في هذا الوقت من كل عام يتذكر كل منا الحج إلى بيت الله الحرام, ويتذكر معه ما  لهذا البيت العظيم من حرمة ومهابة وإجلال وقدر على مدى الزمن البعيد والقريب. لكن يطوف بالذهن خلال ما يلقاه الحجاج من مشقة وزحمة وصراع وعراك إذا لزم الأمر, وهم في عبادة وأداء للمناسك من شأنها الخشوع والسكينة والطمأنينة لا العراك والنزال كما نشاهد في الطواف والسعي والجمرات, مما ذهب بكثير من مهابة البيت وحرمته من نفوس الطائفين والعاكفين والركع السجود.

 

لذلك رأيت أن أذكر الإخوة الحجاج إلى بعض واجباتهم, وألفت نظرهم إلى هذا البيت وحرمته وما له ولزواره من حقوق يحجب مراعاتها والحفاظ عليها, وبذلك يوفرون على أنفسهم وعلى غيرهم الكثير من المعاناة والمشاق والصعاب ويكون حجهم مبرورا ً.

فزحمة الحجيج وعراكهم هي المشكلة التي تدور في خلد كل منا عند العزم على أداء هذه العبادة في المواضع الثلاثة الآنفة الذكر.

وحلها في نظري ليس بتوسعة الحرم والمشاعر- وإن كان هذا عملا ً جليلا ً لا ينقص من قدره وأثره – بل يشاد به ويذكر بكل فخر, وجزى الله القائمين عليها وحكومة المملكة العربية السعودية خير جزاء , لكن ليس هو الحل الجذري للمشكلة.

وأرى أنها تكمن في جهل الكثرة الكاثرة من حجاج بيت الله الحرام بأحكام الحج ومناسكه, فهؤلاء  لا يميزون بين ما هو ركن أو واجب أو سنة مندوبة لا يترتب على تركها شيء, بل يترتب عليها حوادث مؤسفة, وهذا يعني أن التوعية الدينية غائبة عنهم, فكم من حاج عاد باطلا ً حجه, أو فاسدا ً, أو عليه دماء واجبة لمخالفاته الكثيرة لمحظورات الإحرام بسبب تقليده وعجزهم عن تعلم الأحكام, وهذا شر على المسلم أن يتلافاه, فلكم حذر كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم المسلمين من التقليد الأعمى, لا سيما في العقائد والعبادات, وأكد علماؤنا قديما ً وحديثا ً جزاهم الله خيرا ً على هذا في المبسوطات من كتبهم حتى قالوا: وكل من بغير علم يعمل أعماله مردودة ولا تقبل.

ولما كان جهل الغالبية العظمى  من الحجيج يسبب تلك المشاكل ثم ينتج عنه من المآسي والأذى ما الله به أعلم , مما يحز في نفس كل مسلم يرى ذلك أو يسمع ويشعر بمرارة شديدة وأسف بالغ على ما وصل إليه حال المسلمين من جهل بأعظم شعيرة من شعائر الإسلام, لذا فإني أتوجه بندائي هذا إلى الأخوة الحجاج أن يضعوا نصب أعينهم النصائح التالية التي أزجيها لهم بدافع من إيماني وحرص وشفقة عليهم, فقد عانيت الكثير من الأذى وأحسست بمرارة لاذعة في أثناء أدائي للمناسك, ولا شك أن ذلك شعور كل من يقوم بها.

وهذه الملاحظات هي :

1 – أن يتعلم الحاج أحكام الحج من أركان وواجبات ومحظورات إحرام وسنن وآداب وهو في وطنه وبلده لم يغادره بعد.

وأن يعرف ما يترتب على فعل أو ترك كل واحد منها, وهذا ممكن وميسور والحمد لله, إذ يوجد العديد من العلماء في كل بلد.

ويتم ذلك إما بحضور الدروس التي تلقى في المساجد بهذه المناسبة في البلاد الإسلامية, أو ما تقوم به أنشطة الإعلام والمراكز الإسلامية في البلاد التي فيها أقلية مسلمة.

وإما أن يكلف مريد الحج نفسه بالسؤال عنها من العلماء, والسؤال عن الأحكام الدينية وقواعده من الأمور الضرورية والواجبة لقوله تعالى : (( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون )) ولا عذر لجاهل بأحكام الإسلام في ديار الإسلام.

2 – أن يطبق الأركان والواجبات ويتقي محظورات الإحرام عند تلبسه بالنسك.

3 – أن يقوم بالسنن ما أمكنه ويتحلى بالآداب الإسلامية, ولا سيما الرحمة بالضعفاء من المسنين والصغار والنساء سواء في طريقه أو في المشاعر, فيعلم الجاهل ويرشد الضال, ويتحمل الضعيف ويقدم لهم كل معونة ممكنة, ويتجنب ويقدم لهم كل معونة ممكنة, ويتجنب إساءتهم وهذا أهم ما في الأمر, فإن عددا ً كبيرا ً من الحجاج يتسببون في وقوع هؤلاء الضعفاء بين تلك الكتل البشرية عن قصد  أو غير قصد, فيكون ضحية همجيتهم وجهلهم في أعمال هي من السنن والمستحبات وليست من الواجبات فضلا ً عن الأركان, ولا يترتب على تركها شيء بينما يترتب على فعل الأذى المحرم كتقبيل الحجر الأسود, وصلاة ركعتين عند مقام إبراهيم بعد الطواف, والهرولة في الأشواط الثلاثة الأول.

فأما تقبيل الحجر الأسود واستلامه فهو سنة بالاتفاق وتنوب عنه الإشارة إليه بباطن اليدين,ثم يقبل كفيه وهي أيضا ً سنة, ثم يهلل ويكبر, فقد أخرج مسلم عن أبي طفيل قال : ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالبيت ويستلم الركن بمحجن ويقبل المحجن ). والمحجن : عصا معوجة الرأس يتناول الراكب بها متاعه ويوجه بها بعيره, فإن غامر وخاض تلك الجموع الهادرة كالسيل الجارف ليقبل الحجر , فهو إما أن يؤذي وإما أ يتأذى لا محالة, وكلاهما حرام, لأن ترك الإيذاء واجب والتقبيل سنة فلا يهمل واجب من اجل سنة.

ولكن  بعض الحجاج لا يشفي غليلهم ولا يروي ظمأهم إلا أن يقبلوا الحجر, وإن كلفهم هذا جهدا ً وسبب إيذاء, ظانين أن مناسكهم ناقصة وحجهم غير تام دون تقبيله, إذ كيف يعود إلى وطنه وهو لم يقبل الحجر..! وماذا سيقول لأهله عند عودته..!؟ ولذلك فهم يظهرون هذه البطولة النادرة لدى عودتهم إلى أوطانهم فترى أحدهم يحدثك عن هذه المغامرة  الشجاعة في معرض التنويه بنفسه.

وشر البلية ما يضحك ...!

وأما ركعتا الطواف فلا يشترط أن تكونا عند المقام بالذات, بل لو صلاهما في أي جزء من الحرم جاز حتى في أروقة الحرم.

فأين هذا الفهم من أولئك الذين يشبكون أيديهم ويعقدون حلقة ليصلي كل منهم في وسطها بالتناوب عند المقام تماما ً..؟

فيعركلون سير الحجيج ويعوقون الطائفين ويسقط الضعيف منهم وسط هذا الخضم المتلاطم من الأمواج البشرية والكتل اللحمية.

ومثلهما الهرولة في الأشواط الثلاثة الأول  وهم يصيحون حج .. حج .. حج .. فلا تملك إلا أن تفسح لهم  الطريق خوفا ً من أذاهم خوفا ً من وحشيتهم, والبيت أمان للخائفين ( ومن دخله كان آمنا ً) وهم يخيفون الآمنين .

4 – عند الجمرات حيث عليهم أن يلتزموا السكينة والهدوء لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يؤدي المناسك في تلك الجموع الحاشدة ... ( أيها الناس اسكينة ... السكينة ..) ليذكرهم ويشعرهم بأنهم في عبادة من شأنها الخشوع والخشية والتواضع والتضرع إلى الله تعالى عسى ربهم أن يتقبل منهم نسكهم ويغفر لهم ذنوبهم .

وأخيرا ً على كل حاج يفد إلى بيت الله الحرام أن يتذكر بأنه يمثل بلده, فهو إن تحلى بآداب الإسلام واقتدى بهدي نبيه العظيم وأخلاقه العالية فإنما يعطي صورة ناصعة عن أهله وبلده وصفحة مشرقة عن دينه وفهمه لإسلامه, ويضرب من نفسه القدوة ليحذو الآخرون حذوه, وبذلك يساهم مساهمة فعالة في تأدية هذه المناسك بانتظام وهدوء وخير عميم, فيؤوب إلى دياره مبرورا ً حجه, مشكورا ً سعيه, قد أفاد واستفاد.

ولعلي بهذا أكون قد شاركت المشرفين على تنظيم مناسك الحج في التخفيف من أعبائهم بقدر المستطاع والله يقول الحق وهو يهدي إلى سواء السبيل والحمد لله رب العالمين .