الحمد لله رب الأرض والسما ... والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى ... وأخصّ منهم سيدَنا محمداً وآله وصحبه أجمعين. إخوتي وأخواتي ... أعزائي المستمعين ... السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد ...

 

فهذه الحلقة الثانية والعشرون من حلقات برنامج: [التنمية البشرية بين المادية والروحانية] ..... بعد أن تكلمنا عن عنصرّي الحضارة (الإنسانِ والحياة)، بقي أن نتكلمَ عن العنصرِ الثالث المكوِّن للحضارة، وهو الكون من حولنا ... فنجدُ أن القرآنَ الكريم يعرّفنا على هذا العنصرِ الأخير بحديث من أربعة جوانبَ أساسية: أولُ هذه الجوانبِ التي يربّي وينمّي القرآنُ الإنسانَ على حقيقتها أنها لسانٌ ناطق، وبيانٌ قاطع ... ينادي كلَّ من يفهمُه ... وينادي كلَّ ذي عقلٍ وفكر ... أنّ هذه المكوناتِ من حولنا من صنعِ صانع ... وتدبيرِ مدبِّر ... فهو عنوانٌ بارزٌ واضح ... على وجودِ هذا الخالقِ والصانع ووحدانيته، وكمال صفاته ... لأنك أخي المستمع عندما تتأملُ في هذه المظاهرِ الكونية تجدُها منطويةً على أبرزِ مظاهرِ الحكمةِ في الابداع ... ابتداءً من أصغرِ مخلوق ... إلى الأجرامِ السماوية العملاقةِ الكبيرة ... من الذرةِ وحتى الأفلاك ... في النبات ... وأسرارِه ... وعالمِ الحيوان وعجائبِه ... وعالمِ البحار وغرائبِه ... في الجبال ... في الوديان ... { قل انظروا ما في السمواتِ والأرض } ...

وقال تعالى: (أوَلم يرَ الذين كفروا أن السمواتِ والأرضَ كانتا رتقاً ففتقناهما وجعلنا من الماءِ كلَّ شيءٍ حي أفلا يؤمنون وجعلنا في الأرضِ رواسي أن تميدَ بهم وجعلنا فيها فجاجاً سبلاً لعلهم يهتدون } ... وقال أيضاً:  { وهو الذي خلقَ الليلَ والنهار والشمسَ والقمر كلٌّ في فلك يسبحون } ... وقال أيضاً: ( إن الله فالقُ الحبِّ والنوى يخرج الحيَّ من الميت ومخرجُ الميتِ من الحي ذلكم الله فأنّى تؤفكون، فالقُ الإصباح وجعل الليلَ سكناً والشمسَ والقمر حسباناً } ... والكثرَ الكثير من الآيات ... والتي تدل على أن هذه الآياتِ التي تتحدث عن هذه المظاهرِ الكونية تأتي في سياقِ الاستدلال على وجودِ خالق هذا الكون جل جلاله، ونحن نلاحظ أنه لا بد من هذا التأملِ، وهذا التبصرِ بما حول الإنسان من آياتٍ كونية ... لتورثَ يقيناً وإيماناً بوجودِ خالقِ هذا الكونِ ومدبرِه جل وعلا، وهذه الخطوةُ الأولى الضرورية إحداثُ أولِ خطواتِ التنمية الإنسانية الرشيدة؛ بغيةَ تكوينِ الأسرةِ الإنسانية السليمة ... أو ـ إن شئت ـ قيامِ الحضارة الإنسانيةِ المثلى ... فمن دون هذه الخطوةِ الأساسية التي تعدُّ بالنسبة إلى ما يليها بمثابةِ الجذورِ من الشجرة، لا يستقيم شيءٌ من الخطواتِ أو المراحلِ التالية على أي نهجٍ مفيد .. إذ من الطبيعي أن الإنسان لن يلقيَ أذناً صاغية إلى التعليماتِ التي يتلقاها عن هويته وحقيقة العمرِ الذي يحياه ... وكيفيةِ استفادتِه من المكوَّناتِ التي حوله على الوجه الصحيح ... إلا إذا وقرَ  في عقله ولبِّه أن الذي يصدِر إليه هذه التعليماتِ وهذه الأوامرَ إنما هو خالقُ هذا الكونِ كله ... ربُّ العالمين الواحدُ الأحد ... من له صفاتُ الكمالِ كلها ... ونلاحظ أن العميلةَ التنموية ... وإن شئت قلت: التربوية ... وإن شئت قلت: المعرفية ... وإن شئت قلت: الحضارية ... تنطلق مع انطلاقتِها الأولى التي تتمثلُ بالإيمانِ بالله تعالى القائمِ راسخاً في أعماق الإنسان ... والذي يأتي بعد محاكماتٍ ذهنية منطقية، وإزالةٍ لكافة الشكوك ... ولكل بيئةٍ إشكالاتُها وشكوكها، وقديماً قال ذلك الأعرابي في ذلك السياق: ( البعرةُ تدلُ على البعير ... والأثرُ يدل على المسير ... لسماءٌ ذاتُ أبراج ... وأرضٌ ذات فجاج ... ألا تدل على الصانعِ الخبير ؟!! )، ولقد بيّن القرآنُ مصرحاً بأن الإيمانَ بالله تعالى وما يتبعُه من عقائدَ لا يمكن أن يبنى إلا  على أساسٍ من الحرية الشخصية ... والتفكير والدراسة التي لا يمكن أن تنشأ في مناخٍ لا تسود فيه الحريةُ الفكرية والشخصية، فقد قال تعالى: { لا إكراهَ في الدين قد تبيّن الرشدُ من الغَي } ... وإلى اللقاء في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.