الحمد لله حمدَ الشاكرين الأولين، وأفضلُ الصلاة وأتمّ التسليم، على سيدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصحبه أجمعين. إخوتي وأخواتي المستمعين ... السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد ...

 

فهذه هي (الحلقة الخامسة) من برنامج  [التنمية البشرية بين المادية والروحانية] ..... أعزائي ... قلنا في الحلقة الماضية أن لتحقيقِ أيِّ هدفٍ أو حصيلة ما، يتطلب الأمر ثمانيةَ شروط. وقلنا أيضاً أنه يجب توافرُ هذه الشروطِ بأي هدف قبل البدءِ به، حتى يكونَ قابلاً للتحقيق بعون الله تعالى وفضله.

 

وأولُ هذه الشروطِ هو: الإيجابية، وثانيها: المسؤولية، والشرطُ الثالث: الوضوح، والرابعُ: التاثيرات، والخامسُ: القياس، وأما الشرطُ السادس: فالحواس، والسابع: الإيمان، والثامنُ: العمل.

 

إذن الشرط الأول (الإيجابية)، ويُقصدُ بالإيجابية: أن يكونَ الهدفُ مصوغاً بطريقةٍ إيجابية، أي أن أسألَ نفسيَ السؤالَ التالي: هل هذا الهدفُ الذي أريده مصوغٌ بطريقة إيجابية ؟.... ولتوضيحِ ذلك أضع الأمثلة التالية:

 

يقول طالبٌ في مرحلةِ الدراسة الثانوية: أريد أن أدرسَ إدارة الأعمال. ويقول طالبٌ أخرُ: أنا لا أريد أن أدرسَ إدارة الأعمال.

 

الطـالبُ الأول وضع هدفاً، والثاني وضع أيضاً هدفاً. ولكنْ هل كلا الهدفين مصوغٌ بطريقةٍ إيجابية ؟... الواقع لا ... فالطالبُ الذي قال إنه يريد دراسة إدارةِ الأعمال هو فقط الذي صاغَ هدفَه بطريقةٍ إيجابية. أما الطالبُ الذي أعلن أنه لا يريد دراسة إدارةِ الأعمال فلم يحققْ شرطَ الإيجابيةِ في هدفِه، هذا الشرطُ الذي يجب أن يتحققَ في جميع الأهداف، فهو إن لم يدرسْ إدارة الأعمالِ فقد تحققَ هدفُه، سواءٌ درسَ أو لم يدرسْ، وسواءٌ دخلَ كلية ما أو لم يدخل.

 

إذن ليس هناك هدفٌ ليتحققَ أصلاً ....

 

مثالٌ آخر: سامر طالبٌ مجتهد، يريد أن يتغدى، فقال إنه لا يريد أن يأكلَ التمر. هل هذا هدف ؟

لا بدّ أن تحدِّدَ تُجاهَ أي هدفٍ تركيزاً عليه، وبالتالي تريدُ هذا الذي ركزتَ عليه. أما الضياعُ والتشويش والاضطراب فلا يحققُ هدفاً ... لاحظوا الأمرَ بين أسرةٍ هدفُ أفرادِها التنزهُ، أي الذهاب لنزهة، وأسرةٍ أخرى لا تريد أن تبقى طيلة العطلةِ في البيت .... الأسرة الأولى أقربُ وأسرع إلى تحديدِ مكانِ النزهة التي تريد قضاءَ العُطلةِ فيه، أما الأسرة الثانية فما زال أفرادُها هائمين على وجوهِهم مضطربين، همُّهم فقط ألا يبقوا في البيت.

 

إذن الشرط الأول لتحقيقِ الأهداف (الإيجابية)، أي أن يكونَ الهدفُ مصوغاً بطريقةٍ إيجابية، ولننظر بالعودِ إلى الحضارة العربيةِ الإسلامية: هل كانت فعلاً بتفاصيلِ بنيانِها الحضاري وإجمالِه، يمكن أن تصلَ إلى ما وصلتْ إليه دون أن يكونَ الهدفُ مصوغاً بطريقةٍ إيجابية، أي ـ حسب المفهوم التراثي ـ مركزاً عليه ومحدداً، فإنك إن نظرت إلى فتوحاتِ المسلمين ... إلى اكتشافاتِهمُ العلمية ... إلى بنيانِهمُ المعماري ... إلى كلّ صغيرةٍ وكبيرة في هذه المنجزات لن تجدَ إلا ما هو ينطبقُ عليه مفهومُ الإيجابيةِ في صياغةِ الهدف.

 

فهل كان أهلُ تلك الحضارةِ يضعون أهدافَهم بدراسةِ شرطِ الإيجابيةِ في الصياغة ... الواقع إننا لا نجد أبداً ما يشيرُ إلى شرطِ الإيجابية ... ومثالُهم مثالُ رجلٍ ذهب ليشتريَ طماطم (بندورة) من السوق وعاد. فهو قد حققَ هدفَه وحقق شرطَ الإيجابية بحكمِ المهارةِ والممارسة، لا بحكمِ التخطيط ... لكنْ أن تجدَ أحداً ما يحققُ حضارةً بالمهارةِ والسليقة كما يحققُ أحدُنا الأمورَ بمهاراتِه البسيطة ... هنا تكمن عظمةُ الجيلِ الذي أسسَ لهذه الحضارة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.