حققي ذاتك، كوني مستقلة، ارفضي التبعية، تحرري من قيد العبودية. ثوري على الظلم، تمردي على العنجهية، صرحي بوجهة نظرك، قولي رأيك لا تكتمي شكواك، اغضبي ونفسي عن غضبك، اطلبي حقك، ثقي في نفسك أنت لست أقل منة وهو ليس أفضل منك.

 

إنني اتفق تماما مع هذه الرسالة الثورية القصيرة وأدعو إلي كل ما فيها! وأراها رسالة تحريرية في منتهى الرقى _ حرر بها الإسلام المرأة وحطم بها كل القيود التي كانت ترزخ تحتها وتحط من شأنها، وتهدر كرامتها!


إن كل عنصر من الرسالة الثورية دعا إليه الإسلام وحرض علية والجميل بل والفريد أن هذه الحركة الثورية التي قادها الإسلام كانت حركة بيضاء ولم يحدث فيها إحن ولا محن ونما فيها تحرير المرأة بمنتهى الهدوء والإنسانية والشفافية في التطبيق فكل بنود الدعوة الثورية نفذت بحذافيرها نصا وروحا، والمدهش أن الذي تولي التنفيذ هو الخصم _ أقصد الرجل _ الذي جاءت بنود الدعوة أصلا لتحد من سلطانة وتسلبه ما ألف على أنه حقه!


والأغرب من ذلك - أن الخصم _ فعل ذلك بمنتهى الطواعية والرضا وطيب الخاطر بدون جدال أو تحايل أو حتى تسويف في التنفيذ في مشهد سجل تفرده التاريخ! وما كان لهذا الحدث أن يحدث بهذه الكيفية، إلا بتحقيق الإيمان.


لقد آمن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأذعنوا لأمره ونهيه، فأحلو ما أحل وحرموا ما حرم. فعلوا ذلك بغض النظر عن النتيجة التي كانت في أغلب الأحيان تقلص من نفوذهم وتنتقص مما ألفوه حقا لهم في نسائهم، إنه فعل الإيمان الحق حينما يستولي على النفوس، قال تعالى مقررا هذه الحقيقة "إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكموا بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون" (النور 51 _ 52 )، كما قال تعالي في سورة الأحزاب "وما كان لمؤمن ولا مؤمنة، إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعصي الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا" (الآية 36).


لقد فهموا أن الإيمان الحق يستلزم إقامة العدل وإنصاف الآخر ولو من الذات، لقد فعلوا ذلك مع زوجاتهم وأعطوهن ما أعطاهن الله من فوق سبع سماوات بلا تحريف ولا تأويل ولقد عبر الفاروق عمر _ رضي الله عنة وأرضاه _ عن هذه الحقيقة في قولة "ما كنا نعد للنساء أمرا حتى أنزل الله فيهن ما أنزل وقسم لهن ما قسم" لقد حرر الإسلام المرأة بالنص وبما أقامه من احترام للنص في نفوس أتباعه.
فإذا قال تعالى: "يا أيها الذين أمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو علي أنفسكم،.. ثم أنزل بعد ذلك حكما يوسع فيه على المرأة ويحد به من سلطات الرجل، لم يسمع الرجل المؤمن إلا الإمتثال لما أنزل الله ولو من نفسه، وهذا ما تفيض به سيرة الإيمان في تاريخنا الذي نفخر به.


لقد أردت بهذه المقدمة الطويلة أن أثبت الإسلام حقه الذي سرقة الآخرون منه نهاراً جهاراً ثم ادعوا أنهم أربابه ويا ليتهم اكتفوا بذلك بل راحوا يشككون المسلمين وخاصة المرأة المسلمة في دينها بما أدعوه من أن الإسلام حابى الرجل علي حسابها وظلمها وجعلها كائنا من الدرجة الثانية.


يريدون من وراء دعواهم تلك _ أن تفقد المسلمة الثقة في دينها، وتعنق ثقافتهم، إنها الخدعة الكبرى التي تتعرض لها المسلمة والمصيدة التي تنسج حبالها بدأب ونشاط هستيري لتوقع بها فماذا نحن فاعلون؟ أنا شخصيا _ سأمسك بمقص حاد وسأهتك به عقد المصيدة وحبلها، عقدة عقدة و حبلاً حبلاً بغير كلل ولا ملل ّ وأول ما أهتك أهتك الإدعاء بأن الإسلام ألغي شخصية المرأة واستقلاليتها، وجعلها تابعة للرجل. إن العكس هو الصحيح، فالإسلام أكد شخصية المرأة واستقلاليتها ونفى عنها تبعيتها للرجل، والدليل على ذلك أن الله يذكرها بجوار الرجل في القرآن، وكل مواطن يقرر حقيقة شخصيتها المستقلة من منظور مختلف وزاوية جديدة، ففي قضية الخلق هي كائن مستقل قال تعالى "والليل إذا يغشي والنهار إذا تجلى وما خلق الذكر والأنثى إن سعيكم لشتى" (الليل 1_4) أرأينا خلق الذكر والأنثى!


وفي قضية التكليف الشرعي هي شخصية مستقلة مثل الرجل تماما، قال تعالى موضحاً هذه الحقيقة في أخطر القضايا على الإطلاق، وهي قضية الاختيار بين الإيمان والكفر: "ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين. وضرب الله مثلا للذين أمنوا امرأة فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين. ومريم ابنة عمران التى أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين "(التحريم 10 _12 ) إن نوحا ولوطا عليهما السلام لم يملكا إرغام زوجيهما على الإيمان ولم يستطيعا إجبارهما على تبعيتهما فيه وهما نبيان مسلمان، والسنة بنصوصها الصحيحة تدعوا إلى مثل هذه الاستقلالية في الشخصية إذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" وقال في حديث أخر "لا يكونن أحدكم إمعة قالوا وما الإمعة يا رسول الله قال رجل إذا أحسن الناس أحسن؛ وإذا أساءوا أساء، ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا وإن لأساءوا أن تجتنبوا سيئاتهم".


السؤال الذي أطرحه هو "هل هذه القاعدة خاصة بالرجل فقط، ولا تخص للمرأة؟ بمعنى أنه يحرم على الرجل أن يطيع مخلوق في معصية الله ومسموح للمرأة أن تطيع زوجها حينما يدعوها إلى معصية الله، على أساس أنها تابعة له، ليس لها حق مخالفته؟! إن هذا غير مسموح لها على الإطلاق ولو أنها أطاعته تأثم وتحاسب على إتباعها الباطل! إن هذه الكلمات رغم قلتها وإيجازها الشديد تعتبر بمنتهى الإنصاف
- مبدأ تحريرا في غاية العمق والسمو  -إذ تجعل الولاء لله وحدة لا شريك له وليس لأي إنسان مهما بلغت خصوصية العلاقة معه، حتى ولو كان الزوج الذي هو ربان السفينة وقائدها!


قد يقول قائل إن المقال _ ناقش دعوى غير مرفوعة فالدعوة خاصة بعدم استقلالية شخصية المرأة وتبعيتها للرجل في علاقتهما الاجتماعية الزوجية، وليست في مجال العقيدة أو الأخلاق أو العبادات، والمقال بهذا الأسلوب خلط الأوراق، إذ أنة أحال القضية إلى ميدان آخر تماماً لا يعنينا وليس علية غبار. وأنا أتفق من جهة مع هذه المقولة وأختلف معها من جهة أخرى. أتفق معها في أن الدعوى المرفوعة في الأساس متعلقة بالعلاقة الاجتماعية بين الرجل والمرأة كزوجين وأختلف معها في أنني أحلت الموضوع إلي ميدان آخر.. لمَ؟ لأن المبدأ تكريم الله للمرأة وتحريرها من التبعية الباطلة للرجل وتأكيد شخصيتها مبدأ عام ثابت راسخ على الإطلاق في كل ما يتعلق بها وتقوم به سواء كان في مجال العقيدة أو الأخلاق أو العبادات، أو في علاقتها بغيرها من الناس أو علاقتها برجل كزوج، وأنا قصدت بدء مناقشة الموضوع ونفى تهمة التبعية من المرأة للرجل فيما هو أخطر في علاقتهما الزوجية، في قضية الإيمان ذاتها لأصل إلى خلاصة وهي: إذا كان الإسلام لم يجعل للرجل المسلم حق إجبار امرأته علي تبعيته في قضية الإيمان التي هي قضيته الأساسية وقضية الكون المحورية وجعل لها الاستقلالية التامة لأخذ ما تراه مع تحمل مسؤولية اختيارها _ كما في قضية امرأة نوح وامرأة لوط _ فكيف يتهم أنة ألغى شخصيتها فيما دون ذلك قيمة وأثرا في علاقتهما الزوجية، إن هذه الازدواجية لا يعفرها الإسلام، وليست من طبيعته!

 

كتبه الأستاذ عمرو لمجلة المرأة اليوم بتاريخ 23/3/2004