الأبعاد السياسية للحوار بين الأديان

الحوار الاسلامي المسيحي نموذجا

سامر رضوان أبو رمان

عمان -الأردن دار البيارق-2002

يستعرض هذا الكتاب محاولة التعرف على الأبعاد السياسية المختلفة للحوار الإسلامي المسيحي، الذي بدوره يؤدي إلى تحقيق جملة من الأهداف بحسب رأي الباحث حيث إن استخراج الأبعاد السياسية من هذا الحوار من الممكن أن يعطي صورة كلية عن طبيعته في جانبها السياسي، كما يؤدي إلى إزالة ما يكتنفها من غموض ويكشف عن العوامل المؤثرة فيها.


محتويات المقالة

     

     

     

    وتبحث الدراسة في العلاقة بين الدين والسياسة، في تطرقها للأبعاد السياسية لظاهرة الحوار بين الأديان، وبشكل خاص الحوار الإسلامي المسيحي، بصورتها المؤسسية الساعية نحو الاتفاق والتقارب، التي لم تظهر إلا أواسط القرن العشرين .
    وقد تمكن المؤلف من إبراز الطابع السياسي للظاهرة في تطورها وأهدافها وخصائصها، ودوافعها، وكذلك في المفاهيم والقضايا الواقعية التي تناولتها، واستعان المؤلف لبلوغ هذا الهدف بمجموعة من النصوص متناولاً إياها نقداً وتحليلاً، ساعياً إلى بيان ما اكتنف الظاهرة من سلبيات وإيجابيات في أبعادها الفكرية والحركية تمهيداً لوضع أسس ومبادىء عامة تصلح لكي ينطلق منها أهل العلم في الحكم على الظاهرة .
    وتجدر الإشارة إلى أن هذه الدراسة وإن كانت في أصلها عبارة عن رسالة ماجستير إلا انها لم تُكن أكاديمية نظرية مجردة، بل بنيت كذلك على معايشة المؤلف للظاهرة كما يقول من خلال مشاركته الفعلية في بعض مداولات الحوار بين الأديان في الأردن، وألمانيا، التي مكنته من تبادل المعرفة ووجهات النظر مع بعض رموز الحوار في الوقت الحاضر إقليمياً ودولياً.
    حيث تنشط بعض المؤسسات المهمة في تبني هذا الموضوع.


    يركز الكتاب على مفهومين رئيسين هما: الأبعاد السياسية والحوار الإسلامي المسيحي، ويوضح الباحث قصده بالأبعاد السياسية بأنها مختلف الجوانب المرتبطة بالسلطة السياسية التي تم استخراجها من خلال التأمل، والتعمق، والإمعان في أدبيات الحوار المسيحي الإسلامي، ويقصد بالحوار الإسلامي المسيحي، بأنه تلك اللقاءات الحوارية على مستوى الأفراد والجماعات.
    وقد عرض الباحث الموضوع من خلال ثلاثة فصول وهي:

    الفصل الأول: الطبقة السياسية للحوار الإسلامي المسيحي.
    الفصل الثاني: المفاهيم السياسية في الحوار الإسلامي المسيحي.
    الفصل الثالث: القضايا السياسية في الحوار الإسلامي المسيحي.


    وانطلقت الدراسة في معالجتها للموضوع من مقولة أساسية اتضحت صحتها للباحث إلى حد كبير، فتبين أن لظاهرة الحوار الإسلامي المسيحي أبعاداً سياسية، بعضها نابع من طبيعة الظاهرة، وبعضها من خلال تناول الظاهرة لبعض المفاهيم السياسية، والبعض الآخر من تناولها لبعض القضايا السياسية، كما أثبتت الدراسة مقولاتها الفرعية، فبالنسبة للمقولة الأولى تبين أن متابعة طبيعة الحوار الإسلامي المسيحي في تطورها وأهدافها وخصائصها وضوابطها ودوافعها ومعوقاتها كشفت البعد السياسي فيها، وتبينت أيضاً صحة المقولة الثانية إذ شكلت بعض المفاهيم السياسية في الحوار الإسلامي المسيحي أهم منطلقات البعد الفكري النظري في الحوار، وأخيراً اتضحت صحة المقولة الفرعية الثالثة كذلك، حيث شكلت بعض القضايا السياسية في الحوار الإسلامي المسيحي أهم منطلقات البعد السياسي الواقعي في الحوار.


    استخلص الباحث النتائج التالية من الدراسة:
    1 أخذت الأبعاد السياسية مكانة بارزة في الحوار الإسلامي المسيحي منذ نشأته الأولى في منتصف ستينيات القرن العشرين، ولقد تشكلت هذه الأبعاد في طبيعة ظاهرة الحوار الإسلامي المسيحي وأهم المفاهيم السياسية في الظاهرة، كما تمثلت الأبعاد السياسية في جوانب إيجابية وأخرى سلبية .


    2 تفاوتت الصعوبة في عملية استخلاص الأبعاد السياسية، ففي حين كانت بعض الأبعاد السياسية واضحة ومباشرة في بعض اللقاءات وخاصة تلك التي خصصت لبحث بعد سياسي واضح ومحدد إلا أنها في أحيان أخرى كانت عملية اجتهادية تتوقف على قدرة الباحث على استنباط المعاني والدلالات السياسية لبعض المفاهيم والقضايا التي تناولها الحوار حيث إن هذه العملية أتاحت الفرصة للتحيز وتحميل نصوص الحوار ما لا تحمله من دلالات سياسية، وهذا افترض على الباحث أن يكون موضوعياً وعادلاً قدر الإمكان في عملية الاجتهاد.


    3 تأثرت مسيرة الحوار الإسلامي المسيحي بالبيئة السياسية من متغيرات إقليمية وتوجهات سياسية وقد حصل في بعض الأحيان أن تم توظيف ظاهرة الحوار الإسلامي المسيحي لخدمة أغراض سياسية ولمصلحة بعض السلطات السياسية، مع ذلك كانت هناك حالات من الرفض لهذا التوظيف من قبل بعض أطراف الحوار، إلا أن مخالفة هؤلاء بقيت محدودة ومقيدة.


    4 سيطرت المفاهيم السياسية التي تهم الطرفين مجتمعين أكثر من تلك التي تهم طرفاً واحداً بعينه، وقد انتظمت هذه المفاهيم ضمن محورين رئيسين، أولهما:
    طبيعة العلاقة بين أتباع الديانتين كما هو واضح في العيش المشترك والسلام العالمي، وثانيهما: العلاقة بين الدين والدولة كما في العلمانية والقومية.
    وكانت مواطن اللقاء بينهما أكثر في المحور الأول على حين برزت مواطن الخلاف في المحور الثاني. ويلاحظ أنه في بعض المناطق تسيطر بعض المفاهيم السياسية التي فرضت نفسها لظروف سياسية خاصة بها مثل العيش المشترك في لبنان.


    5 سيطرت القضايا التي لها ارتباط بالعلاقة بين الطرفين مثل الأقليات والاستقرار السياسي وأزمة الخليج، وتغيرت مسيرة الحوار الإسلامي المسيحي بالاهتمام بقضية دون غيرها مثل الأقليات والاستقرار السياسي وكذلك لظروف سياسية فرضت نفسها.


    وفي تناول القضايا تبين أن الطرف المسلم كان أكثر تعرضاً للقضايا السياسية واشترك معه في ذلك الطرف المسيحي العربي كما هو الحال في قضية الصراع العربي الإسرائيلي وأزمة الخليج والقدس، في حين يلاحظ أن الطرف المسيحي الغربي كان بعيداً عن التطرق التفصيلي لهذه القضايا، وكان يكتفي بالتعرض لها من خلال نصوص عامة لا تصل إلى درجة توضيح الموقف، ولعل هذا تبريره من النزعة التي تفضل الأمور الروحية على الأمور السياسية. وهذا الاختلاف ما بين العربية والغربية تَمثّل بدرجة كبرى في القضايا التي تتعلق بالهمّ العربي، حيث كان الطرف المسيحي العربي يلتقي مع الطرف المسلم في حين نجد الطرف المسيحي الغربي يكتفي بالعموميات ويقف غالباً موقف الحياد.

    6 لقد سادت النظرة الإيجابية في طبيعة العلاقة بين الإسلام والمسيحية في أدبيات الحوار الإسلامي المسيحي، حيث ركز الطرفان على استدعاء النصوص الشرعية وغيرها التي تحث على قبول الآخر من جهة واستبعاد وانتقاد النصوص التي تدل على نفي الآخر، كما في نصوص الجهاد والحرب.


    7 تبين أن الجانب المسيحي أكثر إدارة لمسارات الحوار، ويعود ذلك إلى أن الطرف المسيحي تحمل في الأغلب الأعم زمام المبادرة مما يؤدي إلى جعله يختار الموضوعات، التي كانت في أغلبها مواضيع أخرى تهم الغرب مثل الأصولية والجهاد والردّة وتعدد الزوجات والعلمانية وصلة الإسلام بالأديان الأخرى والعلم والحضارة والدولة والسياسة والأقليات غير الإسلامية، مع ملاحظة وجود مبادرات إسلامية أدت إلى المشاركة في اختيار الموضوعات، وسبب آخر لما سبق يتعلق بطبيعة الطرف المسيحي حيث انه يفوق الطرف المسلم أكاديمياً، كما أنه في أغلب الأحيان مختص بقضايا الحوار في حين نجد الطرف المسلم في أغلبه من غير المتخصصين في الديانة المسيحية والعلاقات الإسلامية المسيحية، وقد يعود ذلك إلى عدم وجود مركز إسلامي واحد متخصص لهذه الغاية.


    8 يرى الباحث أن دعوة الحوار الإسلامي المسيحي واستناداً إلى الدراسة الفلسفية التي اتضحت في بعض مساراته تشكل إرهاصات أولية لإذابة الفروق بين الأديان على المدى البعيد ، مما يشكل تمهيداً لدعوة وحدة الأديان التي يشترك دعاتها أحياناً مع دعاة دعوة الحوار الإسلامي المسيحي.
    وفي هذه المعادلة يتضح أن الخاسر هو الطرف الإسلامي الذي يشكل دينه أسرع الأديان انتشاراً في العالم، ولكن بالرغم من ذلك يرفض الباحث وينتقد الباحثين الذين يخلطون بين الظاهرتين ويحكمون عليهما الحكم نفسه.


    9 يلاحظ أن دائرة الحوار الإسلامي المسيحي آخذة بالاتساع في مجال إشراك الطرف اليهودي، وتشابه دعاة الحوار الثلاثي الإسلامي المسيحي اليهودي أحياناً مع دعاة دعوة الحوار الإسلامي المسيحي، وعلى الجانب الآخر تظهر دعوات حوارية ضمن الإطار العربي تهدف إلى تكوين جبهة إسلامية تجاه الفكر الصهيوني والأطماع الإسرائيلية .


    10 اختلفت وتعددت الآراء والاتجاهات في الحكم على ظاهرة الحوار الإسلامي المسيحي من الطرفين، ولقد حاول الباحث في ثنايا الدراسة الابتعاد عن إصدار حكم يمثل رأي الباحث باعتباره طرفاً مسلماً، وذلك لأن الباحث غير مؤهل لذلك من جهة، ومن جهة أخرى التزاماً بعنوان الدراسة والحقل الذي ينتمي إليه، إلا أن ذلك لا يمنع الآن في هذا السياق من تدوين بعض الملحوظات التي قد تساهم في إعطاء الحكم الدقيق على هذه الظاهرة بغية خدمة أحد أهدافها العملية.

     

     

    الجزيرة .كوم -المجلة الثقافية

    الأبعاد السياسية للحوار بين الأديان


    تنويه: يمنع نقل هذا المقال كما هو أو استخدامه في أي مكان آخر تحت طائلة المساءلة القانونية، ويمكن استخدام فقرات أو أجزاء منه بعد الحصول على موافقة رسمية من إدارة النجاح نت.