كتبت في مقال سابق عن خطورة أن تتمّحور المرأة المسلمة سعادتها في إيجاد فارس الأحلام فقط، و ذكرت أن هذه الفكرة التي أصبحت تسيطر على أذهان أغلبية الفتيات في المجتمعات الإسلامية، إنما تسرّبت إليهن واستقرت في وجدانهن عن طريق الفيلم الرومانسي. واليوم أكتب عن ثانية العواقب التي يكرسها الفيلم الرومانسي تلقائيا في نفسيات شبابنا خاصة الإناث، إذ إنهن المعنيات – في المقام الأول – بتلك المقالات.


محتويات المقالة

     

    إن الفيلم الغربي يركّز عادة على أن تكون دواعي نشوء عاطفة الحب بين الرجل والمرأة الانجذاب بالشكل الخارجي، أو الإعجاب بالمواقف التي شكّلها كاتب السيناريو على الورق، وأخرجها المخرج بكاميراته، و التي غالبا تكون استثنائية أو غير واقعية أو حتى حمقاء. إن الغرب حر فيما يختلق لنفسه من مواصفات ودواعي الحب المتبادل بين طرفين، وهو حر أيضا في تقييم هذه المواصفات والدواعي، وتدبر نتائجها على مستوى علاقات الأفراد فيه، ولا ينبغي للمرأة المسلمة أن تخدع بمثل هذه المواصفات و الدواعي.


    إن المرأة المسلمة تخطئ غاية الخطأ في حق نفسها وفى حق مجتمعها وأمتها عندما تستبدل بشعر طويل وعينين زرقاوين وقامة طويلة وشكل مهندم تقوى عمر وفروسية خالد وجرأة ربعى وثبات بلال ورقة عبد الله وإيجابية أبى ذر وصدق كعب.


    إن واقع هذا الشعر الطويل والعينيين الزرقاوين والقامة الطويلة ليس جيدا في مجال رعاية الزوجة واحترامها وعدم إهانتها أو حتى خيانتها، إن صمام الأمان الذي لابد أن تلتفت إليه المرأة المسلمة في اختيارها شريك حياتها، و الذي تضمن به الكرامة والصون من كل سوء يؤذيها و يؤذى مشاعرها هو تقوى الله.. لم ترفض المسلمة شابا تقيا عادى الخلقة يتقدم إليها، وتستبدل به شابا لا حظ له من تقوى الله وليس له رصيد إلا جمال ظاهري؟ إن هذا الثاني لو ثارت مشكلة بينه و بين زوجته، سينتصر لنفسه بغض النظر عما إذا كان الحق معه أو معها، وسيحاول أن يرغم أنفها ولو بالظلم والتعدي على حقوقها، سيستغل إنفاقه عليها ليقهرها ويحطم كرامتها، وكل ذلك مشاهد ومعلوم، عكس الأول الذي تحول تقواه لله وخشيته منه بينه وبين الظلم، وحتى إذا ظلم فإن تقواه لله ستدفعه إلى الندم والاعتذار، وإلى جبر الخاطر بشكل من الأشكال.


    جاء رجل إلى الحسن رضي الله عنه وأرضاه يقول له: إن جماعة خطبوا ابنتي فبمن أزوجها؟ قال رضي الله عنه وأرضاه، زوجها للتقي الذي إذا أحبها أكرمها، وإذا أبغضها لم يظلمها.


    إن المرأة المسلمة تستطيع أن تضمن كل حقوقها، و فوقها فضل كثير، إذا تمسكت في اختيارها برجل تقي كما أنها تستطيع أن تجازف بكل حقوقها،
    وفوقها ظلم كبير، إذا أصرت على أن تتزوج بشاب شبيه فلان أو علان ممن رأت و شاهدت في الفيلم الذي استدرجها وخدعت به.


    ثالث ما تكرسّه الثقافة التجارية في معظم أفلامها الرومانسية.. أنها تجعل من عاطفة الوله والعشق العاطفة التي تنزوي في حضورها كل العواطف والأحاسيس الأخرى، والتي هي في الواقع لا تضمر مثل هذا الضمور ولا تختفي مثل هذا الاختفاء، بل تظل موجودة ومؤثرة حتى في عاطفة الحب نفسها بالإيجاب حينا وبالسلب أحيانا. ما الذي أقصده؟ أقصد أنه يتيّم رجل بامرأة لجمالها ويستشعر عشقه لها، إلا أن الوله وحده ليس بالضرورة كافيا – في وجود مشكلات نفسية معينة – حتى ينجح الزواج بينهما وبضرب المثال يتضح المقال، نفرض أن هذه الحبيبة مصابة مثلا بداء الوسوسة والشك والريبة، أو نفترض أنها عنيدة عنادا مرضيا أو نفترض أنها عصبية لا تبقى ولا تذر، هل كل هذه المشكلات تنزوي وتضمر تداعياتها بشكل لا يؤثر في عاطفة الحب التي حاول الفيلم الرومانسي أن يمررها لنا؟ أنا شخصيا لا أعتقد ذلك، إنما الذي اعتقده أن عاطفة الحب هي معيار ضمن معايير أخرى في غاية الأهمية لتقرير ما إذا كانت هذه العلاقة - ظاهريا – والأمر لله من قبل ومن بعد، قابلة للنجاح أو الفشل.
    المرأة التي تخدع بما أسرها به الفيلم, ولا تضع الأمور في نصابها تحكم على نفسها بالتعاسة وعلى زواجها بالفشل وعلى أبنائها بالتنشئة النفسية غير السوية.


    إن التوافق النفسي مهم جدا، التكافؤ مهم جدا واعتدال المزاج وعدم جنوحه مهمان جدا للاستقرار والحياة الناجحة.. كل هذه الأمور لابد أن توضع في الميزان مع غيرها متى يتم الاختيار والقبول بجانب الحب والميل القلبي، أما أن يكون ميزان الاختيار فارغا من كل شيء إلا من الحب فهذا مما لا تحمد عقباه ومما يلزم مراجعة المرأة المسلمة المعاصرة لنفسها فيه مرارا وتكرارا إذا أرادت أن تنأى بنفسها عن مشكلات من العيار الثقيل، إن رجلا جاء إلى سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه يستفتيه في طلاق زوجته، فلما سأله سيدنا عمر عن السبب صرح له بأنه لا يحبها، فماذا فعل الفاروق رضي الله عنه؟ هل وافقه على منطقه أو جامله؟ وقال له: تفضل معك حق، كيف تعيش معها بلا حب؟ إنما رده و أعلمه أن الميثاق الغليظ – وهو الزواج – ليس بالضرورة أن يكون على الوله، إنما يقوم على الرعاية والسكينة. إن الإسلام حقيقة لا يصادر المشاعر، ولا يكبتها، في الوقت نفسه لا يسمح بالتضخم الخيالي الذي يوصل إلى المصحات النفسية.


    رابع ما أحب أن نناقشه هو عملية عزل عاطفة الوله التي يدور حولها الفيلم عن واقع الحياة المعيشية وعدم تتبع ما ستؤول إليه هذه العاطفة باحتكاكها بالتفاصيل الحياتية، وضغوط الواقع واختلاف الرؤى بين طرفين يعيشان معا.


    ربما يكون لصانع الفيلم و المشاهد وجهة نظر محترمة، وهي أن أي عمل ليس بالضرورة أن يحيط بشمولية كل الجوانب المتعلقة به فيناقشها، ويلقى عليها الضوء، ويتتبع تطورها، ويرصد تداعياتها ، وأنا أتفق معهما فيما ذهبا إليه شريطة ألا تكون كل الأفلام التي تمطرنا بها الفضائيات، وتعج بها دور العرض تقوم بهذا العزل الذي ذكرت.. لما؟ لأن استدامة النظر إلى أي شيء من زاوية واحدة محددة لا تتغير من شأنها أن تحجب بقية هذا الشيء وتصوره بشكل مختزل خادع وهذا هو الذي يتم.


    إن المرأة المسلمة التي سيطرت عليها الرؤية غير الواقعية، والمثالية الحالمة، ستصدم بالواقع الذي فيه حب ومعاناة، اتفاق واختلاف، قرب وبعد، وهذه الصدمة ستؤثر في نفسيتها بقدر طراوتها، ونحن نحب لنسائنا أن يكن واقعيات، متماسكات عندهن القدرة على معايشة الواقع وتشكيله وليس مجرد الهروب أو الشكوى منه.


    إننا نريد الفتاة المسلمة المستعلية بدينها، التي لا ترتضى عن تعاليمه بديلا، المستعلية بثقتها بالله وبما شرع استعلاء صاحب الحق الأبلج، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، إننا نريد المرأة الفخورة بقرآنها وسنة نبيها صلى الله عليه و سلم، المرأة الداعية إلى ما هي عليه من حق، وليس المرأة المخدوعة بما عليه غيرها.


    ختاما لا أقول لكل امرأة مسلمة إلا ما قاله الله تعالى لنا ولها: "فاستمسك بالذي أوحى إليك، إنك على صراط مستقيم وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون".

     

    كتبه الأستاذ عمرو خالد في مجلة المرأة اليوم بتاريخ:30/3/2004


    تنويه: يمنع نقل هذا المقال كما هو أو استخدامه في أي مكان آخر تحت طائلة المساءلة القانونية، ويمكن استخدام فقرات أو أجزاء منه بعد الحصول على موافقة رسمية من إدارة النجاح نت.