاهر ، و التفكير الذكي لا يمكن أن ينمو إلا في سياق اجتماعي حيث يساعد الراشدون و الأطفال الأكبر سناً الطفل الأصغر على اغناء حصيلته من الأفكار و المفاهيم و ايضاح الصلة بينها عن طريق الكلام . أي أن الذكاء و نموه متوقفان على المجتمع الى حد كبير ، وفي رأي ( بياجه ) أن الطفل في السنين الباكرة ينحصر سلوكه ـ في معظم الأحيان ـ في الاستجابات الحسية المباشرة للخبرات العملية ، وهي تكيفات وحيدة الاتجاه و غير مرنة أما في المراحل المتقدمة من العمر حيث يتجلى التفكير المنطقي المجرد فيتصف تفكير الانسان بالمرونة و الحركة أي في القدرة على الانتقال الى المواقف الجديدة و سهولة تقليب الأفكار و الرجوع الى الخبرة الماضية و الانتقال منها الى الوضع الحاضر ، و فيما بين هاتين المرحلتين ـ الحسية و المنطقية ـ تقوم مرحلة يكون اليافع فيها متركزاً حول ذاته و تكون مفاهيمه فيها عن الزمان و المكان و السببية و الأخلاقية غير عقلانية و لا ثابتة و إنما حدسية متصلة بحاجاته الشخصية و اهتماماتها الذاتية


تلك هي خلاصة تفكير العلماء فيما يخص الذكاء أو كسبته ، و الذي يبدو لي أن الاتجاه الأخير – الاتجاه النمائي – هو الأقرب الى الصحة ، و الحق أن جمهرة علماء النفس اليوم أميل الى الأخذ به و الاعتقاد بأن ما قاله ( هب ) و ( بياجه ) يكمل أحدهما الآخر و يجعل من الذكاء قدرة موروثة في أصلها و لكنها قابلة للنمو و التطور ، و أن نموها إنما يتم في سياق اجتماعي ، وأن المجتمع الأغنى و الأقدار على تحدي الطفل هو المجتمع الأصلح لنمو الذكاء و تزايده و أن اللغة بالذات تلعب في هذا دوراً أساسياً .


تنويه: يمنع نقل هذا المقال كما هو أو استخدامه في أي مكان آخر تحت طائلة المساءلة القانونية، ويمكن استخدام فقرات أو أجزاء منه بعد الحصول على موافقة رسمية من إدارة النجاح نت.



ساعدنا في تطوير عملنا وقيّم هذه المقالة


تعليقات الموقع