بعد أن غاب عنها رفيق العمر وخطفه طائر الموت.. عرفت الأرملة طريق العيادات النفسية، تبحث فيها عن بادرة أمل تنتشلها من دوامة الحزن واليأس التي وقعت في حبائلها، وتسأل عن الطريق للخروج من حالتها التي جدت عليها، فما هي أكثر الشكاوى التي يتلقاها الطبيب النفسي من الأرامل؟ وهل فعلا تجد الأرملة عنده الوصفة السحرية التي تعيدها إلى سابق عهدها، وتخرجها من نفق اشتدت عليها ظلمته حتى أوصلتها إلى أعتاب عيادته النفسية؟


محتويات المقالة

     

    الخوف من الجميع

    يقول الدكتور محمد المهدي، عضو مجلس إدارة الجمعية الإسلامية العالمية للطب النفسي: تواجه الأرملة العديد من المشكلات التي تدفع بها نحو عديد من الأمراض النفسية، من أشهرها القلق والاضطراب الدائمان، وهذه الأمراض من أهم أسبابها التوابع الأولية لوفاة الزوج، وهي مواجهة الحياة بدون سند، فبعد أن كانت الزوجة تعتمد على زوجها في العديد من الأمور التي هي أصلا من واجبات الرجل، تجد نفسها مسئولة عن تأدية دورها ودوره معا، ودوره يمثل بالنسبة لها صعوبة بالغة بلا شك؛ فقد قل الدخل المادي للأسرة، وانهارت منظومة تربوية كان الأب طرفا رئيسيا في إدارتها، ووجدت مشكلات مع هيئات إدارية حكومية مختلفة، كل هذا يؤدي بالأرملة إلى القلق والاضطراب، فضلا عن ضغوط مختلفة من أهل الزوج فيما يخص الميراث والأبناء، وربما رغبة أحد أقرباء الزوج في الزواج من الأرملة، ثم يظهر هم آخر يتمثل في ضغط المجتمع على الأرملة، فكل شيء حولها يأمرها أن تقلل من تحركاتها واحتكاكاتها بالناس، وأن تظل في بيتها حتى لا يساء بها الظن، فتعيش الأرملة -على أثر ذلك- مأساة مغلفة بالخوف من الجميع.

    أما إحساس الأرملة بالافتقار إلى شريك العمر فيؤكد د. "المهدي" أنه من أشد وأقسى المشكلات التي تواجهها الأرملة، وهو ما يؤدي -بدوره- إلى حيرة المرأة وصراعها مع فكرة الزواج مرة ثانية، وهذه المشكلة على وجه التحديد هي ما تؤدي إلى مرض نفسي آخر وهو الاكتئاب بكافة درجاته.

     

    فوبيا ثلاثية

    أما الدكتور أحمد عبد الله -مدرس مساعد الطب النفسي بجامعة الزقازيق، وخبير مشكلات الشباب والأسرة بالعديد من المواقع- فيرى أن الأرملة تعاني أيضا من فقدان للثقة في جميع من حولها؛ فالدولة في الوطن العربي قد تخلت عن الأرملة بالتجاهل والنسيان، وأهملت دورها الذي هو واجب عليها، والمجتمع قد أساء الظن بها، وسعى إلى تحجيمها، والعائلة تفرقت إما بالهجرة الداخلية أو الخارجية، ومن تبقى منها يلح عليها لتتزوج أو يتآمر بعض أفرادها على الميراث والوصاية على الأولاد، ومنهم من يحاول أن يدس أنفه رغما عنها في كل روافد حياتها دون مساعدة فعلية.

    كل ذلك يؤدي بالأرملة إلى حالة من الرهاب والفوبيا تجاه هذه المؤسسات الثلاث: الدولة، والمجتمع، والعائلة، وهذا ما يؤدي إلى الشعور بالوحدة والعزلة عن الناس، وهو ما يجر خلفه أمراضا نفسية عديدة، على رأسها حالة من الاكتئاب يولدها الكبت النفسي.

    وعلى مستوى أعداد الزائرات من الأرامل فيرى " د.أحمد "أننا لم نصل بعد للدرجة التي نحصي معها أعداد فئات معينة من الحالات، وربما يكون ذلك وجها من وجوه التقصير تجاه هذه الشريحة من النساء، ولكنه يرى أن الأرملة تحظى بنسبة لافتة في عيادات الأطباء النفسيين.

     

    الخليجية أكثر قوة

    وينحو بنا د. "ماضي فواز" -طبيب نفسي كويتي- منحى آخر في القضية، فيقول: إن الأرملة في الكويت ومعظم دول الخليج تزور العيادة النفسية شاكية الكثير من الأزمات، لكنه سجل في ملاحظاته أن الأرملة الخليجية لديها من الإمكانات النفسية ما يجعلها تصر على التحدي والاستمرار في مشوار حياتها، موضحا أن الرغد المادي في هذه البلاد له أثر شديد في سرعة تجاوز الأرملة لأزماتها النفسية عنها في باقي أقطار الوطن العربي.

    ويؤكد الطبيب النفسي أنه من خلال دراساته ثبت له أن المرأة في الكويت هي أسرع المتخطيات لأزمة الأرامل في الوطن العربي؛ حيث سرعان ما تبث فيها روح إصرار لافتة للانتباه وكأنها دخلت مع الأحداث في صراع فأصرت على أن تحسمه لصالحها، فنجدها سرعان ما تحتفظ بحزنها بداخلها لتنخرط في شئون أولادها أو عملها أو شئونها الخاصة، وهو ما يعكس قوة نفسية لدى المرأة الخليجية بشكل عام والأرملة على وجه الخصوص.

    ويعود د. فواز ويؤكد أن من أكثر الأمور تأثيرا على نفسية الأرملة الأم لأبناء ذكور هو ضغط أبنائها عليها ومراقبتهم لها، وتحولهم من موضع المتلقين للنصح إلى الناصحين، وأحيانا ناصحين عنفاء.

     

    شكاوى مشتركة

    أما الدكتور يسري عبد المحسن -أستاذ الطب النفسي بجامعة القاهرة- فيقول: إن عيادته ترددت عليها 20 حالة للأرامل، ولكنه يؤكد أن أضعافا مضاعفة لهذا العدد يصعب عليهن زيارة العيادة؛ بسبب الفقر، أو ربما للانطباعات السيئة المأخوذة عن عيادة الطبيب النفسي، فضلا عن تباين مستويات الوعي العلمي بين الأرامل.

    ويرى د. يسري أن الأرامل في عيادته تجمعهن شكاوى مشتركة، لكن هناك اختلاف واضح بين حالة كل منهن؛ فصغيرة السن التي ترملت بعد زواجها بوقت قصير تختلف عن تلك التي قضت زمنا مع زوجها وأنجبت منه أبناء وعمرت معه بيتا يحمل ذكرياتهما على مدار أعوام، وكذلك طبيعة العلاقة بين الأرملة وزوجها تتحكم بنسبة كبيرة في الحالة النفسية للأرملة، مؤكدا أن حيرة الأرملة الصغيرة أشد وأقوى من حيرة الأرملة كبيرة السن أو الأم، لكن الأم مسئوليتها أشد.

    وعلى رأس شكاوى الأرملة الصغيرة السن يأتي الافتقار إلى الشريك على شتى المستويات، وعلى رأسها المستوى العاطفي، ولذا يرى د.يسري أن المرأة تظل -ولآخر يوم في عمرها- في حاجة إلى وجود رجل بعيدا عن أي احتياجات مادية بيولوجية، ويشير إلى أن من أهم أساليب العلاج لحالة الأرملة النفسية أن تجعل قرارها تجاه قضية الزواج بيدها هي وحدها، وتخرج منها كل من يحاول أن يتدخل فيها بالضغط عليها سلبا أو إيجابا؛ لأن عدم حريتها في تحديد موقفها من هذه القضية هو مفتاح لكثير من المشاكل مما يمثل لها معوقات في المستقبل.

     

    نصائح المتخصصين

    وترى الدكتورة سوسن عثمان -خبيرة اجتماعية ومديرة جمعية تدعيم الأسرة- أن المجتمع قد جنى على الأرملة حين زرع بداخلها فكرة أن الزواج بعد وفاة زوجها هو ضرب من الخيانة، وهي فكرة من أفكار الهدم ومدعمات الاكتئاب؛ لأنها وفق هذا المفهوم تظل في صراع بين حاجاتها النفسية والجسدية، وبين ألم ضميرها الذي دعمه المجتمع بهذه الفكرة، وعلى ذلك يجب عليها أن تحاول -بقدر المستطاع- أن تبتعد عن مدعمات الاكتئاب، التي من أشكالها المفاهيم المجتمعية الخاطئة، والأغاني الحزينة، ومشاهد الدراما المتعلقة بالترمل؛ لأن كل هذا يوقظ داخلها إحساسا مضاعفا بالحزن، وكثيرا ما ينتهي بالبكاء الذي يدعم حالة الاكتئاب.

    وتنصح د. عزة كريم -الخبيرة بمركز البحوث الاجتماعية والجنائية في مصر- كل أرملة أن تجعل القاعدة الإيمانية منطلقا لإكمال حياتها بعد الترمل؛ حتى تستطيع مواجهة أزماتها والتغلب عليها، ثم تقوم بتوجيه حياتها توجيها عمليا نحو ضرورة تنشيط شبكة الدعم من حولها على كل المستويات، على أن تعتمد في ذلك على المخلصين من أفراد العائلتين؛ لأن الفراغ الذي تركه الأب ليس هينا، لذا عليها أن توجه المسألة توجيها عقلانيا أكثر من كونه عاطفيا، فتسرع من خلال شبكة دعمها العائلية لسد ذلك الفراغ، فإن لم يملأ بها فسيملأ بالمعاناة النفسية التي تجعل الموقف أكثر صعوبة.

    ونظرا لأهمية وجود رمز للأبوة تؤكد د. عزة على ضرورة سعي الأم لإيجاد بديل للأب المفقود، سواء كان الخال أو العم أو أية شخصية تثق الأم أن الانفتاح عليها لن يجلب لها المشاكل، فذلك أهون من المعاناة والأزمات النفسية لها، فضلا عن أن العائلة بطبيعتها تكون مشفقة عليها وتسعى للوقوف بجانبها بقدر المتاح.

    وتضيف أن العمل يمثل أحد السبل للخروج من نفق الاكتئاب المظلم، ويفتح مجالا واسعا لشيء من النسيان وبشكل أسرع، وأنه يفيد الأرملة على المستويين النفسي والمادي، بل إن الأرملة حين تجلب الأموال وتلمس مدى تأثيرها إيجابا في حياة أبنائها، وكيف أنها تساعدهم وتخرجهم بها من العديد من المشكلات فسيحسن ذلك كثيرا من حالتها النفسية، وسيغمرها شعور من الرضا والسعادة.

     

    موقع الأسرة السعيدة


    تنويه: يمنع نقل هذا المقال كما هو أو استخدامه في أي مكان آخر تحت طائلة المساءلة القانونية، ويمكن استخدام فقرات أو أجزاء منه بعد الحصول على موافقة رسمية من إدارة النجاح نت.