أراد فردريك المصلح الروسي أن يصل بأمته إلى أوج العظمة فوجد أن أقرب الوسائل لذلك إصلاح التربية بإصلاح أهم وسائلها وهى المدارس، فأصدر قوانينه والتي تجعل من العملية التعليمية نفسها منهجاً تربويـاً، يتربي عليه الفرد ليكون ابناً للدولة والوطن والأمـة.

 

ونحن اليوم كأمة تريد أن تتربع على عرش الخيرية والعظمة، فقبل العرش هناك خطوات مهمه يجب أن نقوم بهـا ألا وهى: إعداد المنهج وتطبيقه والصبر عليـه، وهكذا ربى محمد صلى الله عليه وسلم أصحابه بالمنهج النبوي ثم صبر عليه حتى تحولوا من رعاة الغنم إلى رعاة الأمم، إن هذا الأمر في غاية الصعوبة وليس بالأمر الهين ولا بديل لنا عنه. إن التربية في حياة الأمم تعني الحياة! وإن الأمة التي لا تضع لنفسها خطوطاً حمراء في قانونها التربوي تعتبر أمة فاشلة مهزومه، وما ينطبق على الأمة كما هو معروف ينطبق على الأسـرة، فأي أسرة تعيش اليوم في هذا الواقع وليس لها خطوط حمراء تقف عندها وتحاسب أفرادها إذا تجاوزوها تعتبر أسرة فاشلة وكذلك الفـرد الذي لا قانون له في الحياة.

 

إن التربية هى الاستثمار الحقيقي لأي أمـة وهى الوقاية والحصن المنيع لكثير من الأمراض الفكرية والعضوية، وما أبعد نظر ذلك الطبيب الذى ترك الطب واشتغل بأمور التربية ومعالجة مسائلها، فلما سئل عن ذلك كان جوابه:

    (وجدت بالاستقراء الدقيق أن معظم أسباب العلل الإنسانية الجسمية والنفسية يرجع إلى نقص فى التربية فآثرت أن استأصل الداء من جذوره باستئصال سببه الأول على أن أقضى الوقت فى علاج ما ينجم عن هذا السبب - والوقاية خير من العلاج - ولا أشك أنى بذلك أقوم بخدمة أعظم للإنسانية بقدر ما بين طب الأمم وطب الأفراد).

 

ونحن عندما نتكلم عن التربية فإننا نختلف بهذا المفهوم عن غيرنا فنحن نقصد بالتربية تربية الروح والجسـد (إن لبدنك عليك حقا)، تربية الغرائز وتهذيب الشهوات (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجـاء)، تربية الـذوق (سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك)، تربية الانتماء للوطن والدين (والله إنك لأحب أرض الله إلي ولولا أن أهلك أخرجوني ما خرجت)، باختصار التربية التي تجعل من الإنسان صالحاً في نفسه ومصلحاً لغـيره.

 

أعزائي القراء: كما ترون أن المسئولية الملقاة على عاتق المربين عظيمة وجسيمة إذ أن على أيديهم تتشكل الأمة وترسم حياتها المستقبليــة.