الحمد لله وحده ... والصلاة والسلام على من لانبي بعده ... وعلى كل مؤمن اتبع هديَه. أعزائي المستمعين ... إخوتي وأخواتي ... السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد ...

 

فهذه الحلقة العشرون من حلقات برنامجكم: [التنمية البشرية بين المادية والروحانية] ..... وقد شرحنا في المرةِ الماضية كيف عرّف القرآنُ الكريم الإنسانَ بهويتِه ... كيف كانت تنميتُه الفكرية المعرفية عن الإنسانِ وهويته .... ولننتقلِ اليوم إلى تعريفِ العنصر الثاني من عناصرِ الحضارة، وهو الحياة ... والتي نعبّر عنها عادةً بالعمُر ... ومن المعلوم أن أشدَّ ما يتعلق به الإنسانُ من دنياه إنما هو عمرُه ... أي حياته التي يتعلق بها ... والإنسانُ يعمل ويكدحُ في سبيلِ رزقٍ أو بناءِ دارٍ أو من أجلِ كساء ... أو التلذذِ بطعام ... كلُّ ذلك يعدّ سبباً للعناية بعمرِه وحياتِه ... بغية أن يبقيَ على حياته أكبرَ قدرٍ ممكن ... قال تعالى: { وجاءت سكرةُ الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد }...

 

والواقع أن الحياةَ أقدسُ رأسِ مالٍ يملكه الإنسانُ على الإطلاق ... فالغريزة منطبعة على حبِّ البقاءِ في أصل النفس الإنسانية ... وخلقَ الله الحركاتِ المنعكسة اللاإرادية لتأمينِ المزيدِ من الحمايةِ للحياة الإنسانية كالحركة الانعكاسية التي تعملُ بدون أي قصد ... فعرّف القرآنُ الإنسانَ على حقيقةِ العمرِ الذي يتمتعُ به من حيث البدايةُ والنهاية ... والأحداث التي تنتظر الإنسانَ بعد الحياة ... فبعد جوهرِ الإنسان يأتي أهمية الحياةِ أو العمر الذي هو رأسُ مال الإنسان، قال تعالى: { إنما الحياة الدنيا لعبٌ ولهو ... وزينة وتفاخر بينكم ... وتكاثرٌ في الأموال والأولاد } ... ويقول أيضاً: { لا يغرّنك تقلبُ الذين كفروا في البلاد متاعٌ قليل ثم مأواهم جهنمُ وبئس المهاد }، ويقول أيضاً: { قل متاع الدنيا قليل والآخرة خيرٌ لمن اتقى ولا تظلمون فتيلاً }، ويقول أيضاً: { ولكم في الأرضِ مستقرٌّ ومتاع إلى حين }.

 

فيسلط الضوءَ كثيراً عن تفاهةِ هذه الحياة الدنيا ... وصغرِها وقصر طولِها، يقول تعالى: { ويوم يحشرهم كأنْ لم يلبثوا إلا ساعة من نهار }، ويقول تعالى: { كلا بل تحبون العاجلة } ... كل ذلك تعريفٌ على تفاهةِ هذه الدنيا ... وقصرها ... ولو بقي القرآنُ لا يذكرُ إلا هذا الجانبَ من الحياةِ الإنسانية ... ولا يعترفُ إلا بهذا الجزء منها ... لكان الإنسانُ لا يقيم وزناً لحياته ... ولا يهتم بساعاتِ عمرِه ... الذي يمر به، ولكان الإنسانُ لا يرعى حياتَه ... مادامت بهذه التفاهة ... وربما فكّر بإنهائها والخلاصِ منها ... وربما قال ما ينتجُ عن التافه من الأمور هو تافهٌ أيضاً ... لكنِ القرآنُ لم يقتصرْ على هذا الجانب، بل عرّف الحياة الإنسانية: { من قتل نفساً بغير نفس فكأنما قتل الناسَ جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً }، وقال أيضاً: { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة }، وقال أيضاً: { من عمل صالحاً من ذكرٍ أو أنثى وهو مؤمنٌ فلنحيينَّه حياة طيبة } ... وقال أيضاً: { ولكم في القصاصِ حياةٌ يا أولي الألباب }، { ولا تنس نصيبَك من الدنيا وأحسنْ كما أحسن الله إليك } ... بل أكثر من ذلك، فقد رخّصَ الله للإنسانِ للحفاظِ على حياته عند الإكراه ولو أدّى به أن ينطقَ كلمة الكفر: ( ... إلا من أكره وقلبُه مطمئنٌ بالإيمان } ... وحذّره بأن يزهقَ روحه مهما كانت المخاطرُ والبلاءات التي به، ولا يجوز له أن يقدِم على الافتخار ... كما قال المصطفى صلى الله عليه وسلم.

 

والحقيقة أن المعنى الأول ... الذي يشيرُ إلى قصرِ الحياةِ وتفاهتها هو الذي ينبِّه إلى المعنى الثاني ... أن الحياة هي رأسُ ماله الذي عليه استثمارُه، وأن معنى الحياةِ الطيبة هو الذي ينبهُه لكي لا ينفرَ منها ولا يتعلقَ بها ... فلو لم يعرّفِ الإنسانَ ضالةَ الحياة التي يمرُّ بها لما أفادَه شيئاً علمه بأنه رأسُ مالٍ عظيم متّع اللهُ به الإنسان ... ولو لم يفهمْ أيضاً معنى القدسيةِ فيها وحرفتَها لما فهمَ من معاني تفاهتِها سوى التخلصِ منها لأي ضيقٍ يصيبُه أو محنةٍ تنزلُ به، وإلى اللقاء في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.