في كثير من الأحيان يتردد الخاطب أو المخطوبة في الخطبة بسبب سلوك سلبي في الطرف الآخر وربما أحيانا يوافق على الخطبة بحجة (التغيير) في المستقبل فهل هذا التصور صحيح؟ وهل تتحقق أمنية كل خاطب بتغيير الآخر؟


محتويات المقالة

    هذا ما نريد أن نناقشه من خلال هذا الموضوع:


    الأصل الأول: أن مبدأ (لاحقاً يتغير) مبدأ مرفوض من حيث الأصل إلا أن يتفق عليه في فترة الخطوبة.

     

    والأصل الثاني: أن لا يخطب الرجل أو الفتاة إلا من تكون مسائل التغيير عنده من قسم (الثانويات) كأن يكون الشخص ثرثار أو غير اجتماعي, وليس (الرئيسيات) كتارك للصلاة أو شارب للخمور أو أن تكون الفتاة غير محجبة......الخ.

     

    ولكن نحن نفترض هنا احتمالين:

     

    الأول: أن يتفق الإثنان علي أمر وقت الخطبة ثم يتغير أحدهما سلبا أو إيجابا كأن يكون الطرفان ملتزمان بالدين ثم بعد فترة يفسد أحدهما، أو العكس يكون الطرفان غير ملتزمان بالدين ثم بعد فترة يلتزم أحدهما دون الطرف الآخر.

     

    الثاني: أن يكون أحدهما غير ملتزم بالدين ابتداءً والطرف الثاني يعلم ذلك، ولكن لفرط الحب بينهما وعدم قدرة القلب على منع التعلق، يقول الآن أخطب وعندي القدرة لاحقاً على التغيير.

    والاحتمال الثاني هو الأكثر شيوعاً ولعل مثاله من العهد النبوي ما رواه ابن عباس (أن رجلا قال يا رسول الله: إن تحتي المرأة لا ترد يد لامس قال: طلقها، قال إني لا أصبر عنها، قال: استمتع بها) النسائي (3411).

     

    ونحن نفترض في هذا النموذج السؤال: كيف أستطيع أن أغيِّر الطرف الثاني؟

    وابتداءً نقول إن أي تغيير إذا لم يكن من الداخل فهو خداع، قال الله تعالى: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)

     

    والتغيير هو: التحول من واقع معين إلى آخر منشود في فترة معينة، كما أن التغييرله أكثر من مفهوم، فقد يكون المراد منه:

     

    1-     التنمية والتطوير.

    2-     الإصلاح.

    3-     التجديد.

    4-     التبديل.

     

    ولا بد من تحديد موضوع التغيير حتى لا يصبح الخطاب لا معنى له... الطرف الثاني لا يتغير.. الطرف الثاني لا يتغير.... الطرف الثاني لا يتغير..... ونحن نقول لمن يردد هذه العبارات ما هو الموضوع الذي تريد تغييره؟

     

    حدده وتعلم معنا كيف تغيّر

     

    إذا لم تكن قادرا على تحديد مجال التغيير نساعدك بأن مجالات التغيير قد تكون:

    1-     في المبادىء والقيم.

    2-     في السلوك والتعامل مع الآخرين.

    3-     في الميول والرغبات.

    4-     في الفكر والثقافة.

    5-     في الأخلاق.

    6-     وأخيرا التغيير الاجتماعي.

     

    وقبل أن نكمل نسأل التغيير سهل أم صعب؟ التغيير عملية أم نتيجة؟، حاجة أم رغبة؟، منحة أم محنة؟

     

    وحتى نبدأ بالخطوات العملية للتغيير نقدم لذلك بالقول:

     

    1-     كلما كانت العوامل المؤيدة للتغيير أكبر دل ذلك على زيادة فرص النجاح والتقليل من رفضها.

    2-     من الصعب تغيير العادات والقيم المكتسبة للأفراد و(ليس مستحيلا).

    3-     للحب بين الطرفين دور أساسي في إحداث التغيير.

     

    وهل تعلم إن أسرع وسيلة للتغيير هو الحب!

     

    ولذلك دخل الطفيل بن عمرو الدوسي في الإسلام فأتت إليه زوجته لتقترب منه فمنعها وقال: إليك عني فلست منك ولست مني.

    قالت ولم؟! بأبي أنت وأمي, فقال: فرق بيني وبينك الإسلام, فقد أسلمت, وتابعت دين محمد صلى الله عليه وسلم، قالت: أنا منك وأنت مني, وديني دينك فأسلمت. سير أعلام النبلاء (جـــ1ص248-250), الإصابة (جــــ2ص225).
    ومثال آخر وهو توفي زوج الرميصاء بنت ملحان المكناة (أم سُليم)

    وبعد انتهاء عدتها, تقدم لخطبتها (يزيد بن سهل) المكنى أبو طلحة, ولكنها رفضته.......لماذا؟

    أعتقد هو أنها تريد الذهب والفضة.

    فسألها: هل تريدين الأصفر والأبيض؟

    فقالت: بل إني أشهدك يا أبا طلحة, وأشهد الله ورسوله انك إن أسلمت رضيت بك زوجا من غير ذهب وفضة, وجعلت إسلامك إليَّ مهراً.

    قال: من لي بالإسلام؟ قالت: أنا لك به. فقال: كيف؟

    قالت: تنطق بكلمة الحق, فتشهد أن لا إله إلا الله, وأن محمداً رسول الله, ثم تمضي إلى بيتك فتحطم صنمك ثم ترمي به.

    فانطلقت أسارير أبي طلحة.......

    وقال: أشهد أن لا إله إلا الله, وأن محمداً رسول الله.

    الإصابة (جـــ1ص566), الطبقات الكبرى (جـــ3ص504)

    نعم الحب يغير من الكفر إلى الإيمان، والتغيير الذي يكون مدخله الحب هو تغيير دائم، أما التغيير الذي يكون مدخله الترهيب والترغيب فهو مؤقت، فإذا أردت أن تحكم على التغيير بالإعدام فاجعله قسريا من غير اقناع ولا اقتناع.

     

    والسؤال الآن: كيف يكون التغيير أسرع بين الخاطبين؟

     

    1-     يتفاعل الخاطبين مع التغيير ويزداد قبولهم له كلما اتيحت لهم فرصة أكبر للمناقشة والحوار.

    2-     لسان الحال أبلغ من لسان المقال ، وصوت الفعل أقوى وأعذب من صوت القول ، ففرص نجاح التغيير بين الخاطبين بالممارسة والتطبيق أكثر من الكلام والخطب.

    3-     تجزئة السلوك كلما كانت التغييرات قليلة الحجم كلما أمكن قبولها بمعدل أسرع ، وهنا نلمس عظمة الإسلام في تغيير عادات الناس بتجزئة الأحكام في التشريع ، وإنزال التكاليف منجّمة متفرقة وليس جملة واحدة - دفعة واحدة- كل هذا لترسيخ مبدأ تجزأة السلوك مع الطرف الآخر، لأن تناول الدواء دفعة واحدة لن يشفي من الداء بقدر أخذه على جرعات وفق الوصفة الطبية.

    4-     التدرج في التغيير وهو متعلق بالمبدأ السابق، ومعناه البدأ بالأهم ثم المهم ثم الأقل أهمية وهكذا فلا نطالب بالنوافل والفرائض ضائعة.

    5-     المرونة، لا تغيير من غير مرونة، لذا حذار من سياسة (إما ....وإلا....) أي إما أن تقبل العملية التغييرية بالكامل وإلا فلا تغيير.

    6-     الجهل بالشيء سبب لمعاداته، لذا فالتعليم والتدريب على التغيير المراد اتخاذه سبب لقبوله والتآلف معه.

    7-     العملية التغييرية هي عملية سلوكية تحتاج إلى التعرف على سلوكيات ونفسيات وطبائع من سيقع عليه التغيير،- فهم نفسية الرجل،فهم نفسية المرأة- (تابع دورة فهم النفسيات في البيوت السعيدة).

    8-     تفهم الأسباب التي من أجلها يرفض الطرف الآخر التغيير، لأن هذا مدخل مهم لإزالة هذا الرفض، ومن ثم لنجاح العملية التغييرية.

    9-     آخر الدواء الكي، وربما تحتاج إلى قوله تعالى (واضربوهن) وإلى قول القائل (إنما العاجز من لا يستبد)، فهناك قسم من الناس يرفضون التغيير، وأفضل أسلوب للتعامل مع هؤلاء هو عدم الالتفات إليهم، كما أن الزمان كفيل في تغييرهم.

    10-ومن هذا النوع ما ورد عن عائشة قالت: (جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال تقبلون الصبيان؟! فما نقبلهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم أوأملك لك أن نزع الله من قلبك الرحمة) البخاري (5539).

    11-الاستعانة بالله، والتوكل عليه، فإن الذي يصمم على التغيير سينجح بإذن الله تعالى، وهو سلاح المؤمن الذي لا يستغني عنه.

     

    لذا أود أن أختم بقصة تحت عنوان: (ماذا فعلت عندما تغير زوجها؟)

     

    يأتي يوم يستلم فيه أشج بني أمية الخلافة، لقد استيقظ الفكر، والقلب، وأحيا في نفسه المراقبة لله عزوجل، محطما طوق الكبرياء ومبتدءاً حياته الجديدة برد المظالم أولاً بالأسرة الحاكمة.

    نعم لقد عرفتموه إنه عمر بن عبد العزيز، هاهو يناقش زوجته فاطمة بنت عبد الملك، يناقشها بالواقع الجديد والحياة الجديدة، فقال لها: (يا فاطمة قد نزل بي هذا الأمر، وحملت أثقل حمل، وسأُسأل عن القاصي والداني من أمة محمد، ولن تدع هذه المهمة فضلة في نفسي، ولا من وقتي أقوم بها بحقك علي، ولم تبق لي إربا في النساء، وأنا لا أريد فراقك، ولا أؤثر في الدنيا احداً عليك، ولكني لا أريد ظلمك، وأخشى ألا تصبري على ما اخترته لنفسي من ألوان العيش، فإن شئت سيَّرتك إلى دار أبيك.

    قالت: وما أنت صانع؟

    قال: إن هذه الأموال التي تحت أيدينا، وتحت أيدي إخوانك وأقربائك قد أُخذت كلها من أموال المسلمين، وقد عزمت على نزعها منهم، وردها إلى المسلمين، وأنا بادىء بنفسي، ولن أستبقي إلا قطعة أرض لي، اشتريتها من كسبي، وسأعيش منها وحدها، فإن كنت لا تصبرين على الضيق بعد السعة فالحقي بدار أبيك.
    قالت: وما الذي حملك على هذا؟

    قال: يا فاطمة إن لي نفساً تواقة، وما نالت شيئاً إلا اشتهت ما هو خير منه، اشتهيت الإمارة فنلتها، فلما نلتها اشتهيت الخلافة، فلما نلتها اشتهيت ما هو خير منها وهو الجنة!

    قالت: اصنع ما تراه، فأنا معك، وما كنت لأصحبك في النعيم وأدعك في الضيق، وأنا راضية بما ترضى به.
    فأعتق الإماء والعبيد، وسرح الخدم، وترك القصر، وردَّ ما كان له إلى بيت المال، وسكن داراً صغيرة شمالي المسجد، حتى أصبح كواحد من الناس في ملبسه وسكنه وتواضعه ومأكله ومشربه.

    لم يكن لفاطمة من النعيم إلا جواهرها.

    فقال لها: يا فاطمة قد علمت أن هذه الجواهر قد أخذها أبوك من أموال المسلمين وأهداها إليك، إني أكره أن تكون معي في بيتي، فاختاري أن ترديها إلى بيت المال، أو تأذني لي بفراقك.

    قالت: بل اختارك والله عليها وعلى أضعافها لو كانت لي.

    وعندما توفي عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - بكت عليه زوجته أشد البكاء حتى غشي بصرها، فدخل عليها أخواها مسلمة وهشام، وعرضا عليها ما شاءت من الأموال. ولكنها قالت: والله ما أبكي على مال، ولا نعمة، ولكني رأيت منه منظراً ذكرته الآن فبكيت.

    قالا: ما هو؟

    قالت: رأيته ذات ليلة قائما يصلي، فقرأ (يوم يكون الناس كالفراش المبثوث*وتكون الجبال كالعهن المنفوش) فشهق من البكاء حتى ظننت أن نفسه قد خرجت. قصص من التاريخ / علي الطنطاوي (بتصرف).


    هذان النوران هما الزوجان الحبيبان عمر بن عبد العزيز وفاطمة بنت عبد الملك -رضي الله عنهما- كانا شعاعين في الدنيا ونسأل الله تعالى أن يكمل سعادتهما في الجنة، إن شاء الله تعالى.


    لا أستطيع أن أعلق على هذا النموذج من التغيير بالحوار والحب لأني كتبتها والعبرة قد خنقتني، ولكني أعلق على الأسئلة السابقة.

    أظن بعد قراءة المقال أصبح الجواب عندكم ولكن نقول لمن لم يهتد:

    التغيير سهل من الجانب النظري وصعب من الجانب التطبيقي لأنه يحتاج إلى مهارات كثيرة، كما أنه يحتاج إلى تشخيص دقيق للواقع، ولكنه غير مستحيل، كما أنه ضروري ويستطيع الخاطبين عند تعلم فنونه في تحقيق النجاح.

    والتغيير هو عملية ونتيجة في آن واحد، ويخطىء كثير من الخاطبين عندما ينظرون إلى النتيجة ولا ينظرون إلى العملية التغييرية.

    والتغيير حاجة ورغبة في آن واحد أو بعبارة أخرى أدق هو رغبة تعكس حاجة.

    والتغيير منحة وليس محنة، وإن بدا للوهلة الأولى بأنه محنة فإن عاقبته في النهاية منح كثيرة.

    ولمعرفة تفاصيل أكثر تابعوا دورات البيوت السعيدة. وليس كل ما يتمناه المرء يدركه، ودعاء الله تبارك وتعالى يحقق المعجزات.

     

    براء زهير العبيدي بإشراف أ. جاسم المطوع

     

     

    موقع الأسرة السعيدة

     

     


    تنويه: يمنع نقل هذا المقال كما هو أو استخدامه في أي مكان آخر تحت طائلة المساءلة القانونية، ويمكن استخدام فقرات أو أجزاء منه بعد الحصول على موافقة رسمية من إدارة النجاح نت.