الحمد لله رب العالمين... حمداَ يوافي نعمه ويكافئ مزيده.. والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أعزائي المستمعين...أخوتي وأخواتي. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ... وبعد: فهذه هي الحلقة الثامنة والعشرون من حلقات برنامجكم " التنمية البشرية بين المادية والروحانية ".

 

ذكرنا في الحلقة الماضية أهمية اعتدال الشهوة في باطن النفس... واليوم سنذكر الركن الثالث من أركان الهيئة الباطنة للنفس وهي قوة الغضب ... وفي الحقيقة أن قوة الغضب في الكيان البشري متع الله الانسان بها لحكمة جلية.. للذود عن نفسه وحماية ما يمت إليه بصلة كعرضه...وشرفه... وشخصيته... ولولاها لتقبل الانسان كل هوان ينزل به ...

وقديماً قال الشافعي رحمه الله تعالى: [من استغضب ولم يغضب فهو حمار] فالحمية من الغضب.. والشجاعة من الغضب.. والنجدة والشهامة كلها من الغضب.. لكنها من وسطية الغضب ..اما افراط الغضب فهو الذي أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم السائل الذي قال للنبي أوصني : قال لاتغضب حتى كررها ثلاث مرات...فالافراط في هذه الصفة يتكون منه التهور والطيش وبتفريطها يتشكل الجبن عند المرء والخور... قال تعالى مادحاً أناساً لأنهم متقون... وصفهم بصفات فيهم فقال: [والكاظمين الغيظ] حازوا على هذه المرتبة من الفضل واستحقوا الجنة لأنهم لم ينفذوا غضبهم... حبسوا غضبهم داخل أجنتهم..وأثنى على آخرين فقال : [وإذا ماغضبوا هم يغفرون] ...إنهم يصفحون عن الناس ...

 

رغم أن هؤلاء الناس أغضبوهم... وقد جاء في الأخبار عن عمر رضي الله عنه أنه كان وقافاً عند حدود الله ولو استغضب .. جاء في شمائل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أنه كان لايغضب إلا إذا انتهكت حرمات الله... إذن للغضب مهمة أن يكون لاقامة الحق ... للدفاع عن حرمات الله ... للذود عن حمى الأوطان ... فالغضب مهمة وأي مهمة ..وأيضاً إكسير طيش وتهور وشؤم ... إن كان لا يضبطه ضابط ...فكم من طلاق يقع بسبب الغضب ..وكم من قتيل وقاتل ... كان المادة التي أوغر الشيطان بها القلوب هو أن مادة الغضب مفرطة لديهم ... وكم من أناس يفتخرون بالغضب ... والحلم كما نعلم سيد الأخلاق ... قال تعالى آمراً بذلك:[خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين] وهنا تكمن ووضوح التنمية الانسانية التي تلقاها أولئك الذين صنعوا الحضارة الاسلامية الراسخة ... فالغضب من الشيطان ... والشيطان من نار...

 

إخوتي الأعزاء ... كلما ترسخت لدى الانسان المعرفة الانسانية والوجدانية ودرج نفسه بالسلوك... على ضوء ما مر معنا ...كلما ازداد في التنمية الانسانية صعداً ... وحسن خلقه أكثر.. وكلما حسن خلقه ... كان أصلح لأن يكون رجل الحضارة الانسانية المثلى... فمن عرف قيمة هذه الدنيا وعاش على هذا المعنى ... وعلم أن لا قيمة لها ... فما الذي يجعله غضبان... عرف القران الانسان أن [كل شيء هالك إلا وجهه]الا الله عزوجل فهل يحزن على شيء فان ... بل أكثر من ذلك فالانسان المسلم العاقل الذي فهم هذه المعارف واصطبغ وجدانه بمعانيها.. لايمكن أن يحرك قوة الغضب لديه عرض زائل ... عندئذ يكون على منهج النبوة... لايغضب إلا إذا انتهكت حرمات الله...  هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم  ... لايغضب الا اذا انتهكت حرمات الله ...والأخطر من ذلك أن الغضب ربما دفع الانسان إلى شرور كثيرة... إلى شتم من غضب عليهم... أو  الاعتداء عليهم  بالضرب ... أو الحسد أو الحقد أو التكبر على عباد الله تعالى ، والغضب أشبه بنبتة في داخل الانسان فكلما كظمه الانسان  ذبل وذوى وضعف ... وكلما استجاب لشعور الغضب ... واقتص لغضبه أو أطاع غضبه كلما زاد المرء سوءاً وأصبح يصعب التخلص منه أكثر ويصبح هذا الخلق مصاحباً للانسان ولايستطيع التخلي عنه ...

ولايهدء الغضب إلا تذكر قدرة الله وغضبه ...وذكرالله ... والتعوذ من ناره ... ومعرفة الانسان عبوديته ....فيتواضع حتى يكون الكل في حالة من التسليم والانقياد لله تعالى رب العالمين... وإلى اللقاء في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.