الحمد لله حمداً طيباً مباركاً ... كما ينبغي لجلال ربنا وجمالِه وكماله ... وكما يحب ربنا ويرضى ... وأفضلُ الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه. أعزائي المستمعين ... السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد ...


محتويات المقالة

     

    فهذه هي الحلقة الثالثة والعشرون من حلقات برنامج: [التنمية البشرية بين المادية والروحانية] ..... وقد وصلنا في كلامنا عن العنصرِ الأخير من عناصر الحضارة، وهو الكون, وقلنا أن القرآن ... قد سلّط الضوءَ على أربعةِ جوانبَ من الكون؛ أولها: أن مظاهرَ المكوَّنات تدل على المكوِّنِ ووحدانيته واتصافِه بصفاتِ الكمال.

     

    وسنشرح اليوم الجانبَ الثاني من المعرفةِ القرآنية عن الكون ... وهو يلي مباشرةً الجانبَ الأول في الأهميةِ والتريُّث؛ وهو أن القرآنَ ينبِّهُ الإنسانَ أن جُلَّ ما يراه من حولِه من أشياءٍ ومخلوقاتٍ ومظاهرَ كونيةٍ ...إنما هو مسخّرٌ من قبَلِ اللهِ عز وجل ... لخدمةِ الإنسان ... وتدبيرِ أسباب عيشِه ... وتحقيقِ شروط رفاهيته وأمنِه ... وعلى الإنسانِ أن يُعمِلَ فكرَه وعقله للبحثِ والنظرِ فيها ... وهذه المكوَّنات والمخلوقاتُ خاضعةٌ للتأمُّلِ والبحث ... بل أكثرُ من ذلك هو مكلفٌ بالتأملِ والبحث فيها ... ويلفت نظرَ الإنسانِ إلى أن أكثرَ هذه المظاهرِ الكونية خاضعٌ للتطويرِ والتحوير حسبَ ما يقتضيه السيرُ مع مصلحةِ الإنسان ... إذا ما اتجه الإنسانُ بما أوتيَ من فكرٍ وقدرات إلى ذلك ...

    لنتأملْ في هذه الآيات: { ألم ترَوا أن اللهَ سخّر لكم ما في السمواتِ وما في الأرض وأسبغَ عليكم نعمَه ظاهرة وباطنة ومن الناسِ من يجادل في الله بغيرِ علم ولا هدى ولا كتابٍ منير }، ولنلاحظْ عبارة: ( سخّر لكم ) ... ويقول تعالى أيضاً: { هو الذي أنزلَ من السماءِ ماءً لكم منه شرابٌ ومنه شجرٌ فيه تسيمون يُنبت لكم به الزرعَ والزيتون والنخيلَ والأعناب ومن كلِّ الثمرات إن في ذلك لآياتٍ لقوم يتفكرون }، ويقول تعالى أيضاً: { هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً } ... ذللناها لكم ... مكناكم ... سخرنا لكم ... كلماتٌ تدل على الخضوعِ والخدمة ... هذا يدلنا على أن اللهَ تعالى قد أخضعَ الكونَ وسخره لخدمةِ الإنسان ... نظامُ الأفلاكِ وحركتها ... نظامُ الكواكب ... الأرضُ ودورانُها ... السحبُ وأمطارُها ... المياه ... البحار ... الدواب ... الأنعام ... الرياح ... النبات ... الأشجار .... حتى تصلَ نقطةُ الماء هذه ... صافيةً عذبة ليتذوقَها الإنسان ... حياةٌ آمنة ... نظامُ الإمطار ... الشمسُ وأشعتها ... القمر ... نظام المدِّ والجزر ...

     

    نعم الأمرُ واضح ... أذلَّ الله هذه المكوَّناتِ لخدمة الإنسان ... ومكّن الإنسانَ من معرفةِ هذه الأنظمةِ التي تعملُ بموجبِها ... والأكثرُ أن الله قد مكّن الإنسانَ من الدخولِ إلى نظامِ عملها للتحكمِ بها وتطويرِ عملها ... واستخراجِ الجديد من وجوه الفائدةِ منها ... وهذا واضح. أما التمكينُ فهو يدلُّ على التحكمِ أكثر، واستغلالِه على الوجهِ الذي يريد ... والآياتُ تدل بشكلٍ واضح جلي على أن الله تعالى أخضعَ هذه المكوَّنات لكلا القدرتين: (العضلية والفكرية) في الإنسان ... أذلها لكثيرٍ من آمالِه ومطامحه ... تجدُ البغالَ والأبقار بل حتى السباعِ الخطيرة ... التي تفوق قدرتَها وطاقتها ومع ذلك تنقاد لطفلٍ صغير ... وهنا بشكل واضحٍ يبيّن لنا اللهُ تعالى أن هذه المكوَّناتِ المختلفةَ ليست إلا خدماً وحشماً له. فهي تنتظر إشارتَه وتسعى في خدمتِه ورعايته ... فقد تميّز عنها بالعقل والعلومِ التي هي تحت سلطانه ... مما يجعله يبدّد عنه آثارَ أيِّ وَحشةٍ أو ظلام، وبهذا نعلم أن العلاقةَ ما بين الإنسانِ وهذه المكوَّناتِ لم تكن يوماً ما علاقةَ تحدٍّ وصراع ... لا في الماضي ولا في الحاضر ... ولا عبر التاريخ ... وما كان الإنسانُ في يومٍ من الأيامِ في حالةِ صراعٍ مع هذه المكوَّنات ... بل كلُّها مسخرةٌ له ولخدمته بواسطة أسبابِ العلم والمعرفة ... وإلى اللقاء في الحلقة القادمة، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.


    تنويه: يمنع نقل هذا المقال كما هو أو استخدامه في أي مكان آخر تحت طائلة المساءلة القانونية، ويمكن استخدام فقرات أو أجزاء منه بعد الحصول على موافقة رسمية من إدارة النجاح نت.