Top
مدة القراءة: 4 دقيقة

الحكمة السابعة عشرة: ما ترك من الجهل شيئاً من أراد أن يحدث في الوقت غير ما أظهره الله فيه

الحكمة السابعة عشرة: ما ترك من الجهل شيئاً من أراد أن يحدث في الوقت غير ما أظهره الله فيه
مشاركة 
الرابط المختصر

الوقت هو المجال الزمني الذي قضى الله تعالى أن تظهر فيه أنشطة الناس وأعمالهم.



وقد خاطب الله تعالى الناس جميعاً بأوامره ووصاياه التي كلفهم بها مع النواهي عن المفاسد التي حذرهم من الوقوع فيها. فذلك هو الجامع المشترك الذي يجب أن يلتقي عليه الناس جميعاً في كل زمان وفي كل مكان.

ثم إنه تركهم جميعاً لاختياراتهم فيما يفضلونه من الوظائف والصناعات والتجارات والعلوم والمعارف الكثيرة المتنوعة، ويسّر لكل منهم الأنشطة والأعمال التي شاء الله أن يوجهه إليها وأن يلهمه إياها.

إذن، فذلك هو الجامع المشترك الذي أوصاهم به، وهذه هي سبل المعايش المتنوعة التي حبب إلى كل منهم ما شاءه منها.

ولله عز وجل في توزيع هذه الأنشطة والوظائف على عباده، أو توزيعهم عليها، حكمة باهرة لاتخفى على عاقل.. فإن الأرض التي أنشأنا الله عليها، وأقام لنا فيها مفاتيح المعايش وأسباب الحياة الرغيدة، لابدّ من عمارتها بالمعنى المادي والحضاري، ولا تتم عمارتها إلا باستعمال مفاتيح المعايش واستخدام أسباب رغد الحياة.. وكللك لا يتم إلا بانصراف كل الناس إلى كل المفاتيح والأسباب التي تحقق لهم معايشهم وتبني لهم مجتمعاتهم، وإنما يكون ذلك بأن يتقاسموا فيما بينهم أنواع الوظائف والأنشطة والأعمال التي بها تتحقق عمارة الأرض. فكان من لطف الله وعظيم إحسانه، أن قسم بينهم هذه الأنشطة والوظائف بسائق من الإلهام والرغبة وانشراح الصدر، ولم يدفع كلاً منهم إلى ماشاء له منها بدافع الجبر والإلزام.

إذن فهو أمر شرعي مقبول أن تجد الناس قد توازعتهم الوظائف والأعمال الكثيرة المختلفة إذن، فهو أمر شرعي وديني مقبول، أن تنظر فتجد الناس قد توازعتهم الأعمال والأنشطة المتنوعة، هؤلاء حببت إليهم الأعمال التجارية فهم منصرفون إليها، والفئة الأخرى طاب لها الاتجاه إلى الصناعة وفنونها فهي ماضية منهمكة في هذا السبيل.. وفئة ثالثة لاتبغي عن الفلاحة والزراعة وأعمال الأرض بديلاً.. وأخرى تجنح إلى العلوم الكونية والاستزادة منها والتعمق فيها.. إلى جانب فئة أعرضت عن ذلك كله واتجهت إلى الأعمال الإدارية والخدمات السياسية.

 أجل.. إنه أمر ديني مشروع أن تجد الناس في أي مجتمع من المجتمعات قد توازعتهم هذه الوظائف والأعمال المختلفة، على أن ينطلقوا إليها بعد الالتقاء والاجتماع على جامع مشترك فيما بينهم، وهو الاستجابة لتعاليم الله: أوامره، نواهيه، وصاياه، والتحقق بهوياتهم عبيداً مملوكين لله، والدوام جهد الاستطاعة على مراقبة الله عز وجل.

فإذا جاء من ينكر على الناس توازعهم بين هذه الأعمال باسم الدين، فهو من الجهالة بمكان فإذا جاء، مع ذلك، من ينكر على الناس الانكباب على هذه الوظائف والأعمال، بحجة أنها مشاغل دنيوية تبعد الإنسان عن الله وتشغله بالدنيا عن الدين، فإنه من الجهالة بمكان كما قال ابن عطاء الله.أمْرٌ أقام الله منه نظاماً لحياة عباده، ثم ملأ بهذا  النظام أوقاتهم، ما الذي يغريك باقتلاع هذا النظام وبالاندفاع إلى غرس وظائف وأعمال أخرى في أوقاتهم وأعمارهم التي متعهم الله بها سوى الجهل بحكمة الله وسننه التي أقامها على الأرض في عباده؟!

إنما يستقي ابن عطاء الله هذه الحكمة من هدي رسول الله ومن سيرة أصحابه وإنما يستقي ابن عطاء الله هذا من سيرة الصحابة إذ كان رسول الله بين ظهرانيهم، فقد كان فيهم من يشهد مع رسول الله صلاة الفجر، حتى إذا كان وقت الضحوة الكبرى ذهب غائباً إلى أرض له يفلحها ويزرعها وذلك هو شأنه دائماً، وكان فيهم من ينصرف بياض نهاره إلى صناعة تعلق بها فأتقنها فكان ذلك شأنه، وكان فيهم من يقبل على التجارة ويجدّ ويكدّ في أعمالها، وكان فيهم من ينقطع عن الدنيا فيلازم رسول الله في كل شؤونه وتقلباته ليسمع منه فيحفظ عنه، أو لينقطع للأذكار والعبادات في المسجد كأهل الصفة، ولم يكن رسول الله ينكر على أيّ منهم شأنه وعمله الذي اختاره لنفسه.

إذ كان كلهم ينطلقون إلى أعمالهم المتنوعة تلك من جامع مشترك هو أداء حقوق الله، والالتزام بما يأمرهم ويوصيهم به رسول الله، والتشبع بمعرفة أحكام الله وشرائعه، والإكثار من ذكر الله ومراقبته، فلا جرم أن أعمالهم المتنوعة التي كانوا يتفرقون إليها، كانت مصبوغة هي الأخرى بصبغة الإقبال على الله والتقرب إليه والتطلع إلى مرضاته.

ولكن المشكلة تتمثل في حال من يتجهون إلى هذه الوظائف والأعمال الدنيوية المتنوعة، دون أن ينطلقوا إليها من هذا الجامع المشترك الذي لابدّ منه، والذي من شأنه أن يسبغ على الأنشطة الدنيوية معنى الدين ويسكب فيها روحه وحقيقته.

وليس حديث ابن عطاء الله في هذه الحكمة عن هؤلاء الناس الذين استبدلوا الدنيا بالدين فحق عليهم قول الله تعالى: { قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ } { التوبة: 9/24 }

وإنما حديثه عن التنوع الذي لابدّ منه في الوظائف والأعمال تحت سلطان الدين وحكمه، وبقصدٍ يهدف إلى مرضاة الله وتنفيذ أمره. فهو كقوله في الحكمة الأخرى التي مرّ ذكرها: ((تنوعت أجناس الأعمال بقدر تنوع واردات الأحوال)) .

غير أن هذا التنوع لابدّ أن يكون مردّه إلى تنفيذ الوصية التي خاطب بها عباده إذ قال لهم: { هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها } { هود: 11/61 }فتكون عندئذ هذه الأنشطة والأعمال المتنوعه جزءاً أساسياً داخلاً في قوام الدين, ولا يتحقق ذلك إلا بجامع مشترك من الطاعات والقربات والأذكار والالتزام بوصايا الله وأحكامه, ينطلق منه أصحاب تلك الأنشطة التنوعه والوظائف الدنيوية المختلفة.

وأعود فأقول: إن المشكلة تكمن في أن جل الذين ينصرفون إلى وظائفهم وأعمالهم المختلفة، قد انقطعت صلتهم بالجذع الجامع لأشتات تلك الأعمال، فغدت أنشطتهم مفصولة عن قيادة الدين وحكمه وأعود فأقول: إن المشكلة تكمن في أن جُلَّ الذين ينصرفون إلى وظائفهم وأعمالهم الدنيوية المختلفة قد انْبَتَّتْ حياتهم من الجذع الجامع لكل تلك الفروع والأعمال المتنوعة، وعادت أنشطتهم مفصولة عن قيادة الدين وحكمه، فحيل بينهم وبين الرجوع إلى أداء ما عليهم من حقوق لله عز وجل، وأسكرتهم الدنيا التي غرقوا في حمأتها عن الوقوف أمام مرآة الذات ليتبينوا أنهم عبيد أذلاء مملوكون لله.. ولم تترك لهم مشاغل الدنيا أي بقية من الوقت يجلسون فيها إلى مجلس ذكر أو حلقة علم!..

 إنني أْدُعى بين الحين والآخر إلى حفلات عقود وحفلات زفاف ونحوها.. فأستجيب للداعين إن أتيح لي ذلك.. وأتأمل في أمر هؤلاء الذين أُلْزِمُ نفسي بالاستجابة لدعوتهم، وجُلُّهُمْ من رجال الأعمال ومن ذوي الأنشطة الدنيوية المتنوعة التي نتحدث عنها، فلا أكاد أذكر أنني قد رأيت أياً منهم، في شيء من حلقات الدروس التي أقامني الله عليها منذ سنوات!..

ولكم سألت نفسي، في ألم وحزن، لماذا يدعوني هؤلاء الناس إلى حفلاتهم وأفراحهم فأستجيب، ويدعوهم الله إلى حلقات ذكر أو علم يقرّب إلى الله فلا يستجيبون؟!..

ثم إني أعلنت لهم هذا السؤال جهراً في كلمات ألقيتها في بعض تلك الحفلات، قلت لهم: حفلات أفراحكم تدعونني إليها فأستجيب، وحفلات الدروس العلمية التي تقام في المساجد، أدعوكم إليها بل يدعوكم إليها الله عز وجل، فلا تستجيبون!!..

لماذا تقتصر حلقات الذكر والدروس العلمية والإرشادية في المساجد على فئة الشباب  الذين هم الكثرة الكبرى فيها، وعلى الطبقة الوسطى فمن دونها من الناس، دون أن تجد فيها وجهاً لرجل أعمال.. لقائم على صناعة.. لمدير شركة.. لذي تجارة مرموقة..؟!.

هذا مع العلم بأن أصحاب هذه الوجوه أحوج إلى هذه المجالس التي تذكر بالله، وتنمي في القلب محبة الله وتعظيمه والخوف منه، وتغذي العقل بمزيد من المعارف والثقافة الإسلامية، أقول: إن أصحاب هذه الوجوه أحوج إلى هذه المجالس من سائر الفئات الأخرى التي تغشى بحمد الله هذه المجالس.

ذلك لأن عواصف الأهواء والمتع والشواغل الدنيوية إنما تتجه بأخطارها إلى هؤلاء الذين يتقلبون في غمار الدنيا ويَسْبَحون في أغوارها، فتبتليهم أولاً بقسوة القلب، ثم تزجهم  في النسيان.. نسيان الضوابط والأحكام التي شرعها الله، ونسيان المآل الذي لابدّ أن يصير إليه كل إنسان، ونسيان الوظيفة التي ابتلى الله الإنسان بها، وكلفه القيام بها.

ولذا فإن هذه الفئة من الناس هي أحوجهم جميعاً إلى أن تنعش نفسها بمجالس الإيمان وحلقات العلم والتذكرة.. إذ هي التي تجهزها بالكوابح التي تقيها خطر الاستسلام لتلك التيارات العاصفة.. ثم هي التي تمتعها بالجامع المشترك الذي لابدّ منه، منطلقاً إلى تلك الأنشطة والأعمال الدنيوية المختلفة.

ليس في دين الله عز وجل ما يمنع المسلمين من أن ينشطوا في بناء المجتمع الإنساني وترسيخ الدعائم الحضارية في جنباته، بل هذا هو واجبهم الذي خاطبهم الله به.

وهذا ما نهض به الرعيل الأول في صدر الإسلام كما أوضحت مفصلاً في أوائل كتابي (السلفية) . ولكن على أن ينطلقوا جميعاً إلى هذه الأنشطة المتنوعة من الجامع المشترك الذي لابدّ منه، ألا وهو الوقوف على مرآة الذات والتشبع بمعرفة الهوية الإنسانية، ثم معرفة حق الله عز وجل على العبد والعمل الجاد على أدائه، مع الانضباط بجميع الأوامر والوصايا التي شرف الله بها الإنسان إذ خاطبه وكلفه بها.

هذه الأنشطة الحضارية الدنيوية المتنوعة، ومثلها الأعمال والسلوكات الدينية الكثيرة هي التي يتحدث عنها ابن عطاء الله في حكمته هذه، عندما يقول: ((ما ترك من الجهل شيئاً من أراد أن يحدث في الوقت غير ما أظهره الله فيه)) .

فإذا كان المنتقد للوظائف الدنيوية التي أقام الله عليها طائفة من عباده، لم يترك من الجهل شيئاً، فما بالك بحال من يتجه بالنقد إلى ما لا يروق له من السلوكات والأعمال الدينية؟

كثيرون هم الذين يتخذون من أمزجتهم مقاييس لما هو مقبول وغير مقبول من المظاهر والسلوكات الدينية.. ولعل هؤلاء هم في مقدمة من لم يتركوا من الجهل شيئاً إلا تلبسوا به وركنوا إليه، على حدّ تعبير ابن عطاء الله.

( هنالك مجالس تعقد بعد صلاة الفجر من أيام محددة في كل أسبوع، للصلاة على سيدنا رسول الله ، في بلدتنا هذه، دمشق.. وظيفة أقام الله عليها طائفة من عباده الصالحين، وأَعْظِمْ بها من وظيفة.. كثيرون هم الذين يضيقون ذرعاً بها، ويستخفّون بها عند الحديث عنها، ويجزمون بأن لقاء فكرياً تتم فيه مناقشة إحدى مشكلات العالم الإسلامي خير وأجدى من الوقت الذي يتبدد بما يسمّى مجالس الصلاة على رسول الله!..

وأنا واحد ممن يعلم علم اليقين أن كثيراً من المصائب والمحن تدنو، بل تطوف بهذه البلدة، ثم إن الله يصرفها عنها بفضل هذه المجالس وما تفيض به من خير، وما يجتمع فيها من الصالحين.

لا تخلو مجتمعاتنا، ككثير من المجتمعات الأخرى، ممن يسمون ((الدراويش)) لا يأبه بهم الناظر وليس فيهم ما يلفت إليهم النظر بأي تقــدير، تبدو عليهم سمة البطالة، أطمارهم بالية، ودرايتهم بسيطة... ما أكثر الذين يطيلون ألسنتهم في حقهم نقداً وتجريحاً واستهزاءً!... يقول أحدهم في هياج وازدراء: ليس في ديننا دروشة، إسلامنا إسلام عمل ونشاط ومظهر مرتب جذاب يأخذ بالألباب.. ثم يصرّ إصراره على أن هؤلاء يرسمون صورة شو هاء تخفي السيما الرائعة المشرقة لواقع المسلمين.. وربما استشهد في هياجه هذا بعمر بن الخطاب رضي الله عنه إذ كان يعلو بدرّته رؤوس أناس عاطلين، أشدّاء، قد لازموا المسجد لا يبارحونه، يقودهم إلى السوق قائلاً: قد علمتم أن السماء لا تمطر ذهباً ولافضة.

ووجه الخطأ في هذا الاستنكار أن هؤلاء ينطلقون إلى استنكارهم من مشاعر ومواقف مزاجية، لا من تحكيم لشرع الله وحكمه.

وموازين الشرع تقول: إذا تبين أن هؤلاء الناس يتكلفون (الدروشة) ديدناً لهم، ويؤثرون البطالة لكسل ران عليهم أو لهوى في نفوسهم، فإنها إذن معصية يجب إنكارها والعمل على زوالها، ومن هذا القبيل ماكان يفعله عمر.

أما إن تبين أن حالاً انتابتهم فزجتهم دون قصد ولا تكلف منهم في تيه عن الدنيا وشؤونها، وألبستهم مظهر هذه (الدروشة) وتركتهم دون وعي منهم لثيابهم الرثة وأطمارهم البالية، فلتعلم إذن أن هؤلاء ربما كانوا ممن قال عنهم رسول الله : ((رُبَّ أشعثَ أغبرْ ذي طمرين باليين، مدفوع بالأبواب، لو أقسم على الله لأبرّ قسمه)) ورد هذ الحديث بألفاظ متقاربة من رواية مسلم، وأحمد، والحاكم، والبزار. بل أغلب الظن أنه منهم.

فإن غابت عنك الدلائل ولم تتبين من أي الفريقين هو، فحسن الظن هو المطلوب في ميزان الشرع وحكمه، وهو مقتضى الحيطة في الأمر. لا سيما إذا تذكرت أن في الناس أناساً هم من خلّص عباد الله، لو أقسموا على الله لأبرّ قسمهم كما قال رسول الله، قضى الله لحكمة أن يخفيهم عن عامة الناس بحجاب من هذه الصورة التي تزدريها أعين المتسرعين والمزاجيين من الناس. أقامهم الله من حياتهم وفي مجتمعاتهم على وظائف ذات أهمية كبرى، لا يعلمها إلا الله ومن هم على شاكلتهم

وأقول لمن يكثر من الاستشهاد بعمل عمر بن الخطاب، لتأييد موقفه المزاجي: كن في الإشراف على حال المسلمين والاطلاع على أحوالهم ودخائلهم مثل عمر الذي كان يعلم عوامل الكسل والبطالة من حال أولئك الذين كان ينتهرهم ويقودهم إلى السوق، ثم لك أن تقلده وتسلك مسلكه في ذلك.

أما أن تتخذ موقفه في حق من لا تعلم شيئاً عن أحوالهم ودخائل أمورهم، فهو لا يتفق مع ميزان الشرع، ومن ثم فإن عمر بريء إلى الله منه.

وصفوة القول إن عليك أن تعلم أن الله تعالى أقام عباده على وظائف قسمهم بينها أو قسمها بينهم. فيها ما هو بيّن معلوم، وفيها ما هو خفي وغير مفهوم.

وظيفتك تجاهها أن ترعى الشرع وأحكامه، فإن لم تجد بعد التبصر ودقة النظر، ما يخالف متفقاً عليه من مبادئ الشرع وأحكامه، فألجم فمك عن قالة السوء بحق عباد الله مهما استغربت أحوالهم وعجزت عن فهم شؤونهم، ووجّه فؤادك إلى حسن الظن بهم، فذاك هو الأمثل والأليق بواجب الأدب مع عباد الله.

واعلم أن في عباد الله الصالحين من أخضعهم الله لأحوال لاخيار لهم تجاهها ولا سبيل أمامهم للتخلص منها.. فسلّم إليهم أحوالهم، دون أن تلزم نفسك بما لم يلزمك الله به من ذلك.

قلت مرة لواحد من أصحاب هذه الأحوال، وقد رأيت الكثير من دلائل صلاحه وصدقه: ادع الله لي أن أكون مثلك، فقال لي: وما حاجتك إلى ذلك، إن الناس عندئذ لن يستفيدوا ولن يفهموا منك شيئاً.

فتأمل في معنى كلامه هذا، إنه يقول لي: لكل منا وظيفة أقامه الله عليها، أما أنا فوظيفتي ما ترى من الحال التي أنا فيها، وأما أنت فوظيفتك أن تخاطب الناس وتحاورهم بما علمك الله.

المصدر: دار الفكر دمشق للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي 


تنويه: يمنع نقل هذا المقال كما هو أو استخدامه في أي مكان آخر تحت طائلة المساءلة القانونية، ويمكن استخدام فقرات أو أجزاء منه بعد الحصول على موافقة رسمية من إدارة النجاح نت.



ساعدنا في تطوير عملنا وقيّم هذه المقالة


تعليقات الموقع