Top


مدة القراءة:2دقيقة

الانتحار في الاسلام: لماذا تم تحريمه واعتباره من الكبائر؟

الانتحار في الاسلام: لماذا تم تحريمه واعتباره من الكبائر؟
مشاركة 
الرابط المختصر

تزايدت حالات الانتحار في العالم وفي منطقتنا العربية بشكلٍ خاص، وبحسب ما ورد في تقرير منظمة الصحّة العالمية لعام 2016 أنّ السودان تحتل المرتبة الأولى في نسبة الانتحار تليها جزر القمر، الصومال، المغرب، قطر، اليمن، الإمارات، موريتانيا، تونس، الأردن، الجزائر، ليبيا، مصر، العراق، عمان، لبنان، سوريا، السعودية.




وقد تأّثرت وتباينت وجهات النظر حول الانتحار بالموضوعات الوجوديّة العامّة مثل الدين والشرف ومعنى الحياة، لكن لا تزال الدول الإسلامية تعتبر الانتحار جريمة جنائيّة، في حين لم تعد معظم الدول الغربية تعتبره جريمة.

وسنتحدّث اليوم عن حكم تحريم الانتحار واعتباره من الكبائر في الشريعة الإسلامية وبعض أحكام المنتحر والتفكير بالانتحار لذلك تابعوا معنا المقال التالي:

تعريف الانتحار:

الانتحار لغةً: مصدر للفعل انتَحَرَ، وهو إصابةُ الإنسان نفْسه لقصدِ إفنائها، ويُقال: الانتحار هو الإجهاز على النفس بأي طريق كان.

وهو من النحر الذي هو أعلى الصدر، وعُبّر به للغالب، إذ غالباً ما يكون قتل النفس من النحر والصدر لإسراع الإهلاك. وبالرجوع إلى المعاجم المعاصرة نجد أنَّ الانتحار عندهم مأخوذٌٌ من قولهم: "انتحر الرجل أي: قتل نفسه (بوسيلةٍ ما).

الانتحار اصطلاحاً: كل فعلٍ يقوم به شخصٌ مُعيّن يؤدّي به إلى قتل نفسه وإزهاق روحه، أو هو قتل الإنسان نفسه، أو إتلاف عضو من أعضائه، أو إفساده أو إضعافه بأي شكل من الأشكال، كأن: يشنق الشخص نفسه، أو تناوُله السم، أو تناوُل جُرعة كبيرة من المخدرات، أو إلقاء نفسه من مكان ما، وذلك لأسباب تجعله يعتقد بأنَّ موته هو الحل الوحيد وأنَّه أفضل من حياته.

حكم الانتحار في الاسلام:

الأصل أنَّ قتل النفس حرام، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: 29، 30].

وقال تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة﴾ [البقرة: 195].

والمنتحر بقتله لنفسه فاسق وباغٍ عليها، فعن جندب بن عبدالله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كان فيمن كان قبلكم رجل به جرح، فجزِع، فأخذ سكينًا فحزَّ بها يده، فما رقَأ الدم حتّى مات، قال الله تعالى: بادَرني عبدي بنفسه، حرَّمت عليه الجنة)، رواه البخاري ومسلم.

فالتحريم هو الأصل في حُكم الانتحار واعتباره كبيرة من الكبائر، وقد تمََّ الإجماع من قِبَل العلماء على ذلك، بدليل ثبوت ذلك في كتاب الله عزّ وجل، وفي السنة النبويّة الشريفة.

وقد ذهب البعض بالقول: "هو أشد إثماً من قاتل غيره".

أمّا دليل الكتاب قوله تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) الإسراء/33، فحياة الإنسان هي ملك لله تعالى وليس لصاحبها، وليس للإنسان إذن في التصرف فيها مهما بلغت به الظروف، فإذا استعجل إزهاقها فقد أساء وخالف وعصى واستحق العقوبة. 

وقال تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) النساء/29. 

فقتل النفس خطيئة كبيرة لأنّ صاحبها يأس من رحمة الله سبحانه وتعالى، فالمؤمن الحقيقي هو الذي يتوجّه بالدعاء والصلاة طالباً العون والرحمة من الله سبحانه وتعالى.

والدليل من السنة عدَّة أحاديث وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم:

عن أبي هريرة رضي الله عنه: أنَّ النبي صلّى الله عليه وسلم قال:(مَنَ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ شَرِبَ سَمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا) متفق عليه.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلّى الله عليه وسلم:(الذي يخنق نفسه، يخنقها في النار، والذي يطعنها، يطعنها في النار)، رواه البخاري.

وبذلك فإنَّ النبي صلّى الله عليه وسلم قد بيّن سوء عاقبة الانتحار وبيّن أنَّ المُنتَحِر كما انتحر في الدنيا سينتحر في نار جهنم بنفس الأداة التي انتحر بها، وبنفس الطريقة.

كما بَّين أنّه مهما كانت وسيلة الانتحار فهو محرَّم سواء أكانت الوسيلة إطلاق الرصاص، أو شرب السمّ، أو إحراق النفس، أو الغرق في الماء، أو الإضراب عن الطعام حتّى الموت، وفي الحياة الآخرة مصير المُنتَحِر نار جهنّم.

كما وَرَدَ في السنة عن ثابت بن الضحاك رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (من حلَف بِغيرِ مِلَّةِ الْإِسلَامِ فَهو كَما قَالَ، ومن قتلَ نفْسه بِشيءٍ عذِّب بِهِ فِي نارِ جهنم، ولَعن الْمؤمِنِ كَقَتلِهِ، ومن رمى مؤمِنا بِكُفْرٍ فَهو كَقَتلِهِ). وبذلك فإنَّ النبي عليه الصلاة والسلام قد توعَّد لقاتل نفسه بالعذاب في نار جهنّم، ولا يُعذَّب الشخص إلّا لما فيه معصية، والمعصية محرَّم إتيانها، فدلَّ ذلك على أنَّ قتل الإنسان لنفسه معصية يُحرَّم إتيانها. 

وممَّا يدل على اعتبار الانتحار جريمة بشعة وعن عظمة جرم من يرتكبها و ذنبه، ويفزع منه قلب كل مؤمن أنَّ رسول الله قد رفض أن يصلّي على قاتل نفسه. وفي ذلك روى أبو داود عن جابِر بن سمرةَ قَالَ مرِض رجلٌ فَصِيح علَيه، فَجاءَ جاره إِلَى رسولِ اللَّهِ فَقَالَ لَه: إِنه قَد مات، قَالَ: (وما يدرِيك؟) قَالَ: أَنا رأَيته، قَالَ رسولُ اللَّهِ: (إِنه لَم يمت). قَالَ: فَرجع، فَصِيح علَيهِ، فَجاءَ إِلَى رسولِ اللَّهِ فَقَالَ: إِنه قَد مات، فَقَالَ النبِي: (إِنه لَم يمتْ). فَرجع فَصِيح علَيهِ، فَقَالَت امرأَته: انطَلِق إِلَى رسولِ اللَّهِ فَأَخبِره، فَقَالَ الرجلُ: (اللَّهم الْعنه). قَالَ: ثُم انطَلَق الرجلُ فَرآه قَد نحر نفْسه بِمِشقَصٍ معه، فَانطَلَق إِلَى النبِي فَأَخبره أَنّه قَد مات، فَقَالَ: (وما يدرِيك؟) قَالَ: رأَيته ينحر نفْسه بِمشاقِص معه، قَالَ: (أَنت رأَيته؟) قَالَ: نعم، قَالَ: (إِذًا لَا أُصلِّي علَيهِ).

إقرأ أيضاً: 6 نصائح فعّالة للتخلص من فكرة الانتحار

حكم المنتحر في الاسلام:

اختلف الفقهاء في هذه المسألة:

1- فقد ذهب الجمهور وأهل السنة: إلى اعتباره فاسق بفعله، مرتكب لكبيرة من الكبائر، وهو غير مُخلَّد في النار. وقد استدلَّ الجمهور بالنصوص الصحيحة الماضية، وحمّلوا الأحاديث التي يوحي ظاهرها بأنّه مُخلَّد على عدَّة محامل أهمّها: 

  • على أنَّه المستعجل للموت بالانتحار وإزهاق روحه.
  • أو أنَّ الحديث وَرَدَ مورد الردع والزجر والتغليظ .
  • أو أنَّ الُمرَاد بالخلود هو المكث الطويل.
  • وقالوا: إنَّ مُرتكب الكبيرة فاسق، غير مُخلَّد في النار.

ولعلَّ أقوى وأصح ما استندوا إليه هو الحديث الصحيح التالي: (قال جابر بن عبد الله رضي الله عنه: لَما هاجر إلى الْمدِينةِ ، هاجر إِلَيهِ الطُّفَيلُ بن عمرٍو، وهاجر معه رجلٌ من قَومِه، فَاجتووا الْمدِينةَ، فَمرِض، فَجزِع، فَأَخذَ مشاقِص لَه، فَقَطَع بِها براجِمه، فَشخبت يداه حتّى مات، فَرآه الطُّفَيل بن عمرٍو فِي منامِهِ، فَرآه وهيئَته حسنةٌ، ورآه مغطِّياً يديهِ ، فَقَال لَه: ما صنع بِك ربك؟ فَقَالَ: غَفَر لِي بِهِجرتِي إِلَى نبِيهِ صلَّى اللَّه علَيهِ وسلَّم، فَقَالَ: ما لِي أَراك مغطِّيا يديك؟ قَالَ: قِيلَ لِي: لَن نصلِح مِنك ما أَفْسدت، فَقَصها الطُّفَيلُ علَى رسولِ اللَّهِ، فَقَالَ رسولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم: "اللَّهمَّ و لِيديهِ فَاغْفِر"))، رواه مسلم في صحيحه. فقاتل نفسه إذاً ليس خارجاً من الملّة، بل هو فاسق بفعله، مُقتَرِف لكبيرة من الكبائر، وهو تحت مشيئة الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبّه. 

2- ذهب المعتزلة والخوارج إلى اعتباره كافر، مُخلَّد في النار. وقد استدلُّوا بذلك بظاهر النصوص التي تُفيد تخليد المُنتَحِر في النار، ولعلَّهم تأوَّلوا ما جاء بخلافها أنَّ الاستثناء في ذلك لِمَن تاب قبل خروجه من الدنيا.

والراجح - والله أعلم - هو ما ذهب إليه الجمهور، لقوّة أدلَّتهم، وقوَّة الأصول العامّة المقرّرة في ذلك.

حكم التفكير بالانتحار:

لا تُعاقب الشريعة على مجرّد التفكير ولا العزم، لقوله صلّى الله عليه وسلم: (إِنَّ اللَّـه تجاوز عن أُمتِي ما حدثَت بِهِ أَنفُسها ما لَم تعملْ أَو تتكَلَّم).

وبذلك فإنَّ الحديث يدل بشكلٍ واضح أنّ الإنسان لا يُعَاقَب على مجرَّد التفكير والعزم وفقاً للشريعة الإسلامية. أمَّا إذا خرج العزم إلى حيِّز التنفيذ، ولو لم يكن الفعل من مكوِّنات الجريمة، فيُعتَبَر ذلك جريمة مُستقلَّة يُعَاقَب عليها.

قال النبي صلّى الله عليه وسلم: (إِذَا الْتقَى الْمسلِمانِ بِسيفَيهِما فَالْقَاتِلُ والْمقْتولُ فِـي النارِ، فَقال الراوي: فقلت: يا رسولَ اللَّهِ هذَا الْقَاتِلُ فَما بالُ الْمقْتولِ؟ قَالَ: إِنّه كَانَ حرِيصاً علَى قَتلِ صاحِبِه)، وهذا الحديث يدل أيضاً على أنَّ المقتول أيضاً في النار، وهو مجني عليه، لأنّه كان يَسْتَل سيفاً ويرفعه في وجه الآخر، وهذه جريمة مُعاقَب عليها استقلالاً، وما دام لم ينل جزاءه في الدنيا باستعجال الآخر له، فإنَّه تترتَّب على فعله ذلك العقوبة الأخرويّة. 

إقرأ أيضاً: نصائح هامة تبعدك عن التفكير في الانتحار

وأخيراً فإنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قد حذَّرنا من تمنّي الموت، قال صلى الله عليه وسلم: (لاَ يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ مِنْ ضُرٍّ أَصَابَهُ، فَإِنْ كَانَ لاَ بُدَّ فَاعِلاً فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي)، رواه البخاري. وفي حال فكَّر المسلم بالانتحار يجب أن يستغفر الله ويُكثِر من الصلاة والطاعات ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم. فالانتحار مُحرَّم في الدين الإسلامي وإذا فكَّرتَ به فأنت تُفكِّر بفعل كبيرة من الكبائر المنهي عنها، ولقد وَعَدَ الله المُنتَحِرين العذاب بنار جهنّم خالدين فيها. 

لذا احرص عزيزي على التقرّب من الله وأكثر من الدعاء والاستغفار عندما تتعرَّض للصعاب، وتذكَّر تحلَّى دائماً بالأمل ولا تقنط من رحمة الله ما حييت.


تنويه: يمنع نقل هذا المقال كما هو أو استخدامه في أي مكان آخر تحت طائلة المساءلة القانونية، ويمكن استخدام فقرات أو أجزاء منه بعد الحصول على موافقة رسمية من إدارة النجاح نت.

المقالات المرتبطة بــ:الانتحار في الاسلام: لماذا تم تحريمه واعتباره من الكبائر؟






تعليقات الموقع