Top
مدة القراءة: 4 دقيقة

البرمجة العصبية والعلاقة الزوجية

البرمجة العصبية والعلاقة الزوجية
مشاركة 
12 يوليو 2009

البرمجة العصبية والعلاقة الزوجية

 

كتب الاستاذ عبد الرحمن الفيفي :

من أجلّ ما نستفيده من البرمجة اللغوية العصبية فهم الناس وتحقيق الألفة والإنسجام معهم ، وبناء العلاقات الجيدة والروابط المتينة التي نراعي فيها خصوصية كل واحد منهم . ولا شك أن من أهم العلاقات التي يمكن للبرمجة العصبية أن تنميها وتقويها العلاقات الزوجية ، فنحن نرى في واقعنا كثيرا من الأسر التي تنهدم أو توشك لأسباب نراها مستعصية جدا ، و هي في حقيقتها أسباب يسيرة ، تكمن في اختلاف الأنماط الشخصية التي تؤدي إلى لون من عدم الألفة وانعدام التفاهم ، ولو عرف كل طرف حقيقة الطرف الآخر ، وأدرك محركات سلوكة ، وتفسيرات مواقفه لعذره كثيرا أو سعى لمساعدته ، بهدف الوصول لحالة جيدة من التعايش والتعامل .
وسأبين هنا ــ باختصار ــ بعض أهم ما نستفيده من البرمجة اللغوية العصبية في ميدان العلاقات الزوجية .



إن مما نتعلمه في البرمجة اللغوية العصبية الكيفية التي يتم بها رصد الإنسان لحقائق العالم الخارجي المادية والمعنوية بواسطة منافذ الإدراك لديه ( الحواس ) ، و الكيفية التي يتشكل بها الفهم ، والعوائق التي تحول دون الفهم التام والتصور الكامل للأمور ، و التفاعل التلقائي بين ما يستقر في الذهن من تصورات وما يعتمل في النفس من خلجات المشاعر المختلفة ، وكيف تتم ترجمة ذلك كله إلى رد فعل إيجابي أو سلبي .


ونخلص من ذلك إلى حقيقة أن الصورة الذهنية لحقائق العالم الخارجي تختلف من شخص لآخر ، وهي عند الجميع غير مطابقة تماما لما في الواقع ، بسبب ضعف حواسنا وقصور إدراكنا . وأن الإنسان إذا تكون في ذهنه انطباع معين تجاه أمر أو شخص ما ، أثر عليه هذا الانطباع أكثر من تأثير الحقيقة ذاتها ، وانعكس هذا على سلوكه تجاهه ، وهذا حق لا ينكره إلا جاهل ، ولذلك أمرنا بالتثبت و التبين .
والتثبت هو التواضع في تقدير الانطباعات الأولية ، وعدم الاستسلام للظن الذي لا يغني من الحق شيئا ، والتدقيق في استجلاء الأمور بأدلتها وبراهينها ، لئلا نصيب قوما بجهالة .


إن من أعظم المشكلات الزوجية ( التسرع ـ الشك ـ الغيرة السلبية ـ إساءة الفهم ـ اتهام المقاصد ) وكلها ذات صلة بالتصورات الشخصية والانطباعات الأولية التي ربما كانت أبعد ما تكون عن الحقيقة .


إن البرمجة العصبية تعلمنا طرقا واستراتيجيات للتدقيق والتأكد ، وتوقفنا على أساليب استقراء المعلومات المشاهدة و المنطوقة ، من دلالات سيماء الملامح ( لغة الجسد في : الهيأة والنظرة واللمحة والإشارة ) ومن دلالات لحن القول ( لفظا وأسلوبا ونبرة صوت ) ، وذلك من مواقع الإدراك المختلفة ، لنتجرد من ظنوننا وانطباعاتنا ، ونقف على الحقائق المعوماتية التي تجعلنا أقرب إلى الحقيقة ، وتجعل أحكامنا وقراراتنا فرعا عن تصورات دقيقة .


إن هذه الجزئية وحدها كافية لتجنيب أسرنا كثيرا من الخلافات التي تعصف بها ، وهي كفيلة ــ لو أتقنت على المستوى الاجتماعي الواسع ــ بخفض معدلات الطلاق التي تُنبِئنا عنا الإحصائيات المخيفة .

ومما نتعلمه في البرمجة اللغوية العصبية تصنيف الناس إلى أنماط باعتبارات مختلفة لكل منهم استراتيجية خاصة في التفاعل و الاستجابة للمؤثرات الداخلية و الخارجية و بالتالي يمكن أن نعي منبع تصرفات الناس و نعرف أقرب الطرق لتحقيق الألفة معهم وكسبهم و التأثير الإيجابي فيهم .


إن اختلاف نمطي الشخصية بين الرجل والمرأة ليس هو المشكلة بل قد يكون مطلبا للتكامل أحيانا ، ولكن المشكلة الكبرى تكمن في جهلهما بهذا الاختلاف ، واعتقاد أحدهما بأن الآخر مثله أو ينبغي أن يكون مثله ، في القناعات والرغبات وطرق التفكير والتفضيلات وغير ذلك .


إحدى العلاقات الزوجية التي انتهت بالطلاق كانت شكوى الزوج فيها أن امرأته لم تكن تقدره ولا تحترمه إذ لم تعبر يوما عن حبها له ولم تعبر يوما عن شكرها لمعروف منه ، وأن غاية همها جلوسها أمام مرآتها وتصفيف شعرها ، وأنها تطالبه بكل ما تقع عليه عينها مما يطيق ومما لا يطيق ، فلم تدع مجلة للأزياء أو للديكور أو للأثاث إلا اقتنتها وطالبت بنصف محتواها وتحسرت لفقد النصف الباقي ، وأنها لم تر شيئا في بيت امرأة أخرى مما ليس عندها إلا علقت بمثله نفسها ، دون مراعاة لأحواله المادية المحدودة ، حتى ساءت بينهما العشرة وانعدم التفاهم وآثرا الطلاق .


فيما كانت شكوى المرأة منه أنه عديم الإحساس بها لم يقدر جمالها ولم يشعرها بإعجابه بها وبقيمتها لديه ، وأنها رغم كلامه المعسول و وعوده البراقة لم تر منه شيئا ، فلا تذكر أنه قدم لها هدية تشعرها بتقديره لها ، كما أنه فلسفي منطقي يحاسبها على كل كلمة ويتأول كل نبرة صوت ويحمل كلامها مالا يحتمل ، كما أنه لا يهتم بشكله ولا مظهره معها ، وغاية همه اتصالاته الهاتفية التي لا تنقطع حتى في أوقات الراحة ، والتي تشك أن بعضها اتصالات نسائية .
إن خلاصة هذه المشكلة بينهما أن الرجل ( سمعي ) وأن المرأة ( صورية ) وأنهما لم يفهما هذا الاختلاف ، ولو فهماه لعرف كل منهما منبع سلوكيات صاحبه وعذره فيها ، وتعامل معه بالاستراتيجية التي تناسبه ، ولدامت بينهما المودة و الرحمة ، و لكن قدر الله وما شاء فعل وسبق السيف العذل .


إن مثل هذه القصة كثير و كثير جدا ، والبرمجة اللغوية العصبية تعلمنا أن الناس ليسوا سواءً وإن كنا نظنهم كذلك ، بل هم أنماط وأنماط ، و لكل نمط منهم مؤشرات خاصة نستدل بها عليه ، و استراتيجية خاصة نتعامل بها معه .

ومما نتعلمه في البرمجة اللغوية العصبية قوانين الافتراضات والتوقعات كيف نعززها وكيف نصدقها و كيف تؤثر علينا ، وكيف نتعامل معها سواء كانت إيجابية أو سلبية . ولعل أهم المشكلات في بدايات الحياة الزوجية تتعلق بقوانين الافتراضات والتوقع ، إذ كثيرا ما يبني الزوجان أو أحدهما افتراضات وتوقعات مبالغة في المثالية تتعلق بصاحبه أو بالحياة الزوجية أو بالبيت والمتطلبات المادية ، ثم يصدم بأن الواقع أقل من ذلك ، فيستمسك بتوقعاته المسبقة وتبدأ رحلة المطالبة والاستياء ، أو يستسلم استلام المحبط على غير رضىً ، وقد ينتهي الأمر في الحالتين إلى الانفصال .


إن قاعدة ( TOTE ) تعلمنا أن الرضى عن النتيجة لا يتم إلا في حالتين :


إذا كانت النتيجة مطابقة للمحفز ( التوقع الأولي ) ، أو إذا عدلنا المحفز ليوافق النتيجة .
وهذه القاعدة تعلمنا كيف نتكيف مع النتيجة ( الأمر الواقع ) تكيفا إيجابيا مادام لا يمكن تطابقها مع المحفز ( التوقع الأولي ) .. إن المشكلة تكمن في عدم إمكانية تحقيق التوقعات وعدم التكيف مع الأمر الواقع .


في قصة عرفتها وتدخلت لمساعدة أصحابها ، كان الرجل قد وقع بصره على فتاة فائقة الجمال لا يمكنه الظفر بها فتعلق بها فكره وشعوره تعلقا يائسا ، وجعل من جمالها مقياسا على كل أنثى ، فلما تزوج من أخرى بدأ يطلب في مظهرها وهيأتها مثل الذي فتن به عند الأولى ، ولكن لا هذه جاءت مطابقة لتلك ولا هو تخلى عن تلك الصورة الباقية في خياله ، وزاد الأمر سوءا حينما علمت الزوجة أنه يقارنها بأخرى ويفضلها عليها ، وساءت بينهما العشرة وأوشكت على الانهيار ، ولكن الله سلم والحمد لله .
ومن رحمة الله بنا أن فرض على نسائنا الحجاب وفرض علينا و عليهن غض البصر .



ومما نتعلمه في البرمجة اللغوية العصبية طرق تحقيق الألفة وتعميقها في أربعة مستويات متدرجة ، تصل إلى الود العميق والانسجام التام مع الطرف الآخر ، ولا شك أن هذا مطلب مهم في الحياة الزوجية ، وهو عنصر جوهري يعطي الحياة الزوجية عذوبتها و جمالها ، ويضمن بإذن الله بقاءها واستقرارها .

ومما نتعلمه أيضا في البرمجة العصبية استراتيجيات متعددة للتعامل مع المشكلات ، تحليلا وتوصيفا وعلاجا ، ووسائل مساعدة للتفكير تعينه في التركيز على المشكلة والتركيز على الحل والتخطيط له وتوليد الأفكار وإيجاد البدائل ، ثم التهيئة وإحداث التغيير وتثبيته وقيادته للمستقبل وتحييد المقاومة الداخلية و الخارجية ، مع حساب الآثار والعواقب وقياس المصالح والمفاسد في كل ذلك .
ولا شك أن هذه الأساليب ذات جدوى كبيرة وأثرا إيجابيا سريعا في حل المشكلات التي تعتري الحياة الزوجية ، خاصة و أننا كثيرا ما نقود الشخص بهذه الأساليب ليحل مشكلته بنفسه ، فيظفر بمكسبين في وقت واحد : حلّ المشكلة الحالية ، وتعلم المهارة التي تفيده مستقبلا .

هذه عجالة مختصرة حول أهم ما نستفيده من هذا العلم العظيم في ميدان العلاقة الزوجية خاصة ، تلك الرابطة التي يقوم على صلاحها واستقرارها خير عظيم يتعدى ركني العلاقة إلى الأسرة والأبناء والمجتمع ، وهي دعوة للأزواج لتعلم هذا العلم وغيره من العلوم التي تساعد كلا منهم على فهم الطرف الآخر والتعامل معه

 


تنويه: يمنع نقل هذا المقال كما هو أو استخدامه في أي مكان آخر تحت طائلة المساءلة القانونية، ويمكن استخدام فقرات أو أجزاء منه بعد الحصول على موافقة رسمية من إدارة النجاح نت.



ساعدنا في تطوير عملنا وقيّم هذه المقالة


تعليقات الموقع