مفهوم "الانغتاح" هو أحد المفاهيم الجديدة في النظم الاجتماعية الحديثة . وفي الحقيقة هو مفهوم جديد لمتطلبات عصر جديد ، لمجتمعات تريد أن تواكب الإنفجار المعرفي والتقني العالمي .ومن خلال هذا المفهوم الحديث لعلنا نصل إلى وصفة علاجية لما تعانيه المجتمعات المعاصرة وعلى رأسها مجتمع بلدي الحبيب المملكة العربية السعودية ، من تطرف أحادي في الرأي منبعه حب الوطن ونتائجه صراعات فكرية وتقسيمات وتصنيفات لأبناء مجتمع ووطن واحد .



محتويات المقالة

     

    "الإنغتاخ" هو مفهوم قمت بتكوينه من دمج كلمتي انفتاح - انغلاق ، و المصطلح باللغة الإنجليزية " CLOPEN " هو دمج لكلمتي Close & Open .



     

     

    أتمنى أن توضح الأسطر القادمة هذا المفهوم وأتمنى أن نتبناه كرؤية مستقبلية لواقع لا بد من معايشته بأساليب علمية وقبل ذلك شرعية ومنطلقها الكتاب والسنة ومنبعها العادات والتقاليد .



     

     

    لعل من أهم أسباب كتابة هذا المقال والخروج بهذا المفهوم هو ما نراه اليوم من بعض رجال بلدي الحبيب الذين لديهم عشق أزلي للتصنيف والتقسيم ، فبعد أن تم الإنتهاء من موجة ( بدوي وحضري ) ثم موجة ( سني – شيعي ) ثم ( وهابي – صوفي ) نحن اليوم مع موعد جديد لتصنيف جديد وهو ( علماني ليبرالي – متشدد إرهابي ) . رغم ان جميع التصنيفات السابقة تجمعها صفة مشتركة واحدة وهي مواطن سعودي مسلم .



     

     

    قديماً قيل " ومن الحب ما قتل "، والقتل هنا منبعه الحب المبني على العاطفه دون إعتبار للعقل مما جعل معايير الحب الحقيقي تنحرف وتأخذ مسارا غير المسار العلمي الطبيعي والذي يجعل من الحب قيمة باقية وقيمة جميلة .


     

     

    والمحبوب هنا هو الوطن والحبيب هو نحن الذين قمنا بعشق هذا الوطن ولكن عشق مبني على العاطفة التي جعلتنا لا نتقبل أن يشاركنا أحد في هذا المحبوب ، وأصبحنا نمارس السلطة في عدم إعطاء مساحة لغيرنا بالتعبير عن حبه لهذا المعشوق بطريقته الخاصة . مما جعلنا نرمي بالتهم هنا وهناك ، ونصنف هذا وذاك ، ونشكك في حب هؤلاء ونسلب أحقية الحب من هؤلاء ، بل نصورهم أنهم أعداء لأنهم بكل بساطة يمارسون حبهم بطريقة تختلف عن الطريقة التي نمارس بها حبنا .


     

     

    لهذا يتسابق الجميع ليشارك في موجة الإصلاح التي أطلقها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز حفظه الله ، وهذا التسابق كما ذكرنا منبعه واجب على الحبيب تجاه محبوته ويستخدم فيه الحبيب خبرته العلمية والعملية وعاداته وتقاليده ومرجعيته الدينية والعقلية ليقدم لمعشوقته خارطة طريق تصل بها للتتويج كملكة جمال للعالم ، إقتصادياً وعلمياً وإجتماعياً ومعرفياً ومرجعياً .
    والنتيجة " كل يدعي وصلأ بليلى وليلى لا تقر بهذا وذاك " ، لأن لديها قلب كبير تستطيع أن تحتوي الجميع ولا تريد أن ينقسم محبوبيها بسببها ، ولا تريد أن يكون هناك تطرف فكري أحادي الجانب ، منبعه ومنطلقه شعار - أنا الحق ومن معي هم أصحاب الحق ، وغيري هم الشر والضلال ومن يتبعهم يصبح منهم ومعهم -.


     

     

    المتتبع للتقسيمات السابقة الذكر وغيرها من التقسيمات التي إنتشرت يجد أنها تتفق في أن موجة التقسيم مرتكزه على أن هناك طرف منفتح وطرف منغلق أو بمعنى أدق جهة توصف بالإنفتاح المعرفي والإجتماعي والديني وجهة توصف أنها جهات منغلقة على عادتها وتقاليدها ومذهبها ومجتمعها . ونتيجة المبالغة في الإنفتاح والغلو في الإنغلاق ظهرت هذه المسميات وسوف تظهر مسميات اخرى تصف حال " خير أمة أخرجت للناس " أمة الوسط !!


     

     

    ينبغي أن تتبنى أمة الوسط مبدأ الوسط فلا انغلاق ولا انفتاح بل هو " انغتاح " . يجب أن يخرج لنا جيل يتعلم معنى "الإنغتاح" ويعمل به قبل أن نجد أنفسنا في انفتاح يصعب اغلاقه أو نمارس انغلاقا يصعب إغلاقه أصلاً في ظل هذا العالم الصغير . فنكون في الظاهر نمارس نظرية الإنغلاق وفي الباطن نمارس الإنفتاح السيئ الذي لا تمارسه حتى المجتمعات التي روجت له. اذاً مفهوم "الإنغتاح" ليس مجرد مفهوم ظهر لكي يوقف هذه التقسيمات بل هو منهجية يجب أن يلتف حولها جميع الخبراء والمختصون ليبنوا من خلالها مناهجنا التعليمية ورؤيتنا الإعلامية ولتنطلق منها علومنا الشرعية والعلمية والعملية .





     

     

    والموضوع ليس موضوع الرغبة في التغيير لأجل التغيير او الرغبة في تغيير الماضي بل التغيير لأجل الإبقاء على الماضي. ولعل بعض الفلاسفة له وجهة نظر حول نقطة الوسط حيث قال أحدهم "أنها نقطة وهمية كل طرف من الأطراف يدعي أنه الأقرب لها " . ولكن نحن نبني فلسفتنا في نقطة الوسط من قول الله عز وجل في كتابه الكريم ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً ) .


     

     

    لهذا نحن لا نحتاج إلى البحث حول هذه النقطة فنحن في الوسط فعلاً فقط لو عدنا إلى ما كنا عليه . فنحن لا نحتاج فكر "تغريبي" كما يطلق عليه البعض أو فكر "أصولي" كما يطلق عليه البعض الآخر ، نحن نريد العودة بعقولنا للدستور الذي تبنى من خلاله الحضارة والأمم والمجتمعات وتعمل عليه بشكل مستمر لتطويره وتحديثه لكي يصبح صالح لكل زمان ومكان . ولأننا أمة الوسط فإن لدينا دستورا - الكتاب والسنة النبوية - لا يتغير وصالح لكل زمان ومكان ، و ننطلق منه ونبني أمتنا من خلاله .


     

     

    ولعل الإستمرار في التنظير لكل مفهوم لن يزيد المفهوم إلا تنظيرا على تنظيره ولن يخرج لنا كواقع ملموس بل سوف يكون مفهوما يتدواله بعض الطبقات في أبحاثهم النظرية ، وجلساتهم العلمية . لهذا من الأفضل شرح هذا المفهوم على شكل أمثلة وقعت بالأمس القريب وأمثلة أخرى واقعة اليوم ثم نحاول تحليل التطرف الفكري الذي حدث ويحدث في بعض القضايا ونعطي بعض الأمثلة لنفس القضايا ولكن برؤية "منغتحه" .


     

     

    بالأمس كانت القنوات الفضائية وجوال الكاميرا لدى البعض محرمة ، واليوم أصبحت مباحة ويستخدمها من حرمها بالأمس ، وأقصد بالتحريم هنا أنها محرمة من رجال الدين ورجال السياسة ورجال التربية والتعليم وغيرها من الجهات . بالتحليل البسيط للمشكلة أو القضية أو الحدث نجد أن الحكم الأولي كان به غلو في الإنغلاق سبب تطرفا في الانفتاح فأصبحنا ننافس كبار دول العالم في تداول المقاطع الفاضحة بل وننتجها ونجاهر بها ، ثم أصبحنا من رواد الفضائيات بل مالكيها والقائمين على الفاسد منها قبل الصالح ! فعندما يرى أبناء هذا الجيل هذا التخبط في الحكم فإنه لن يثق في هذه المؤسسات الإجتماعية ولا برجالها .

     
     

     

     

    لأنه وبحكم العقلية البسيطة التي يملكها والتي لم تتدرب على مهارات التفكير الناقد فإنها سوف تقع في التعميمات اللامنطقية ، فيصبح لا يصدق رجل الدين الذي أفتى بفتوى بالأمس واليوم هو أول من يخالفها ، ولن يصدق نصائح ذاك التربوي الذي يمنع ويعاقب ويحذر كل من يتعامل مع هذه التقنيات ثم يكتشف طلابه أنه من كبار المستخدمين لها ، وكذلك سوف يشكك في قدرة رجال السياسة والإدارة الذين يمنعون أمورا لا يمكن منعها بل بمنعها هذا سوف تكون فرصة لبعض الجهات لإستغلال هذا الوضع وإستنزاف الشريحة التي تريد أن تستفيد من هذه التقنيات وفي نفس الوقت إثارة حب التحدي التي يملكها الشباب فيأتون للتقنية من الطرق الخلفية وتكون بدايتهم الخاطئة معها هي عادات سوف تستمر معهم وتنتشر لغيرهم ، ونتحول من مجتمع زارع لكل سلوك جيد جديد ، إلى مجتمع يسخر كل قواته لتعديل كل سلوك سيئ جديد . لماذا فرطنا في البناء ونكتفي ونرضى بالمشاركة في الترميم الذي لن يعيد للبنيان جماله.

    إذا نحن لا نريد انغلاقا أو انفتاحا يجعلنا نقول : أهلا بكل ماهو جديد ، ولا ثم لا للمنع ، وأهلا بكل ماهو غربي ، ووداعاً ياعادات وإلى اللقاء يا تقاليد ، فنصبح قوما مستنسخين بلا هوية . بل نريد رؤية "منغتحة" تنطلق من خلال رجال "منغتحين" يعرفون متى يتم الإغلاق الذي لا إنفتاح بعده ويدركون ماهي الأمور التي يجب أن لا تغلق حتى لايتم الإنفتاح عليها بالقوة وبالعنف وبالطرق الملتوية أو بالطريقة التي يريدها لنا الآخر .

     

    ولو نظرنا إلى مثال آخر اليوم نجد أن هناك إنشقاق كبير وإتهامات لكل فريق وصلت لحد التشكيك في وطنية وعقيدة كل طرف

     

     ! 

     

    ولعل اشهر هذه المواقف هو

     

    مسألة الإختلاط في جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية ، والتي فضحت لنا أن المجتمع السعودي اليوم يعاني من إنشطار فكري وصل لدرجة تكفير الآخر

     

    !

     

    ولم أطرق هذا المثال حتى أكتب فتوى حول هذا الأمر لأني لست من أهل الإختصاص ، لكن سوف ننظر للقضية من نفس الزاوية التي إنطلقنا منها

     

    في المثال السابق

     
     

     فالمغالاة في الإنغلاق بالأمس حرم المرأة من حقها في التعليم ، ثم تدرج الإنفتاح حتى وصل إلى أن المرأة من حقها أن تتعلم جنباً إلى جنب مع

     

    الرجال

     

     !

     

    عجبي على هذه النقلة الكبيرة وفي مدة زمنية قصيرة !

     

     إذا من السبب ؟

     

    بكل تأكيد التطرف الفكري الإنفتاحي والإنغلاقي جعلنا نصل إلى هذه النقطة لأننا لم نقف عنده نقطة "الإنغتاح" ، فجميع دول العالم تحاول وبشكل تدريجي ومرحلي أن تفصل تعليم البنين عن تعليم البنات

     

     

     

    ونحن نتدرج أيضاً ولكن في الاتجاه المعاكس !

     
     

     لو كان لدينا مختصون برؤية "إنغتاحية" لوجدنا أن جميع فئات المجتمع تقف صفاً واحداً وترفع رأسها إعتزازاً وإفتخاراً بهذا الصرح المنطلق من منهجية "إنغتاحية" تغلق ما أغلقه الشرع وتفتح ما لم يغلقه الشرع ، بل سوف نجد أصوات هؤلاء المنغتحين بطلب المزيد من هذه الصروح ولكن بقوانين ومنهجية انغتاحية أكثر ، تجعل من المرأة شريكة حقيقية في التنمية من خلال دراستها لأحدث العلوم الحديثة وحصولها على أعلى الدرجات العلمية وبطرق "إنغتاحيه" وفق قوانين ربانية لا تتعارض مع العقل أو التطور .

     

    عجبي ! تحول الإختلاط بين عشية وضحاها إلى أمر مباح وغداً قد يكون واجبا .

     

    وعجبي

     

     !

     

    من بعض رجال الدين الذين كنت بالأمس تطرد من مجالسهم إن تحدثت في مسألة الاختلاط ، واليوم يخرجون لنا عبر الفضائيات ويطالبون برؤيةٍ جديدةٍ ونظرةٍ شاملةٍ لمفهوم الاختلاط !

     

    وعجبي

     

     !

     

     لذلك الرجل الذي يظهر لنا في وسائل الإعلام ليقول لنا أن من حق المرأة أن تسافر بلا محرم ، في حين أنه لو سئل أترضى ذلك لبناتك؟ لأجاب " على جثتي " .
    //

     

    \

     

    //

     

    \

     

    //

     

     

     

    أتمنى
    أن نخرج من فكرة أننا نتكلم الان على بعض علماء الدين – الذين لحومهم مسمومة - أو علماء الدنيا – الذين يفصلون الدين عن الدولة - المسألة أكبر من هذا وأعمق ، وهذا أو ذاك هم نتاج طبيعي لتنشئة إجتماعية وتركيبة تعليمية جعلت منه متخبطا في القرار ومتطرفا في الرأي . والقضية ليست قضية أفراد أو إنتصار لجماعة على جماعة المسألة مسألة فكر يجب أن يتغير لكي لا يفرز لنا مزيدا من المتطرفين فكرياً الذين يقودون أنفسهم ومجتمعاتهم نحو الهاوية. نعم هاوية العنصرية والحزبية و مفهوم "أنت معنا أو علينا" .

    أتمنى
     أن ننغتح على أنفسنا ونرسم حدودا لهذا الانغتاح يكون منهجا واضحا لجيل أحاطت به الصراعات و شارك فيها دون أن يعي السبب أو النتيجة . وأستشهد بكلمة سمعتها من طالب في المرحلة المتوسطة قال عن أحد الكتاب في أحد الصحف اليومية : " والله هذا الكاتب علماني " ، لأنه كتب عن ضرورة خفض صوت الآذان في المساجد . ومقولة لطالب آخر في الصف الأول ثانوي الذي قال : رجال الهيئة الإرهابيون الوهابيون حلقو رأس صديقي
     !
     
    للأسف
     تلك هي المخرجات التي صنعناها بأيدينا ! بالفعل هم مجموعة من الببغاوات يرددون أقوالا ومصطلحات لا يعلمون معانيها أو أبعادها ، وماهم إلا إمتداد لفكر آبائهم الذين كانوا سببا في إقحامهم في عالم التقسيم البغيض الذي لا يوحد وطناً ولا يخدم أمة ولا يحقق عزةً أو نصراً .

    وصدق الشاعر حينما قال :

    تاه الدليل فلا تعجب إذا تاهوا ***أو ضيع الركب أشباح وأشباه


    تاه الدليل فلا تعجب إذا تركوا*** قصد السبيل وجاروا عن سجاياه

    المساحة لا تكفي لطرح المزيد من الأمثلة أو سبل العلاج لكل ما ذكر ، لكن أصبح خروج المدرسة الانغتاحية مطلبا للحفاظ على هويتنا وعادتنا وتقاليدنا ولن نحتاج مثل ما أحتاجت أمريكا أو غيرها من الدول لتعديل بعض بنود الدستور فنحن نملك دستورا ( لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد) ، ووصل لنا من سيد الخلق الذي ( لا ينطق عن الهوى) . بل نريد تطبيقاً حقيقياً لهذا الدستور دون الإلتفاف حوله ونزع ما نريد منه والذي يحقق لنا بعض المكتسبات التي منبعها تقاليد عقيمة أو إنفتاح نتائجه مقززة

     


    تنويه: يمنع نقل هذا المقال كما هو أو استخدامه في أي مكان آخر تحت طائلة المساءلة القانونية، ويمكن استخدام فقرات أو أجزاء منه بعد الحصول على موافقة رسمية من إدارة النجاح نت.