لقد نشأ مفهوم التأمين و تطور في العقود الأخيرة بشكل موازي للتطور الصناعي و التقني الذي شهده العالم كونه يشكل وسيلة لنقل الخطر من الزبون إلى شركة التأمين ممايحفز على المضي قدما في تطوير المشاريع الإستثمارية و الهندسية و العقارية كون جانب كبير من المخاطر التي يتضمنها هذا التطوير قد تم إنتقاله نسبيا إلى حامل الخطر الجديد و هو شركة التأمين.

لكن للأسف مازالت صناعة و ثقافة التأمين في منطقتنا العربية في بداية عهدها و تعتبر من المفاهيم الجديدة في حياتنا و التأمين بأبسط تعاريفه هو العمل على إعادة الزبون إلى الحالة التي كان عليها قبل الحادث - ذلك دون الدخول في حيثيات و تفاصيل العقد- و تعمل على تعويضه دون وصول المتضرر إلى حالة أفضل من التي كان عليها قبل الحادث التي تؤدي ربما إلى زيادة ما يسمى بمؤثر الخطر المعنوي و بالتالي يزيد إهماله و عدم إنتباهه للأخطار المحيطة به نتيجة ذلك بل و ربما يخلق عنده دافع لإفتعال حادث يوصله تعويضه إلى حالة أفضل من التي كان عليها و بالتالي تصبح وسيلة للكسب غير المشروع.

إن آلية عمل التأمين كصناعة فاعلة لا يمكن أن تتم بالشكل المطلوب من دون رفدها بعناصر خبراء في علوم أخرى لتعطي النتيجة الأمثل و لعل من أهم العلوم الأساسية الشديدة الصلة بالتأمين هي علوم الصحة و السلامة المهنية و العلوم الهندسية و العلوم الطبية بالإضافة طبعا للعلوم الإحصائية و الإكتوارية التي هي تعتبر من أهم الاسس الفنية التي يتم من خلالها تحديد أسعار التأمين.

بالنسبة لعلوم الصحة و السلامة المهنية فإنها تحتل المركز الأكثر أهمية في إتمام عمليات التأمين بالشكل المطلوب و تجنيب تعرض شركات التأمين لخسائر كبيرة و يأتي ذلك من خلال الإعتماد على خبراء السلامة بالقيام بالكشف على المنشآت أو المعدات أو البضائع قبل التأمين عليها و تزويد شركات التأمين بتقارير مفصلة حول الأخطار المحتملة الممكن أن يتعرض لها موضوع التأمين بالإضافة إلى توصيات و تدابير من شأنها تقليل إحتمالية حصول حوادث  و تقوم شركة التأمين بدورها بنقل هذه التوصيات إلى المؤسسة أو الشركة طالبة التأمين لتقوم بتنفيذها قبل إعطاء الغطاء التأميني كما و توضع هذه التوصيات كإشتراطات في الوثيقة المصدرة و لأهمية هذا النوع من العلوم وصلته المباشرة بإدارة المخاطر التي تعتبر جوهر عمل التأمين فإن أغلب شركات التأمين تقوم بتدريب كادرها على مبادئ و أسس السلامة المهنية لتستفيد منهم بشكل أمثل في عملهم اليومي حيث تقوم بتكليفهم بالكشف على الأخطار الصغيرة أما بالنسبة للأخطار الكبيرة فلابد من متخصصين لدراسة كافة مؤثرات الخطر المادية و المعنوية المؤثرة بموضوع الخطر.

أما بالنسبة للعلوم الهندسية فإن المشاريع و المعدات الهندسية التي يتم التأمين عليها من قبل شركة التأمين لا يمكن تقدير الأضرار الحاصلة فيها عند حصول حادث دون الرجوع إلى مهندس خبير مختص بهذا الموضوع لتحديد سبب الضرر بغية التأكد من أنه يقع تحت مظلة شروط الوثيقة و كمرحلة ثانية تحديد كمية الضرر من خلال الرجوع إلى المواصفات و المخططات و جداول الكميات بهدف الوصول للتعويض العادل و هذا ما تقوم به شركات التأمين حقيقة من خلال تعيين مهندسيين داخليين للكشف على مثل هذه الحوادث أو الإستعانة بمكاتب تقدير أضرار غالبا ما يكونون مهندسين من مختلف الإختصاصات، و حتى أننا نلاحظ وجود العديد من المهندسين بمختلف الإختصاصات في شركات إعادة التأمين العالمية بغية متابعة كل مايتعلق بهذه الحوادث مع شركات التأمين المتعامل معها.

و بالنسبة للمجال الطبي فإن تطور تأمينات الحياة و التأمين الطبي قد أقحم الأطباء بهذا المجال نظرا لأن أي شخص يريد طلب هذا النوع من التأمين لابد من أن يقدم لشركة التأمين تقريرا مفصلا عن حالته الصحية و بالتالي لابد من وجود شخص في شركة التأمين قادر على قراءة و فهم هذا التقرير و بالتالي تقييم حالة الشخص المؤمن هذا بالنسبة للإجراء قبل التأمين أما بعد التأمين فيكون الأمر أكثر إلحاحا حيث أن طبيعة مطالبات و حوادث هذا النوع من التأمين تتطلب رأي طبيب لتقدير ما إذا كان هذا المرض أو المعالجة تقع ضمن مجال التغطية التأمينية أم لا.

أما بالنسبة للعلوم الإحصائية و الإكتوارية فهي تعتبر الأساس الفني في وضع أسعار التأمين حيث تتم دراسة إحتمالية حدوث أي خطر ووضع السعر المناسب على أساسه فبفرض وجود ألف منزل في منطقة لا يتعرض أكثر من منزلين منهم لحرائق بشكل سنوي عادة يكون سعر تأمين الحريق الأساسي إثنان بالألف و تقوم شركة التأمين بإضافة نسبة إضافية لتغطية مصاريفها و أرباحها، يمكن أن نعتبر هذا المثال أبسط نموذج لوضوع أسعار التأمين بناء على العلوم الإحصائية و الإكتوارية و الشيء نفسه يحصل في تقدير أسعار تأمين الحياة من خلال دراسة عدد الوفيات في شريحة عمرية معينة و قد ساهم تطور هذه العلوم و برمجتها على الحاسب الآلي بتسهيل الحصول على نتائج دقيقة لشركة التأمين و توفير الوقت و الجهد.

و لاتقل العلوم البحرية في أهميتها عن باقي أنواع العلوم من حيث تداخلها في تأمين البضائع و السفن مما حذا بالكثير ممن كانوا يعملون كقبطان سفينة للعمل في تقاعدهم في مجال التأمين البحري ليرفدو مجال التأمين بخبرتهم التي أخذوها خلال عقود من السنين، و بالتالي فإن كل نوع تأمين يعتمد بشكل أساسي على نوع العلم المتعلق به فلا يمكن تأمين المحاصيل الزراعية دون إستشارة مهندسين زراعيين أو تأمين آبار بترول دون الرجوع إلى أخصائيين في هذا المجال.

و كنتيجة فإن التأمين ليس بالعلم المستقل المغلق على نفسه بل يتقاطع مع كافة العلوم و المهن بشكل كبير و قوة شركات التأمين تنبع من إعتمادها على الكوادر المتخصصة في هذه المجالات بغية الوصول للنتيجة الأفضل عند التأمين ووقت حصول الحوادث.