ولنبدأ بالعرض لمعنى هذه الحكمة:

يقول ابن عطاء الله: لن تخيب في طلب أمر تسعى إليه معتمداً على توفيق الله تعالى متبرئاً من أوهام حولك وقوتك. بل سيكون التوفيق فيه حليفك. ولن توفق في تحقيق الهدف الذي تبتغيه من طلب تعتمد فيه على حيلتك وأوهام قدراتك, بل سيكون الخذلان هو المآل.

تلك هي خلاصة معنى هذه الحكمة.

ولكن فلنتساءل بعد هذا: من أين جاء ابن عطاء الله بهذا الكلام؟  ما هو مستنده في هذا القرار؟

مصدر هذا الذي يقول ابن عطاء الله كتاب الله عز وجل وهدي نبيه المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، وقراره هذا من أهم مبادئ التوحيد الذي هو لب العقيدة الإسلامية.

أجمع آية دالة على هذه الحقيقة الاعتقادية، قول الله عز وجل: { يا أَيُّها النّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ } { فاطر: 35/15 }

والفقر الذي يثبته الله تعالى للناس ليس فقراً في المال دون غيره أو في المدارك والمعارف دون غيرها، وإنما هو الفقر بكل أشكاله وأنواعه، فالإنسان إذن فقير في طاقته وجهده، وفقير في علومه ومداركه، وفقير في كل مايحتاج إليه من مال ونحوه... إن تحرك فبقدرة الله يتحرك، وإن سعى في مناكب الأرض صانعاً زارعاً بانياً، فبتوفيق وبحول من الله تعالى يفعل ذلك كله.. وإن أدرك وتعلم واكتشف خفايا المكونات فبمنحة من علم الله ينال ذلك كله.. ألا ترى إلى قوله عز وجل: { وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاّ بِما شاءَ } { البقرة: 2/255 } وأجمع كلمة دالة على هذه الحقيقة مما علمنا إياه رسول الله ، قوله: ((لاحول ولاقوة إلاّ بالله)) .

إن ((لا)) نافية للجنس، كما هو مثبت في قواعد اللغة العربية، فهي إذن تنفي جنس الحول والقوة عن الإنسان، أي فهو لايتمتع من ذلك كله بشيء، إلا أن يمنحه الله من ذلك مايشاء. فإن تحرك أو سعى الإنسان فبقدرة الله يسعى ويتحرك.

ولأمر ما أوصانا رسول الله أن نكثر من ذكر هذه الكلمة القدسية الجامعة. روى محمد بن إسحاق أن مالكاً الأشجعى جاء إلى رسول الله فقال له: أُسِرَ ابني عوف، وشكى إليه جزع أمّه عليه، فقال له رسول الله : أرسل إليه أن رسول الله يأمرك أن تكثر من قول ((لا حول ولا قوة إلا بالله)) فأنقذه الله من الأسى وعاد إلى أبويه بخير وغنائم..

وانظر في بيان هذه الحقيقة إلى الكلمة البليغة الجامعة في الحديث النبوي الشريف: ((المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولاتعجز، وإن أصابك شيء فلاتقل لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدّر الله وماشاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان))

تأمل في قوله: ((استعن بالله، ولاتعجز)) .. قدم الأمر بالاستعانة بالله، على النهي عن العجز، لكي يعلم الإنسان أن سبيل تخلصه من العجز إنما هو الاستعانة بالله عز وجل، إذن فالخطوة الأولى بين يدي كل جهد ونشاط هي الاستعانة بالله عز وجل، ثم تأتي الخطوة التي تليها متمثلة بالنهوض إلى العمل وطرد أسباب العجز. فالنشاط السلوكي ثمرة للاستعانة بالله عز وجل. وهذا هو السبب في تقديمه الأمر بالاستعانة بالله على التحذير من التكاسل والعجز، إذ السبب في الترتيب هو الأول، والمسبَّب هو الثاني... ولو قال رسول الله : لاتعجز، واستعن بالله، لجاءت الجملة مخالفة للترتيب الواقعي والمنطقي.

وقبل أن أنتقل بك إلى التطبيقات والأمثلة العملية والواقعية لهذه الحكمة، أذكرك بما هو مقرر في مبادئ العقيدة الإسلامية، وهو أن الله عز وجل يرفد الإنسان بالقدرة عندما يهبّ لاستعمالها في حركة أو قيام أو قعود أو مشي أو أي عمل يتجه للنهوض به، أي إنه لا توجد فيكيان الإنسان قدرة أودعها الله لديه، ثم تركها وتركه لها، فهو يستعملها في شؤونه عندما يشاء..

ينبغي أن تعلم أن هذا التوهم خطأ منطقي وعلمي، بعد اليقين بألوهية الله تعالى وقيوميته على كل شيء. بل إن القدرة تفد إليك عند الحاجة الآنِيَّةِ إلى استعمالها، ثم تظل تسري في كيانك لحظة فلحظة مع استمرار الحاجة إليها. أي إن رعاية الله للإنسان موصولة به استمراراً، كاستمرار اتصال الأسلاك الكهربائية بالمولد، ولله المثل الأعلى.

واعلم أنك ـ في حالات نادرة تمرّ على كل منا ـ عندما تفاجأ بأن قوتك قد خانتك، إذ حاولت القيام فلم تستطع، أو حاولت أن تبسط يدك فتشنجت ولم تتمكن، اعلم أن الله قد قطع عنك في تلك اللحظة عونه ومدده. وليس تفسير ذلك أن في كيانك قوة مستقرة غابت في تلك اللحظات عنك، ومهما علل الأطباء هذه الظاهرة بأسباب وعوارض عضوية، فالحقيقة هي هذا الذي أقوله لك. إنهم لايرون المدد الإلهي الممتدّ إلى كيان الإنسان، لافي إقباله ولا في إدباره، ولكنهم يرون أثر ذلك في جسمه وأعضائه، فيحسبون الأثر مؤثراً والنتيجة سبباً.

وذلك هو شأن علماء الطبيعة في كل ما يرصدونه من ظواهرَ إن بأعينهم أو بواسطة أجهزتهم، إنهم يدركون ويرصدون النتائج الخاضعة لتدبير الله، ولكنهم لا يرصدون، لا بأعينهم ولا بأجهزتهم، تدبير الله وفاعليته، فيتوهمون النتائج والآثار أسباباً ومؤثرات ذاتية،وينسبون إليها من الفاعلية والتدبير ما ينبغي ـ لو اخترقوا الظواهر ـ أن ينسبوه لمصدره وهو الله عز وجل.

إذن فالإنسان أياً كان، وفي أي الظروف والأحوال وجد، إنما يتحرك وينشط بعون الله وبقدرته. تلك هي الحقيقة العلمية الثابتة، ومن ثم فهو المعتقد الذي يجب أن يدين به كل من آمن بالله إلهاً واحداً حقيقياً لاشريك له.

وأظن أنني فصلت القول في بيان هذه الحقيقة، في مناسبة مرّت خلال شرحنا للحكم الفائتة.

ولنتساءل الآن عن الثمرة التي نعود بها إلى أنفسنا من معرفة هذه الحقيقة.

إنني إذا عرفت هذه الحقيقة واستيقنها عقلي، فلسوف أكون دائماً مع الله عز وجل، في سائر حركاتي وسكناتي وأنشطتي وأعمالي المختلفة التي أقوم بها... أي لن يغيب عن بالي أنني فقير في كل تحركاتي هذه إلى معونة الله وإمداده. وسيحملني هذا اليقين على الاستعانة به عز وجل، كلما أقدمت على عمل ما:

وظيفةٍ، تجارةٍ، صناعةٍ، زراعةٍ، عملٍ عسكري، نشاط سياسي.. إلخ. وهذا سيحملني بدوره على دوام ذكر الله ومراقبته، وكيف لاأذكره، بل كيف لا أداوم على ذكره وقد أيقنت أنني لا أتحرك إلا بقوته، ولا أنهض إلا بتوفيقه وأنه إن تخلى عني وقعت أسير عجز مطبق وضعف خانق. مثل هذا الإنسان لابدّ أن يردد دائماً، إن بلسان قوله أو بلسان شعوره وحاله: يارب!.. يناديه مستعيناً، مستغيثاً مفتقراً، ولابدّ أن يمزج سائر تحركاته بهذا النداء المستمر مع استمرار تحركاته وأنشطته وأعماله، ولعمري هذا هو الفرار الذي أمرنا الله به إذ قال: { فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ } { الذاريات: 51/50 }

وهنا، أفترض أن في القراء من يستشكل قائلاً: هاأنا ذا قمت بعملي الدراسي في الجامعة معتمداً على نفسي، غير متذكر لشيء من هذا الذي تقول، ومع ذلك فقد حالفني التوفيق وتيسر مطلبي على الرغم من أنني طلبته بنفسي، ولم يتعسّر كما يؤكد ابن عطاء الله.

ثمة جوابان عن هذا الإشكال:

الجواب الأول: أن كلمة ((التوقف)) في كلام ابن عطاء هذا إنما تعني غياب التوفيق، وليست بمعنى انقطاع تيار القدرة عن صاحب الدراسة أو العمل، فهو يقول: ما من عمل تستعين فيه بالله عز وجل إلا ويكون توفيق الله حليفك. وما من عمل تستقل فيه بنفسك معتمداً فيه على ذاتك ناسياً أو منكراً يد الله التي تحركك إلا ويغيب التوفيق فيه عنك.

فما هو التوفيق؟ إنه لا يتمثل في نجاحك الشكلي في دراستك ولا في حصولك على الشهادة الجامعية التي سعيت إليها.. وإنما يتمثل التوفيق في وصولك إلى الغاية التي توجهت إلى دراستك من أجلها.. وسعادتك بالهدف الذي ابتغيته.

فمن اعتمد على الله في جهوده، أياً كانت دراسةً أو غيرها، حقق له الله النتائج التي يسعى إليها، وأسعده بها.

ومن تجاهل عون الله له، واعتقد أنه إنما يصل إلى مايبتغيه بجهوده الذاتية وقدراته الشخصية، عاكسه التوفيق، وإن هو تحرك في نطاق الأسباب تحرك القادر الذي يخيل إليه أنه مستقل بأمر نفسه متمكن من تحقيق رغائبه.

الجواب الثاني: أن هذه القاعدة التي يذكرها ابن عطاء الله إنما يخاطبُ بها من سبق أن آمن بالله عز وجل، وبايعه على الإسلام والالتزام بأوامره وأحكامه. فأما الجاحدون الذين لم يؤمنوا به فضلاً عن عدم التزامهم بأوامره والاستسلام لشرعته فينطبق عليهم قول الله تعالى { كُلاًّ نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً } { الإسراء: 17/20 }

إن الكافر أو الملحد لا يقال له: إنك لن توفق في أعمالك وشؤونك إن لم تستعن بالله عز وجل، إن هذا القول لو خوطب به يتنافى مع قول الله تعالى: { ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } { الحجر: 15/3 } ويتنافى مع قوله عز وجل: ((مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ )) [ آل عمران:3196-197].

 إن الكافر، لم يسمّ كافراً إلا لأنه جاحد بألوهية الله عز وجل، ومن ثم فهو غير ملتزم بأي بيعة لله عز وجل في اتباع أي من شرائعه وأحكامه.. وهذا هو السبب في أنه لا يخاطب بشيء من فروع الدين الشريعة كالصلاة والصيام والفرائض الأخرى، ولا يتوجه إليه النهي عن شيء من المحرمات التي نهى الله عنها.

إن هذا الذي يذكرنا به ابن عطاء الله أدب من آداب الإسلام، ينبثق من قول رسول الله لعبد الله بن عباس: ((إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله)) . وهذه الآداب الإسلامية إنما يلزم بها ويخاطب بها المسلمون. إذ هي متفرعة عن كليات العقيدة الإسلامية، فمن لم يؤمن إيماناً حقيقياً بها، لا معنى لإلزامه بشيء من الفروع المنبثقة عنها.

إذا تبين هذا، فاعلم أن هذه القاعدة التي يذكرنا بها ابن عطاء الله، تصدق على كل من الفرد والمجتمع، فما من إنسان مؤمن بالله عز وجل، يوقن إذ ينشط في القيام بوظائفه وأعماله أن مصدر توفيقه وسند عونه إنما هو الله عز وجل، إلا كان التوفيق حليفه، إما بما يناله من ثمرات عمله مباشرة، أو بما قد يعوضه الله عن ذلك.. إذ إن من شأن هذا الإنسان الموقن بهذه الحقيقة أن لا يخطو خطوة فيما هو مقبل عليه، إلاّ ذاكراً الله، ملتجئاً إليه، متضرعاً إليه أن يوفقه وأن لا يتخلى عنه، وقد ألزم الله ذاته العلية بأن لا يتخلى عمن يلوذ به ويلجأ إليه، ويعود في كل شؤونه وأعماله إليه.

وقد ذكرت طائفة من الأمثلة الواقعية على هذا، في مناسبات مرت خلال شرحنا للحكم الماضية.

كذلكم المجتمع.. إن المجتمع إذ يتحرك من خلال قادته وموجهيه، شأنه في هذه القاعدة كشأن الفرد، فما من فئة أو مجموعة أو مجتمع من الناس يتحرك تحت سلطان اليقين بأن القوة إنما هي قوة الله، وأن التوفيق والسداد من عنده، إلا توّج الله أعمال هذا المجتمع أو الفئة بالتوفيق والنصر... والعكس أيضاً صحيح. وإليك طائفة من الأمثلة العملية.

يوم بدر كان طلب المسلمين للنصر بالله عز وجل، فقد كانوا على يقين بأن قوتهم من حيث الكم والكيف أقل من أن تحقق لهم نصراً.  ولكنهم كانوا يطلبون النصر بالله، ويثقون بوعده، ويضيفون إلى ذلك كثرة التجائهم إليه، وشدّة تضرعهم على أعتاب كرمه وجوده، وإنك لتعلم كم استمر رسول الله ليلة الجمعة، يجأر إلى الله بالشكوى والدعاء ويسأله التوفيق والنصر.. فكان أن استجاب الله دعاءهم وحقق لهم النصر الذي سألوه، من حيث لا يحتسبون. وصدقت فيهم القاعدة: ((ما توقف مطلب أنت طالبه  بربك)) وصدق الله القائل: { إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ } { الأنفال: 8/9 }

كذلك كان شأنهم في غزوة الخندق وغزوة خيبر وغزوة مؤتة وتبوك... بل في العاقبة التي انتهت إليها غزوة أحد أيضاً.

أما في غزوة حنين، فقد صدق في أوائلها الشطر الثاني من هذه القاعدة، هو ((ولا تيسر مطلب أنت طالبه بنفسك)) . إذ وُجِدَ آنذاك في أصحاب رسول الله من أُعْجِبوا بكثرتهم، التي لم يروا مثلها فيصفوفهم قبل ذلك، فاستبشروا بالنصر اعتماداً عليها... ولكن البشارة لم تتحقق، والكثرة لم تفدهم شيئاً، فقد كان الغلط الذي تورطوا فيه أنهم طلبوا النصر بها واستبشروا اعتماداً عليها.. فصدق فيهم قول الله عز وجل: { وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً } { التوبة: 9/25 }

 وإذا تتبعت حال المجتمعات الإسلامية بعد عصر رسول الله إلى يومنا هذا، لم تعثر على واقع شذ عن هذه القاعدة.

الفتوحات التي تمت في عصر الخلفاء الراشدين، كانت  خاضعة لهذه القاعدة..

الانتصارات التي تمت في العصور التي تلت عصر الخلافة الراشدة إنما كانت من تطبيقات هذه القاعدة.. والانتكاسات التي حدثت، كانت هي الأخرى من تطبيقاتها.

الغزوات الصليبية التي جاءت فهيمنت واحتلت أرضنا المباركة كانت من نتائج هذه القاعدة.. ولما ارتدت على أعقابها فيما بعد، عندما هبّ نور الدين زنكي ثم صلاح الدين الأيوبي، كان ذلك أيضاً من ثمرات هذه القاعدة.

والفتح التاريخي العجيب الذي تم على يد السلطان محمد الفاتح للقسطنطينية، إنما كان مصداقاً دقيقاً لهذه القاعدة، ومن وقف على الصورة المؤثرة حقاً لكثرة تضرعه والتجاءاته إلى الله، في خيمته التي كان يدير منها أعماله القتالية، داخل القلعة التي بناها في أقل من خمسة أشهر، وقف على ماتقشعر له القلوب، من أعاجيب تَذَلُّلِهِ وبكائهسا جداً يناجي الله عز وجل (انظر ترجمة محمد الفاتح في كتاب العاهل العثماني أبو الفتح السلطان محمد الثاني، تأليف علي همّت، ترجمة محمد إحسان). وصدق رسول الله القائل: ((لتفتحن القسطنطينية. فلنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش))

والخذلان  الذي ران على العالم العربي وكثير من بقاع العالم الإسلامي، منذ أن تهاوت الخلافة الإسلامية، من آثار هذه القاعدة، وصدق رسول الله القائل: ((يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، قال قائل: أمن قلّة يارسول الله نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، وسيَنْزَعَنَّ الله الرهبة منكم من صدور أعدائكم، وسيقذِفَنَّ في قلوبكم الوهن. قالو: ما الوهن يارسول الله؟ قال حب الدنيا وكراهية الموت))

ولا يتسع المجال في هذا المقام لعرض الأدلة التفصيلية على هذا كله، إذ لسنا الآن بصدد استعراض الحوادث التاريخية وتحليلها ودراسة أسبابها، ولكن بوسعك أن تستبين أدلة الطرد والعكس لهذه القاعدة واضحة بينة من تفاصيل الأحداث التاريخية كلها، الجديد منها والقديم.

بقي أن ألفت النظر إلى أن هذه القاعدة التي ينبهنا إليها ابن عطاء الله، لا تعني أن على المؤمن الواثق بأن التوفيق والعون كله من عند الله، أن يهمل الحركة والأسباب وأن لا يقيم وزناً للوسائل والمسخَّرات المادية في الطريق إلى الأهداف والغايات.بل على المسلم الصادق في إسلامه أن يعلم أن يقين العقل بأن المستعان به في كل جهد وعمل هو الله عز وجل، شيء مجاله اليقين والاعتقاد، وأن يعلم أن تسخيره للأسباب التي أقامها الله في طريقه استجابةً لأمر الله وانسجاماً مع نظامه الكوني، شيء آخر.. وأن لاتعارض بين هذا وذاك، بل بينهما كمال الانسجام.

لقد قال الله تعالى: { وَما النَّصْرُ إِلاّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ } { آل عمران: 3/126 } وقال ((أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ ))[الملك:6720]. ولكنه قال أيضاُ: ((وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ  )) [ الأنفال: 860].

 فإذا اتخذ العبد المؤمن بالله الأسباب كلها وسخرها لأعماله ووظائفه كما شرع الله وأمر، فإن عليه أن يعلم أنه إنما يتحرك بقوة الله ويسير إلى أهدافه بعونه وتوفيقه. وقد علَّمنا سيدنا رسول الله هذا الجمع المنسّق بين القاعدة الاعتقادية التي يذكرنا بها ابن عطاء الله، واستخدام الأسباب كلها في السلوك والأنشطة العملية  أثناء هجرته إلى المدينة المنورة.

وأختم شرح هذه الحكمة، للعبرة والدرس، بذكر هذه الحادثة:

زميل جامعي أودى إلى رحمة الله عز وجل، نشر ذات يوم مقالاً بعنوان: (عندما تعرف الأمة العربية أنها سيّد قدرها، تتخلص من التخلف) ، ضمنه كلاماً يناقض هذه الحكمة أو القاعدة التي يقررها ابن عطاء الله بشكل حاد.

كان هذا المقال هو السبب الأول في إخراج كتابي: ((من هو سيّد القدر في حياة الإنسان)) غير أن ردّي النظري عليه لم يكن ذا بال أمام الرّد العملي الذي أتاه من عند الله عز وجل. وأعتقد أن الله لو لم يرد به خيراً لما أسرع إليه بذلك الرد:

كان يمارس وظيفته ذات يوم بُعَيد نشره لذلك المقال، مزدهر العافية متضرج الوجه ممتلىء الصحة، وفجأة غاب عنه ذلك كله ووقع أرضاً!.. حمل إلى المشفى وعولج فيه أياماً دون أن يستبين سبباً لهذا الذي فوجىء به.

رأيته بعد ذلك بأشهر عرضاً ذاوي الوجه، مُنهَك القوى، سلمت عليه بتحية حارة، وسألته عن صحته وحاله، فقال لي: ((فضّلها الله عز وجل، ولطف بي، ولقد أكرمني فوفقني للقيام بعمرة، ولكم شكرته ودعوته هناك)) .

ماذا بقي للإنسان إذن؟

بقي أن يستيقظ إلى هذه الحقيقة التي أفضنا في بيانها وشرحها، قبل أن يصيبه مثل هذا الخبل الذي تعرض له من كان يحلم بأن يكون سيّد قدره، ثم أن يلوذ في كل شؤونه وتصرفاته وأعماله بالله عز وجل، موقناً بأنه وحده السند، وبأن العبد، أياً كان، لا يملك من دونه قوة ولا علماً ولا تدبيراً، ثم ينهض بكل ما قد أمره الله به من واجبات، قائلاً بكل مشاعره وأحاسيسه الإدراكية ((لا حول ولا قوة إلا بالله)) .

 

المصدر: دار الفكر دمشق للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي 


تنويه: يمنع نقل هذا المقال كما هو أو استخدامه في أي مكان آخر تحت طائلة المساءلة القانونية، ويمكن استخدام فقرات أو أجزاء منه بعد الحصول على موافقة رسمية من إدارة النجاح نت.