أعزائي المستمعين ... السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد ... فأحمدُ إليكمُ الله الذي بنعمته تتم الصالحات، وبالإخلاص لوجهه تؤتي أكلَها وتتنامى خيراتها، وأصلي وأسلم على حبيب رب العالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


محتويات المقالة

     

    وصلنا إلى الحلقة الثامنة عشرة من حلقات برنامجكم: [مفاهيمُ في التنمية البشرية بين لأصالة والمعاصرة] ..... وقد قلنا فيما مضى أن التنمية البشرية في تراثِ الحضارة الإسلامية على الصعيد الفكري والمعرفي أتت نسجَ شبكةٍ عريضة واسعة. أتت لتشملَ كلَّ الناس، مما يؤهلهم بعد ذلك أن يسعَوا بدورهم لتقديم ما لديهم حسب مهاراتِهم وتخصصاتهم ضمن هذه الشبكة المثلى.

     

    الإنسان كما قلنا هو عنصرٌ من عناصر الحضارة ... اهتمَّ القرآنُ بالإنسانِ ما لم يهتمَّ بكائنٍ آخرَ فنزلت أولُ آيةٍ على خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم: تشرح له أصلَ وجودِه: { اِقرأ باسمِ ربك الذي خلق خلق الإنسانَ من علق } ... وخاطبَ القرآنُ الناسَ جميعاً بقصةِ نشأتِهم فوقَ هذه الأرض، وكيف خلقَ اللهُ أباهم آدمَ عليه السلام، ومنزلته بين سائر مخلوقاته. والتكريمُ الذي حصل عليه حتى على ملائكته ...

     

    والواقع لدى التأملِ في هويةِ الإنسان وكيف أتت في ديننا، وبالتالي رُبيَ عليها الفردُ المسلم ونمّيَ ذاتياً على أساسها هو أمام صورتين ... صورةٍ تشدُّه إلى الأعلى ... وصورةٍ تشدُّه إلى الأسفل؛ كأن تشجع المدرسة الطالبَ للتفوق ... وبالوقت ذاته تتوعدُه على تقصيره ... الصورةُ الأولى، بل الحقيقة الأولى أن يركز البيانُ الإلهي في القرآنِ بأساليبَ شتى على أن الإنسانَ مخلوقٌ تافه، أصله الأولُ من تراب؛ قال تعالى: { فإنا خلقناكم من تراب }، وأصله الثاني بالتوالد؛ قال تعالى عنه: { ثم من نطفة }، بل أكثر من ذلك يقول تعالى: { من ماء مهين } ... { فلينظر الإنسان مم خلق خلق من ماءٍ دافق يخرج من بين الصلب والترائب } ...

    ويقول أيضاً: { قتل الإنسانُ ما أكفره من أي شيءٍ خلقه من نطفة خلقه فقدّره ثم السبيلَ يسره } ...

    { إنا خلقنا الإنسانَ من نطفةٍ أمشاجٍ نبتليه ... فجعلناه سميعاً بصيراً } ...

    ثم وإن طالت به الحياةُ سيعودُ إلى أرذلِ العمُر { لكي لا يعلمَ بعد علمٍ شيئاً } ...

    فإن أيَّ متأملٍ لتعريف الهويةِ لتعريف الذات ..... يذل ويطامن ... وينمحي منه الكِبرُ والشموخ والأنفة ... بل على العكس ... لن يعاند ... لن يخاصم ... هذا علاوة على عدم وقوعِه في شركِ التخمينات وإضاعةِ الوقت بها فيما يتعلق بنشأته ... وبنظرياتٍ ما أنزل اللهُ بها من سلطان ... لا تغني عن الحق شيئاً، ثم يضعه أمامَ حقيقتِه الثابتة التي ذكرناها سابقاً في الحلقات الماضية ... بأنه المخلوقُ المكرّم على سائر المخلوقات ... وأن اللهَ أسجدَ إليه ملائكتَه ... متمثلاً في شخص أبيه آدم عليه السلام ... وقد شرّفه الله بالخلافةِ ليقومَ ببنيان الحضارةِ على أسسِ العدالة ...

     

    وقلنا أنه الكائن الوحيدُ الذي شرّفه الله بالعقل والتفكيرِ والقدرة على إدارةِ الأمور قال تعالى: { وعلم آدمَ الأسماءَ كلها }، نعم علمه الله كلَّ الأسماء { ثم عرضهم على الملائكةِ فقال أنبئوني بأسماءِ هؤلاء إن كنتم صادقين قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم }، وقال تعالى: { علم الإنسان ما لم يعلم } ... وقال أيضاً { ولقد كرّمنا بني آدم } ... وقال أيضاً: { وفضلناهم على كثيرٍ ممن خلقنا تفضيلاً } إذن ... فالله عزّ وجلّ عرّف الإنسانَ بقصةِ نشأته وأعلمه أنه مخلوقٌ تافه من حيث النشأة، قال تعالى: { هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً } ... فهو لا شيءَ بالنسبة حتى لوجودِه من ماءٍ مهين ... من تراب ... من طين لازب ... ثم عرّفه بأنه قد نفخَ فيه من روحه وأعلن أنه كرّمه ... ثم جمع بين الأمرين في قوله: { لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم .... ثم رددناه أسفل سافلين ... إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } ... إلى اللقاء في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


    تنويه: يمنع نقل هذا المقال كما هو أو استخدامه في أي مكان آخر تحت طائلة المساءلة القانونية، ويمكن استخدام فقرات أو أجزاء منه بعد الحصول على موافقة رسمية من إدارة النجاح نت.