من منا لم يتعرض في حياته إلى قراءة عدد من أفكاره أو سلوكياته قراءة غير عقلانية ؟ بل غالبا ما نلجأ  إلى " التفسير المريح " لمواقفنا ، وأراها" آلية دفاعية" تمدنا بالشعور بالأمان ، لكن إيجابيات هذه الآلية النفسية أقل بكثير من سلبياتها لأنها تجعلنا نبتعد عن التفكير العقلاني كما تبعدنا عن مواجهة النفس و التأمل في الذات ...لذلك من الأفضل لكل من يهفو إلى التعرف على شخصيته وتطوير ذاته أن يتعلم كيف يفكر في مواقفه وسلوكياته التفكير الصحيح .

كيف تلجأ هذه المرأة العجوز إلى " التفسير المريح "؟

 

اشتهر بيتها بإعداد أفضل كوب عصير طازج، كنت في الشارع المجاور لها، فعزمت على زيارتها للاطمئنان عليها… لا.. ليس الاطمئنان فقط.. لا أنكر رغبتي في تناول عصيرها اللذيذ.
طرقت الباب وقد خفضت بصري لأسفل… فُتح الباب… وإذا بي أمام قدم فيل خشيت أن يخطو للأمام!!
- لا يا بني… أنا أعلم ما أعاني منه… إنها حالة بسيطة، وهذا الانتفاخ في قدمي سببه أنني أكلت اليوم بعض البقوليات واللحوم. لا تقلق سيكون كل شيء على ما يرام. لا داعي للذهاب إلى الطبيب.. أشكرك على اهتمامك.
- هل أنت متأكدة أن هذا الانتفاخ بسبب البقوليات واللحوم؟
لم تعر السؤال اهتماماً، وأيقنتُ أنها تخمن سبب الانتفاخ، فالذهاب إلى الطبيب بالنسبة للعجوز يعني كشف المستور.. كانت تهاب إجراء أية أشعة أو فحوصات دورية خشية اكتشاف أمراض.. كانت تميل إلى التفسير المريح.. إلى إرجاع كل ألم أو انتفاخ إلى البقوليات واللحوم. وربما أكلت من تلك الأصناف متعمدة لتزيد التفسير إحكاماً، ولتُمَكِّن راحة البال منها، فهي الآن تعرف علة مرضها.
 واللجوء إلى التفسير المريح قد يكون سببه الخوف من المجهول، فالعجوز تخشى اكتشاف مرض عضال، و قد يكون السبب هو خداع الأيديولوجيا حين يتوهم معتنقوها أنها وحدها تمنح التفسيرات الحق، أو يكون السبب هو تبرير الاستمرار في سلوك بعينه، أو الشعور بالعجز أمام توابع واستحقاقات أي تفسير جديد، فقد أدان “كونت” المجهر في القرن التاسع عشر، لأنه هدم الصورة البسيطة لقوانين الغازات، لقد أقض المجهر مضاجع العلماء ونال من التفسير المريح.
عندما ألححت على العجوز كي تذهب لاكتشاف الأسباب الحقيقية بدت منزعجة، قطبت جبينها، وحملت عصاها متوعدة، فهي تضيق بكل من يخرجها من العالم الافتراضي الذي خلقته لنفسها.
 أتاها ضيف ونحن جلوس.. نظر – بعد أن جلس- إلى قدمها، قال لها: “لا تقلقي يا “حاجَّة”، البقوليات واللحوم تفعل أكثر من ذلك”..
انفرجت أساريرها… نظَرَت إليَّ بازدراء… سَأَلَتْ الضيف: “ماذا تحب أن تشرب يا “أمير”… بالتأكيد تريد العصير.. هاهاها؟”… ولم تلتفت إلي رغم مكوثي معها ما يزيد على النصف ساعة… عرفت أنها تقرب منها الناس المريحين الذين يرددون ما تود سماعه. فهي لا تستطيع أن تعيش بلا تفسير، لكنها تريد علة تشعرها بالأمان، فغياب التفسير كابوس فظيع، والمهم أن تعثر على أية علة، وكل تفسير صادم تقاومه بقسوة طاردة إياه بلا رجعة. وبالفعل خرجت ولم أعُد، دون أن أتناول حتى كوباً من الماء بعد أن جف حلقي!!
كانت الأعداد تتوافد لزيارة العجوز، وكان مقابل الحصول على مشروب من العصير الشهي هو التأكيد على تلك العلة المنتقاة، وإدانة البقوليات واللحوم، ليستمر خداع الذات بعد انتقاء ذلك التفسير المريح، ثم ترديده كثيراً وتكثيفه في الذهن وترويجه في الوسط المحيط حتى يصبح نظاماً مهيمناً على التفكير، يقصي أي تفسير آخر. ثم يتحمس المرء للتعامل مع هذه العلة، فيضع خططاً ويؤسس مشاريع. فيضيع العمر والجهد، حيث يحيا المرء على الوهم ويتحرك من أجله. مؤسساً “مشاريع افتراضية” تعالج العَدَم، إنها افتراضية وإن بدت شامخة لأنها لا تعيش في عالمنا، فهي تسبح في العالم المريح، وتحتفل بانتصارات مريحة، بعد أن حشدت أفواجاً مريحة، هزت السماء بهتافها المريح “فلنقاتل اللحوم”، بعد أن شربت العصير المريح.
لم أغير موقفي، ولم أركب الموجة معلناً الحرب على البقوليات واللحوم، لأنني أؤمن إننا عندما ننال من التفسير المريح ندفع بأنفسنا دفعاً نحو اكتشاف العلل الأخرى، عندما ننال من التفسير المريح كمنهج تفكير فإننا نعلن بجرأة طي صفحة من تاريخ السذاجة والعبث والهزائم، واقتحام مرحلة الوعي والجد والانتصارات.
 لا أنكر أنني افتقدت العصير اللذيذ، لكنني تيقنت بعد أسبوع أن التفسير المريح يهب طمأنينة مؤقتة لا تلبث أن تفر أمام طغيان الأسباب الحقيقية. فقد ماتت العجوز!!

http://www.4nahda.com/portal/node/69