تتنوع طرق ظهور الاعتقادات الطبية الخاطئة، كما تتنوع وسائل انتشارها وترسيخ الإيمان بها بين الناس. وتتعقد المشكلة حين استخدام وسائل إعلامية في ذلك. وتزداد تعقيداً حينما تكون تلك الوسيلة الإعلامية مرئية ومتحركة. ويبلغ التعقيد مداه لمّا يكون المروج، لتلك الفكرة الطبية الخاطئة، سلوكيات صادرة عن شخصية محببة. ولا شيء يُنازع شخصية أبطال الأفلام الكارتونية في هذا الجانب. وصديقنا البحّار "بوباي"، طيب الذكر، أحد الأمثلة على التسبب في نشر فكرة صحية خاطئة حول السبانخ والحديد.


محتويات المقالة

     

    ولكي تتضح لنا الصورة، دعونا نراجع الحكاية من أولها. تقول القصة أنه في عام 1870 نشر أحد العلماء الألمان، الدكتور فان وولف، نتائج أبحاثه حول تحليل مكونات أوراق السبانخ. ومما ذكره في تقريره العلمي أن تلك الأوراق الطازجة غنية بالحديد.

    وتحديداً قال إن كمية الحديد في السبانخ تبلغ عشرة أضعاف ما هو موجود في الخضار الورقية الأخرى. ولأن فكرة المعادن وعلاقتها الوثيقة بالصحة كانت في بدايتها ذلك الوقت، ولأن ترسيخ نظرية أن أساس كثير من الأمراض هو نقص عناصر غذائية معينة، تبنى أطباء ذلك الزمان فرضية أن تناول السبانخ وسيلة لرفع مستوى الصحة، واكتساب قوة بدنية تشبه الحديد في صلابته.

    وحينما ظهرت شخصية "بوباي" الكارتونية في عام 1929، تبنى إيلزي سيغار، مخترع تلك الشخصية، سيناريو تناول "بوباي" لمحتويات علبة من السبانخ ضمن مشاهد حل المشاكل التي تواجها تلك الشخصية الكارتونية في صراعاتها مع الأشرار. وأظهرت تلك الأفلام أن البحار، الهزيل والضعيف، يتحول إلى فتى مكتنز بالعضلات البارزة، بمجرد التهامه للسبانخ.

    ومن ثم ترسخ في أذهان كثير من الناس، وخاصة الأطفال منهم، أن تناول السبانخ يُعطي قوة حديدية، بل إن السبانخ هو أفضل ما يُمكن اللجوء إلى تناوله للحصول على الحديد. والإشكالية ليتها اقتصرت على عامة الناس، لكنها انتشرت بين الأطباء، وحتى اليوم نجد منْ ينصح مرضى فقر الدم، بالحصول على الحديد عبر تناول السبانخ.

    وبعد ظهور شخصية "بوباي" الكارتونية بحوالي ثماني سنوات، بدأ العلماء، والألمان منهم على وجه الخصوص، مراجعة الموضوع للتأكد من مدى حقيقته. وفي عام 1937 صدرت نتائج علمية لهم مفادها أن الأمر ليس صحيحاً من جهة كمية ما تحتويه أوراق السبانخ من الحديد. وقالوا إن الكمية هي حوالي 10% فقط من الذي كان يُعتقد.

    إلا أن الشخصية الكارتونية استمرت في نشر تلك الفكرة الخاطئة لعشرات السنين بعد ذلك، ولم يستطع العلماء مقارعة الفكرة تلك بالرغم من أن الحجة والبرهان والدليل والدامغ بأيديهم! ثم في منتصف التسعينيات الماضية، أضافت البحوث الطبية، في مضمار علاقة حديد الغذاء بقدرات الأمعاء على امتصاصه، معلومة أخرى مهمة جداً.

    وكان مُلخصها أن الأمعاء يصعب عليها امتصاص نوعية الحديد المتوفر في السبانخ. ولذا فإن كمية الحديد التي تدخل جسم الإنسان عقب تناول السبانخ لا تتجاوز 5% فقط من كل الحديد الموجود بالأصل في تلك الأوراق الخضراء.

    ومع هذه الأدلة العلمية كلها، لا يزال "بوباي" يُمتعنا باستفادته الحديدية من السبانخ! وما تشير إليه المصادر الطبية أن 100 غرام من السبانخ المطبوخة، تحتوي على 3,6 ملغم من الحديد، أي ما بين 30% إلى 20% من الحاجة اليومية للرجال وللنساء، على الترتيب.

    وخطأ اللجوء الأولي للسبانخ دون غيره من المنتجات الغذائية للحصول على الحديد سببه أمران:

     الأول: أن حديد السبانخ، وبقية المنتجات النباتية، مختلف عن الحديد الموجود في المنتجات الحيوانية، كاللحم، وأعضاء كالكبد والكلى، والحليب ومشتقات الألبان. والأمعاء لديها القدرة على امتصاص حوالي 35% من حديد هيموغلوبين المنتجات الحيوانية، بينما تتدنى قدرتها في امتصاص حديد النباتات إلى حد 10%.

    والثاني: أن ثمة منتجات غذائية تحتوي كميات عالية من الحديد بالمقارنة مع السبانخ. وعلى سبيل المثال، كبد الدجاج يحتوي على أربعة أضعاف ما هو في السبانخ من حديد، وبهيئة أسهل امتصاصاً على الأمعاء. والفستق به ثلاثة أضعاف ما بالسبانخ من حديد. والعدس والفاصوليا والمشمش تحتوي على ضعف كمية حديد السبانخ.

    وهناك جانب ثالث قلما يتم الالتفات إليه، وهو أن قدرة الأمعاء على امتصاص حديد الطعام تتأثر سلباً وإيجاباً بعوامل غذائية أخرى. فمثلاً، وجود فيتامين سي، المتوفر في الفلفل الحار والبقدونس والجوافة والبرتقال، يرفع من كمية الحديد التي تمتصها الأمعاء.

    وكذلك تفعل بروتينات اللحوم. أما مواد مثل أوكساليت، المتوفرة في السبانخ والبقول والخضار الورقية الأخرى، ومواد تانيين، الموجودة في الشاي، والكالسيوم، ومواد فايتيت، الموجودة في الحبوب والبقول، ومواد بروتينية نباتية أخرى، فكلها تُقلل من قدرة الأمعاء على امتصاص الحديد.

    وهذا كله لا يعني مطلقاً أن السبانخ أحد الخضار غير المفيدة، لكن المقصود هو أن البحث عن الحديد في تناول السبانخ غير مُجد بالمقارنة مع مصادر أغنى وأفضل. 

     

    موقع الأسرة السعيدة


    تنويه: يمنع نقل هذا المقال كما هو أو استخدامه في أي مكان آخر تحت طائلة المساءلة القانونية، ويمكن استخدام فقرات أو أجزاء منه بعد الحصول على موافقة رسمية من إدارة النجاح نت.