الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم... مالك يوم الدين ... وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ... أعزائي المستمعين ... السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ... وبعد: فهذه الحلقة التاسعة والعشرون من حلقات برنامجكم " التنمية البشرية بين المادية والروحانية " ...

 

في حديثنا عن الهيئة الباطنة للنفس قلنا أن لها أربعة أركان ... قوة العقل و العلم ...قوة الشهوة... قوة الغضب ... ووصلنا الى الركن الرابع وهو قوة العدل : فقوة العقل والعلم ... تنير الطريق وهي تبصر الانسان بطريقه .. فهي تؤثر ضمن قاعدة ( التفكير-السلوك- الشعور) الحالة الانسانية .. تؤثر على التفكير فتنير له الطريق.. أما الشعور فينسجه قوة الشهوة وقوة الغضب وقد مرّ معنا الحديث عنهما... وتأتي قوة العدل لتضبط قوة الشهوة وقوة الغضب على مقتضى ماتقرره قوة العقل والعلم ... والشعور يدفع عندئذ للسلوك على مراد التفكير ... وكلما زاد نمو التفكير صعداً ... وانضبطت قوتا الشهوة والغضب وفق مراد قوة العقل ...أصبح الانسان أكثر استقامة واعتدالاً .

 

فقوة العدل باعتدالها يكون الانسان عادلاً ويتمتع بصفة العدل أما إفراط العدل أو تفريطه فإنه جور .. فليس له طرفان إلا الجور والظلم ... فالعدل لايناقضه إلا الجور ... وهذه القوة في باطن الانسان الذي تؤدي إلى العدالة في كل شيء ... إذن الهيئة الباطنة للنفس الانسانية لها أربعة أركان : قوة العقل والعلم – قوة الشهوة – قوة الغضب – قوة العدل ... وهي التي ترسم حسن الخلق أو سوء الخلق ... وهي التي تؤدي لفوز النور في الباطن أو فوز الظلام ... وقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال:[ ألا و إن في الجسد لمضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب] ..ونلاحظ كيف عني الاسلام بالتنمية الشخصية لكن في شكلها ومضمونها في عمومها وشمولها ... فعندما باتي أي تنمية في جزئية من جزئيات الحياة يختص بها من تلقى هذه التنمية فإنها تأتي منسجمة كل الانسجام وترى تكاملاً في الصورة بين الجزء والكل ...

 

بينما التنمية البشرية المعاصرة فإنها تعنى بالجزء حسب هدف محدد ... إن جاءت متوافقة أم متعارضة لايهم ... فنجاحهم ينطبق عليه قول الله تعالى:[ يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا] وهذا يؤدي لديهم الى  التناقض الباطني.. يؤدي إلى عدم الاستقرار النفسي... وبالتالي يقع الانسان الغربي فريسة للتناقض الثقافي والمعرفي والتناقض في المشاعر والتناقض في السلوك... أليس التناقض حالة إنسانية إذن  فكما يقولون هم في الغرب (تناقض في التفكير – سيعكس تناقضاً في السلوك- وبالتالي تناقضاً في الشعور) ... وطالما أن التنمية ليس لها أي بعد إلا بعداً مادياً فإن النتيجة .. احباط.. فاكتئاب... فأمراض نفسية .. وقد تصل ببعضهم للانتحار ليريح نفسه من هذه المشاعر المزعجة والمضربة ... بينما السلام الباطني كما يقولون فهم يلهثون وراء الحصول عليه... في منعرجات هي أبعد ما تكون عن العلم ... والاسلام كما قلنا هو المائدة العامرة الوحيدة ... الذي يقدم لكل جزء من مركب الانسان ...غذاؤه الذي يطلبه ويحتاجه ... يغذي الروح بغذائها العامرة... وما غذاؤها إلا وصلتها مع عالم الملأ الذي هبطت منها ... ووصلتها مع عالمها أن تسمع في دنياها هذه ذكر الله تعالى ... وأن تعيش حبه والخشية منه كما كانت... لا أن تتكتم الغرائز عليها وتمنع عنها شوقها لمولاها وخالقها جلّ وعلا . وإذا كانت القيادة والروح ... أصبح الانسان من أهل السموّ من اهل القيم ..من اهل الحكمة ... من أهل التقوى... ألست ترى معي أخي المستمع العزيز ان التنمية البشرية المعاصرة قاصرة جداُ عما بلغت شاو التنمية البشرية التي صنعت حضارتنا الاسلامية المثلى.. ولكن هل هذا يجعلنا لانقبل بهذه التنمية المعاصرة التي كما قلنا تتعلق بالشكل دون المضمون ... وعلى صعيدي الأعمال الحديثة والبرامج المعاصرة ... بل على العكس الحكمة ضالة المؤمن ...فآخذ تنميتي في الجزئية بشرط أن أكون على تواصل  دائم للتنمية  الكلية القرآنية الشاملة ..والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .