الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم، على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أعزائي المستمعين ... السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد ...

 

فهذه هي الحلقة الثالثة عشرة من حلقات برنامج: [التنمية البشرية بين المادية والروحانية] ..... وقد وصلنا في الحلقة الماضية إلى الحديث عن حقيقة الإنسان وجوهره ... بين هذه المخلوقات ... نحن نلاحظ أن الإنسان هو الكائن الوحيد بين كل الكائنات التي نراها من حولنا يتمتع بالعقل الذي يميزه عن باقي الحيوانات العجماوات .... فالإنسانُ يتكون من مركبات ثلاثة (الجسد ... والغرائز النفسية التي يشترك فيها مع كافة الحيوانات ... والروح القابعة في كيانه) ... هذه الروح هي غيرُ الروح التي يتمتع بها سائرُ الحيوانات، هذه الروح تشعُّ على الدماغ فيتشكلُ العقل، وتشع على القلب فينبضُ القلب بالمشاعر والوجدانات التي لا تشاركه فيها باقي الحيوانات، وتشع هذه الروح على الجسد فتحيلُه حركة ونشاطاً؛ فتعلمُ أن هذا الإنسانَ ينبض أمامك بالحياة ... فمهما شعتْ روحُ الحيوان على دماغه لا نجد لها عقلاً، وإنما نجد لها غرائزَ تسير وفقها وعلى هداها ...

 

ولنلاحظْ كيف بيّن الحق ـ جل وعلا ـ هذا التكريمَ الذي كرّم به الإنسانَ، فقال عن أبينا آدمَ عليه السلام ـ مخاطباً وآمراً ملائكته بالسجود له ـ: { فإذا سويته } أي آدمَ { ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين }، ونلاحظ هنا كيف أن الحقَّ ـ سبحانه وتعالى ـ نسب هذه الروحَ إلى ذاتِه العلية تشريفاً وتقديساً، فقال: { روحي }، وياء النسبة هنا تدل على التكريم والتشريف ـ كما يقول علماء العربية ـ بسر هذه الروح التي كرم الله بها الإنسان ... كرم الإنسان ... وصار صالحاً لتلقيَ الخطاب وصالحاً لإقامةِ الحضارة الإنسانية المثلى، قال تعالى: { إني جاعلٌ في الأرض خليفة }، وقال أيضاً: { هو الذي أنشأكم من الأرضِ واستعمركم }، أي كلفكم بعمارتها....

 

وما هو الإسلام ؟ ... باختصار هو مائدةٌ غنيت بكل ما يصلح لهذا الكائن البشري من غذاء ودواء، فيها طعامٌ للجسد؛ لينموَ ويصلحَ شأنُه، وفيها طعامٌ للغرائز؛ لتعتدلَ وتقضيَ هذه المهمة الإنسانية المنوطة بها، وفيها غذاءٌ للروح ... وإن شئت قلت: (غذاءٌ ودواء للعقل) ... وإن شئت قلت: (غذاءٌ ودواء للقلب) ... وإن شئت قلت: (غذاء ودواء للشعور) ... وإن شئت قلت: (غذاء ودواء للسلوك). لكنِ المطلوبُ أن يأخذَ كلُّ مركَّب من مركبات هذا الإنسان غذاءَه الخاص به، دون أن يطغى ويكبرَ هذا الجزءُ على حساب الأجزاءِ الأخرى ... ويجب أن يكونَ للروح أيضاً غذاؤها؛ ليقودَ هذا المركِبَ الكامل إلى برِّ الأمان. قال تعالى: { قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً }.

 

نحن حقاً لا يمكن أن نتوصلَ إلى ماهيّةِ الروحِ وحقيقتِها، ولكننا نستطيعُ أن نتعرّفَ على آثارِ هذه الروحِ المتجليةِ علينا، وقصةُ هذه الروح ... قصةُ أشجان، هي من عالمٍ غيرِ عالمِ المادة ... من عالمِ الأمر كما وضعها الله تعالى في القرآن الكريم، أتى بها من عالمِ الملإِ الأعلى وأُهبطت بأمرٍ من الله تعالى إلى هذا القفصِ الجسدي لتُحبَسَ فيه إلى حين، وتخوضَ هذه التجربة البشرية { إنا عرضنا الأمانة على السمواتِ والأرض والجبال فأبينَ أن يحملنها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً }، فالروحُ هي سرُّ الإنسانِ وجوهرُه، وهي المخاطبُ والمكلفُ والمعاتب والمحاسب ... وهي التي سمّاها القرآنُ على اعتباراتٍ تارة: (النفس)، وتارة: (القلب)، وتارة: (العقل)، وتارة: (الروح)، وتارة: (الإنسان). فكيف كانت التنمية البشرية في جيلِ الحضارة الإنسانيةِ لمسمّى الإنسان على ضوءِ مـا ذكرناه عن الروح ؟ .... هذا ما سنبحثه في الحلقة القادمة ـ إن شاء الله تعالى ـ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.