الأب والأم مشغولان بالمشاحنات والاشتباكات اليومية...والأبناء ضحايا للتراشق المستمر بالكلمات، وأحياناً بالأيدي، والنتيجة معروفة، ابن مسلوب الإرادة، ضعيف الشخصية، يقضي ليله في كوابيس مزعجة ونهاره في انطواء وعزلة...ولكن..!! ما ذنب الطفل حين يتحول جو الأسرة التي يعيش فيها إلى جحيم!!!

 

وقد يتطور الأمر إلى ما هو أخطر من ذلك فيصاب ببعض الاضطرابات النفسية الخطيرة كالتبول اللاإرادي والاكتئاب والقلق النفسي، وإذا كان الطفل على مشارف المراهقة فالأمر أخطر، فقد يجد في أصدقاء السوء بديلاً للأسرة فيقضي ليله في السهرات المشبوهة ويصبح بعدئذ الطريق مفتوحاً لإدمان المخدرات، والأسرة غائبة عن الوجود، ولا يقتصر الأمر على ذلك فقط بل يكبر الطفل ومعه عقدة تؤثر على سلوكياته في الحياة إلى أن يموت فيصبح أولاده ضحايا له ولتربيته الخاطئة.. وهكذا تدور الدائرة ويكون لدينا جيل ضائع مضطرب يعيش في رعب وخوف مستمر.
 
حاولت" وكالة الصحافة العربية " أن تفتح قلب هؤلاء الصغار وتسمع لشكواهم وتقرأ مشاعرهم ليسمعها المجتمع ويأخذ من مآسيهم عظة حتى لا يساهم البعض ـ بقصد أو بدون قصد ـ في اغتيال البراءة مرة أخرى.
 
أول النماذج أو الضحايا التي التقوها.. طفل في السابعة بدأ حديثه بقوله: بابا وماما في خلاف طول الوقت وأنا أعيش في رعب من صوتهم العالي، و في مرات كثيرة يقوم بابا بضرب ماما وفي هذه اللحظة أتمنى الموت حتى لا أرى أمي تبكى وتصرخ، ولا أجد في هذه الحالة سوى الاتصال بجدتي حتى أستطيع الاحتماء بها، وعندما تقرر الذهاب أتمنى أن تأخذني معها وأترك المنزل، لأنني أكره المنزل ولا أتمنى العيش فيه وأحلم دائماً أن بابا قتل ماما.
 
أما الطفل فادي 11سنة بالصف الأول الإعدادي فيحكي عن زميله وائل ويقول: كان معي في فصل المتفوقين في المدرسة وفجأة أصبح دائم السرحان في الفصل ولم يعد يجيب عن الأسئلة بالدقة التي كنت أعرفها عنه، ولم يعد يشاركنا اللعب في المدرسة، وأهمل الأنشطة المدرسية التي كان مشهوراً بها وأصبح المدرسون يتهمونه بالتكاسل، ولأنه جاري في المنزل فقد عرفت أن والده يتغيب لفترات طويلة خارج المنزل وعندما يعود يعرف كل الشارع أنه حضر من خلال مشاجراته الدائمة وصوته العالي وعندما سألت وائل عن تدهور مستواه قال إنه لا يستطيع أن يركز في المذاكرة ويتمنى أن ينفصل والداه حتى يتخلص من هذا الجحيم. وبمرور الوقت وكثرة المشاكل حصل وائل على درجات ضعيفة في امتحان آخر العام وخرج بذلك من فصول المتفوقين بعد أن كان من أوائل المدرسة.
 
وتقول "نونا" 12 سنة: مشاجرات أبي وأمي تشعرني بالخوف والرعب، فهما أصبحا مثل الأعداء كل منهما يحاول القضاء على الآخر بالإهانة المتبادلة، وأنا عندما أسمع شجارهما أغلق باب حجرتي وأبدأ في البكاء وأضع الوسادة على رأسي حتى لا أسمع شتائمهما وأظل أبكي حتى أنام، وأصبح بداخلي يقين أنني عندما أكبر لن أتزوج حتى لا أعيش تلك الحياة التعيسة التي تعيشها أمي، التي أسمعها تحكي لجدي أن أبي لا يحبها وتتمنى الانفصال عنه لولا وجودي أنا وأخوتي، لذلك لن أتزوج حتى لا أنجب أطفالاً يتعذبون مثلي.
 
أما أصغر الأطفال الذين إلتقوا به فكان تيمور  6 سنوات يتكلم بكلماته البريئة ويقول: ماما وبابا لا يحبونني ودائماً يصرخان في وجهي وإذا ذهبت أطلب شيئاً من بابا يقول لي روح لأمك وتقول أمي نفس الشيء، وهما دائماً يتشاجران لذا أفضل الذهاب إلى منزل عمي لأنه هادئ وأتمنى أن أعيش في منزله طوال حياتي.
 
مراهقة فى خطر... ومع انتقال الأطفال إلى بداية المراهقة تزداد معاناتهم ويتضح ذلك من كلام أيمن 15 عاماً فيقول: بصراحة أنا مللت من الحرب الدائرة في بيتنا.. وأنا صغير كنت أبكي كلما تشاجر والداي، حتى تربيت على الحزن والاكتئاب الذي يخيم على منزلنا وكنت أحياناً أتعاطف مع أمي وأحياناً أخرى مع أبي حتى احترت في أمرهما ففضلت الهروب من جو البيت مع كل مشاجرة وفي تلك الظروف تعرفت على مجموعة من الأصدقاء عن طريقتهم عرفت التدخين والسهرات المشبوهة فقد أخرجوني من كآبتي، فليس من المعقول أن أعيش في حزن دائم ومشاكل مستمرة.
 
أما ربيع 14 عاماً فيقول: نحن في البيت مثل أمريكا والعراق، فأفراد الأسرة منقسمون إلى فريقين فريق بابا ومعه أخي الأكبر وأختي الصغرى وفريق ماما وأنا معها وأختي التي تليني ونحن نعيش دائماً في حرب، الكل يتبارى كيف يكسب قائد فريقه، والمشاكل لم تعد بين بابا وماما فقط بل انتقلت إلينا كأبناء حتى أصبحنا نكره بعضنا ولا يهمنا نجاح الآخر أو فرحه كأننا غرباء بل أعداء نعيش تحت سقف واحد.. بصراحة أنا كرهت المنزل وكرهت كل الناس، أتمنى أن أكبر وأهاجر وأعيش في بلاد غريبة ولم لا وأنا أشعر بالغربة والوحدة وأنا وسط عائلتي.
 
المرض النفسي وعن رأي المختصين في خطورة الخلافات الزوجية على الطفل يقول د. أحمد سعد ـ رئيس مركز الطب النفسي بجامعة عين شمس ـ: إن أي خلل في علاقة الزوجين يؤثر على الأسرة كلها والأكثر تأثراً بهذا الخلل هو الطفل الصغير فالوالدان وصورتهما لدى الطفل يحددان بشكل كبير طريقة تعامله مع الآخرين، فإذا كانت تلك الصورة سلبية فستنعكس على تعاملاته والعكس صحيح أيضاً، فإذا كانت علاقة الأبوين على ما يرام سيتعامل الطفل مع الآخرين بشكل جيد، ويبدأ باكتساب الثقة في المجتمع، والكبار يخطئون حينما يتصورون أن الطفل الصغير لا يدرك لأن الأطفال دون السادسة أو الخامسة تنطبع في أذهانهم صورة خلافات والديهم مهما كانت بساطتها.
 
ويضيف "د. سعد " عندما يفتقد البيت إلى مشاعر المودة والرحمة ويرى الطفل أن بيته مختلف عن بيوت الآخرين التي تنعم بالحب أو حتى يختلف عما يراه على شاشة التليفزيون في المسلسلات فتبدأ اضطراباته النفسية التي تؤثر على شخصيته، مشيراً إلى مشكلة أكثر خطورة حين يلجأ بعض الأزواج إذا استفحلت مشاكلهم إلى ما يسمى الطلاق العاطفي على الطلاق الحقيقي وهذا أخطر ما يمكن، فالزوجين المنفصلين يعرف الطفل مصيرهما، أما المنفصلان عاطفياً فتختل صورة كل منهما لدى الطفل، ويحتار إلى أي طرف يميل، وعموماً الخلافات الزوجية تسبب عدة اضطرابات نفسية لدى الطفل منها الانطواء، والعدوانية أو بعض الأمراض النفسية في الكبر مثل الاكتئاب، ولكن من رحمة الله علينا أن كل الرواسب السيئة التي تسببها الخلافات الزوجية تزول بمجرد تسوية المشاكل والخلافات وتهيئة الجو المناسب للأسرة، لأن الطفل لديه قابلية للنسيان، أما بالنسبة للمراهقين فالخلافات الزوجية تساعدهم على الهروب من البيت والانتماء لعالم آخر مكون من الأصدقاء والأقران التي قد تكون بعضها صداقات غير سوية تؤدي إلى الانحراف.
 
أما د. زينب بشرى ـ أخصائية علم نفس الأطفال بطب عين شمس ـ فتقول: الخلافات الزوجية من أهم الأسباب التي تؤدي إلى الاضطرابات النفسية لدى الأطفال مثل التأخر الدراسي والتلعثم في الكلام والتبول اللاإرادي والقلق النفسي وأكبر خطأ يقع فيه الزوجان هو عدم إخفاء خلافاتهم عن أطفالهم فهم يفقدون أعصابهم أمام أبنائهم مما يجعل الطفل يضطرب، فالصوت العالي يوتر الطفل ويؤثر على سلوكه، وقد يكون من نتائجه إعراض الطفل عن الطعام أو اللعب، بل ويمكن انتقال توتر الوالدين للطفل فيعيش في قلق دائم.
 
تضيف "د. زينب" إذا وصلت الخلافات الزوجية إلى درجة لا تحتمل فمن الأفضل للزوجين أن ينفصلا حتى لا يتربى أطفالهما في جو غير سوي وإذا حدث الانفصال فيجب مراعاة حقوق الطفل فلا يحرم من زيارة أحد والديه مثلاً أو أن يتحدث أحد الوالدين عن الآخر بطريقة سيئة أمام الطفل.. وهكذا حتى يتربى الطفل بطريقة سوية.
 
أما د. ليلى كرم الدين أستاذة علم النفس لمعهد الدراسات العليا للطفولة ـ فتقول: إن السنوات الأولى من عمر الطفل خطيرة جداً فإما أن يثق الطفل في الأهل ويطمئن إليهم أو يفقد الثقة فيهم، وبالتالي يفقد الثقة في كل أفراد المجتمع، والأسر الذكية هي التي تنأى بخلافاتها بعيداً عن أطفالها حتى ينمو الطفل بطريقة سوية يشعر خلالها بالأمان، والطفل بطبيعته ذو حساسية عالية فبمجرد ظهور أي تغير على وجه الأم أو الأب يراه الأولاد ويحسون به، كما أن الأبناء الذين يعيش والديهم في خلافات دائمة يعانون غالباً من التأخر والفشل الدراسي والاكتئاب وضعف الشخصية وسرعة الانقياد إلى أصدقاء السوء، وقد تظهر عندهم اتجاهات سلبية نحو فكرة الزواج أو يصاب بعضهم بالانحراف الجنسي مؤكدة أنه إذا حل الوالدان خلافاتهم مبكراً وتعاهدا على حياة سليمة وسعيدة، فإنهما يستطيعان بناء ما دمر من نفسية طفلهما في الفترة السابقة ومعالجة الصورة المشوهة التي سجلت في ذهن الأبناء في فترة الخلافات ولكن بشرط أن يتم ذلك قبل فوات الأوان.