الحمد لله رب العالمين ... وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أعزائي المستمعين ... السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد ...


محتويات المقالة

     

    فهذه الحلقة التاسعة عشر من برنامجكم: [التنمية البشرية بين المادية والروحانية] ..... وقد قلنا في الحلقة الماضية أن الإنسانَ في ذاتِه عبد مملوك لله تعالى خُلق من ضَعف، وينتهي إلى ضعف ... ولكنه نظراً للرسالةِ التي حمّله الله إياها يتمتعُ بصفاتٍ نادرة خصّه اللهُ بها...

    وعن ذلك قال تعالى: { إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً } ... أورث الله الإنسانَ العقلَ والتفكير، وسخّر له كثيراً من الحيوانات والمخلوقات ... وغرس في كيانه حبَّ الذات ... والأنانية ... حبَّ التملك ... حريةَ اختيار الأشياء ... زوده بالطاقة والقوة ... والتخطيطِ والترتيب ... والقدرةِ على اتخاذِ القرار بعكس ما تقتضيه الغريزة ... وهذا أمر لا يتوفر في باقي المخلوقات ... والواقعُ أن هذه الصفاتِ التي تمتعُ بها الإنسانُ هي فيوضاتٌ من صفاتِ الربوبية ... أنعم الله بها على الإنسان ... ليستعينَ بها على القيام بمهمته ... هذه المهمةُ هي في قوله تعالى: { هو أنشأكم من الأرضِ واستعمركم فيها } ... وحاصل هذه التبصرةِ والرؤية عن عنصر الحضارةِ الأبرز (الإنسان)؛ أن الإنسانَ الذي يعيشُ وهو لا يدركُ إلا ضعفَه وعجزَه وتفاهته وهوانَه، وهو أنه ... مع مرورِ الوقتِ يركنُ إلى الضعفِ والذل والهوان ... ويكون ضحيةً لأي طغيان ... ويستخفُ به الناس ... وتراهُ لا يعرف كيف ينقلُ نفسَه من حالِ ذلها هذا ... ذلك لأنه يعيش فيه ... في داخلِه ... وتراه عاجزاً ... عن القيامِ بأي خدمةٍ إنسانية ... وعاجزاً عن القيامِ بأي بنيانٍ حضاري ... يعيش على هامشِ الحياة ... وأيضاً من عاش ... وهو لا يعرفُ من ذاتِه إلا صفاتِ التكريمِ التي في كيانه ... وما يعطيه الحقَّ بأن يبسطَ نفوذه وسلطانَه على كل ما حوله وما دونه ... حريٌّ به أن يسكرَ بنشوة تلك الصفاتِ التي هي فيوضاتٌ من صفاتِ الربوبية ... ثم يبسطَ قهرَ ربوبيته الزائفة على سائر المستضعفين ... وهنا يكمنُ التطرُفُ في حالة الإنسانِ الأول ... إلى الذلِّ والمهانة ... والخضوعِ، وفي حالة الإنسانِ الثاني إلى الصلفِ والتجبُّر. وانطلقتِ القصةُ كلها من أنه لم يفهمْ هويتَه بشطرَيها الأرضي والعلوي ... وبالتالي لن يعيَ مهمته الحضارية الملقاةَ على عاتقه ... ونلاحظُ أن القَصصَ القرآني كثيراً ما ذكر هذه الحالة الإنسانية ... قال معبراً عن حالةِ فِرعونَ وكبْرِه وحالِ قومه معه: { فاستخفَّ قومَه فأطاعوه } ... فهو يرسمُ صورةً لاستخفافِ فرعونَ بالناسِ وتكبرِه عليهم ... وذلك لشعوره بتكريمِه ... وعدم الانتباهِ للشطرِ الأول من حقيقتِه التي تتمثلُ بتفاهته وضعفِه ... وكذلك قومُه يرسمون صورةً أخرى أطاعوه من خلالها ... هي استشعارُهم لحقيقةِ ضعفهم ومهانتهم ... وعدم انتباهِهم للشطر الثاني من حقيقتهم التي تتمثلُ بتكريمِ الإنسان ... وفيوضاتِ صفات الربوبية التي متّعه الله بشيءٍ منها ... فما فسدت هذه الأرضُ يوماً بسببِ كوارثَ طبيعيةٍ ... ولا بسوءٍ ألمَّ بها من هياجِ الحيواناتِ والوحوش ... وإنما استشرى بها الفساد ... يوم تاه بنو آدم عن هويتهم بشقّيها ... فتألّه الأقوياء ... وذلَّ الضعفاء ... وخرج بذلك كل فريقٍ عن حدودِ إنسانيته، الأول نحو التعالي والتجبرِ على الأرض ... والعتوِّ والطغيان ... والثاني نحو الخنوعِ والخضوع وتقبلِ الهوان ... فتقطعت سبلُ التعاون ... وظهرتِ الحروب ... وكثرتِ الضغائنُ بين الناس ... وكثرَ الحسدُ والحقد وهكذا دائماً في الماضي ... والحاضر ... وفي المستقبل ... في الغرب ... والشرق ... وفي الشمال والجنوب ... هكذا دائماً هي قصةُ الفساد ... يتعددُ شكلُ الفسادِ ويتنوّع ... إلا أن جذورَه هي هذا الضياعُ عن الهوية ... إذن أول تنميةٍ بشرية كانت للجيلِ الذي بنى وأسس للحضارةِ الإسلامية ... كانت تعريفَه بهويته، وإلى اللقاء في الخلقة القادمة إن شاء الله تعالى، واسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


    تنويه: يمنع نقل هذا المقال كما هو أو استخدامه في أي مكان آخر تحت طائلة المساءلة القانونية، ويمكن استخدام فقرات أو أجزاء منه بعد الحصول على موافقة رسمية من إدارة النجاح نت.