إنه طلب يتكرر كثيراً بين النساء والرجال! فالرجل يقول افهميني، والمرأة أيضا تقول افهمني. ولا ينبغي علينا أن نتعامل مع هذا النداء سواء من الرجل أو من المرأة باستخفاف ظنا منا أن الأمر لا يعدو إلا  أن يكون اشتباكا لفظيا في موقف من مواقف الاختلاف في وجهات النظر- أو حتى الشجار.

 

إن القضية من وجهة نظري أعمق من ذلك وتقوم علي شقين، الشق الأول هو طبيعة كل من الرجل والمرأة كجنسين مختلفين، والشق الثاني طبيعة كل طرف بشخصه كبني آدم مختلف عن الطرف الآخر. وأنا أريد أن أركز علي الشق الأول لأن أكثرية الذين يركزون علي حل الخلافات الزوجية أو التقريب في وجهات النظر يركزون علي الشق الثاني ولا يولون لهذا الشق الأول نفس الاهتمام، رغم أصولية مشاركته – من وجهة نظري – في كثير جدا من الخلافات.

 

وقبل أن أسترسل في الشق الأول، أضرب مثالا للشق الثاني، قد يختلف الطرفان في قضية حجم الإنفاق في البيت، لأن أحدهما مبذر أو بخيل، وقد يكون أي طرف منهما هو المبذر أو البخيل، فكم من النساء مبذرات وكم من الرجال أيضا مبذرين، وكم من الرجال بخلاء وكم من النساء أيضا بخيلات، فالعبرة هنا أو لنقل أصل المشكلة في أخلاق أو طبيعة كل طرف كإنسان، وليست المشكلة هنا بسبب جنس أي من الطرفين، فالمشكلة هنا لم تنشأ بسبب أن جنس الرجال بخيل، أو أن جنس النساء مبذر، أو العكس بسبب أن جنس الرجال مبذر، وأن جنس النساء بخيل وكذلك عندما يأتي طرف ثالث يتوسط لحل المشكلة فإنه يذهب للطرف المخطيء ينصحه بالعدول عن خطئه فيقول له إذا كان بخيلا، لا تبخل، وإن كان مبذرا، لا تبذر.

 

أما المشاكل التي تنجم بين الطرفين بسبب جنسهما، فالأمر فيها يحتاج إلي طريقة أخري للتعامل، لأنه ليس باستطاعة أي طرف أن يغير جنسه، وليس من الحكمة لأي طرف خارجي يتوسط في حل الخلاف أن يطالب أي طرف بتغير جنسه لينهي المشكلة، لأن ذلك أقرب للهزل والعبث! بل هو عين الهزل والعبث! دعونا نضرب مثالا لذلك، فالمرأة لها طبيعة انفعالية أسرع من الرجل، وهذه الطبيعة الانفعالية مناسبة تماما لوظيفتها الرئيسية والتي هي الأمومة، إن الله تعالى وضع فيها هذه النظرة لتكون تلبيتها لنداء وليدها وصغيرها تلبية فورية غير قائمة على الحسابات العقلية والموازنات الظرفية، لأن الأمر لو كان غير ذلك لهلك الطفل وبئس!

 

وتخيلوا معي وليدا يبكي لألم أصابه أو جوع نال منه فلا تقوم له والدته إلا قيام التنابلة بمنتهي البطء والتثاقل وعدم الاكتراث والبلاهة، إنني أعدكم بأن هذا الوليد لن يعمر كثيرا، إن هذه الرقة الباكية تحتاج إلي احتواء واحتضان فوري وفي أي وقت من ليل أو نهار، ليس ذلك وفقط بل وعن حب ورضا وسعادة! وربما يكون الذي دفع المرأة لهذا التحرك الفوري واتخاذ هذا الموقف النفسي شيء بسيط أصاب وليدها، ولكنه بالنسبة إليها ليس كذلك، أولعله يكون كذلك بالنسبة إليها ولكنها لا تكترث بحجمه علي قدر ما تكترث بأثره علي وليدها.

 

السؤال الذي يطرح نفسه هنا، هل هذه الطبيعة يمكن للمرأة أن تحيدها مع طرف، في الوقت الذي تطلق لها العنان فيه مع طرف آخر، أم أن المرأة تتصرف بهذه الطبيعة مع كل الأطراف سواء كان وليدها أم زوجها! أم غيرهما؟! ودعوني أوضح أكثر؛ ربما يكون الذي أثار شفقة الأم وعبأها نفسيا في حالة وليدها شيء بسيط كما ذكرت، وربما يكون الذي أثارها حالة احتلافها مع زوجها وعبأها أيضا ضده شيء – كذلك - بسيط، وربما يكون الذي أثارها من جيرانها وعبأها نفسياً ضدهم شيء – أيضا - بسيط، وربما يكون الذي أثارها من أخيها وعبأها أيضا نفسيا تجاهه شيء بسيط.

 

إن القضية هنا ليست قضية أخلاق شخصية بقدر ما هي طبيعة مرتبطة بالجنس، ولابد أن تفهم المرأة ذلك عن نفسها، ولابد – كذلك – للرجل أن يفهم ذلك عن النساء، لأنه إذا أدرك ذلك فلن يبادرها بما يثير حفيظتها ضده أكثر، أو يشعل غيظها تجاهه إلي أقصي الدرجات، أتدرون بما يبادر الرجل المرأة إذا اشتكت له بما أثار حفيظتها منه أو من والدته أو من جيرانهم، أو من أي طرف كان، أنه يبادرها بقوله: الموضوع بسيط، وتافه، ولا يستحق كل هذه الثورة منك! وطبعا – ليس هناك حاجة أن أسرد على حضراتكم تداعيات هذه المقولة الموفقة جدا من الرجل لامرأته!

 

لو فهم الرجل هذه الطبيعة في المرأة- وأراد أن يحسن معاشرتها، فإنني أعتقد أنه سيتخير كلاماً مغايراً تماماً لما قاله، ولمر الموضوع أو المشكلة بشكل أهدأ علي كل الجوانب! تعالوا الآن نستدير للرجل ونحاول أن نفهم جزء من طبيعته، لتفهمه المرأة أولا، ثم لتحسن معاملته- إذا أرادت – ثانيا. أغلب الظن أن الوظيفة الأولي للرجل كانت الصيد، فقد كان الرجل يترك زوجه مع صغيرها في مكان آمن، ثم يخرج هو ليأتي لهم بما يطعمون، ووظيفة الصيد كما نعلم جميعا تحتاج إلي ملكات معينة، منها عدم الانفعال السريع، لأن الانفعال السريع يثير حركة والحركة تضيع الفريسة لأنها تنبهها بوجود من يتربص بها، ومنها طولة البال لتحين أنسب الأوقات للانقضاض على الفريسة، ومنها قوة وحدة وجرأة الانقضاض، إذ لا معنى للانقضاض البطيء أو الضعيف الذي يضيع الفريسة، ومنها الكثير غير ذلك.

 

وكما نرى فإن الله أودع الرجل مثل هذه الصفات لأنه بدونها لا يستطيع أن يؤدي وظيفتة الرئيسية المنوطة به، وهي حماية ورعاية من يعول فهل هذه الطبيعة يستطيع الرجل أن يحيدها مع طرف أو مجال، أو يستفرغها بكل قوة في مجال آخر؟ بمعنى هل بطء الانفعال هذا، وإطالة البال من الممكن أن يمارسه في عمله ومع أقرانه ثم يستبدله مع امرأته بانفعال كانفعالها، فيلبي لها طلبها أو حاجتها أول ما تطلب ويثور بنفس درجة ثورتها لما أغاظها وأغضبها، ويطلق لنفسه العنان في الرد والانتصار لها من كل الناس بغير أن يتريث أو يسمع أو يفكر في العواقب؟!

 

أعتقد أن الموضوع يحتاج وقفة تدبر وتأمل، لأنه من الممكن أن يؤثر – حالة فهمنا له – في علاقتنا ببعضنا البعض ! إن المرأة التي تتهم زوجها – بالتنبلة – وعدم الاكتراث لها وعدم تلبيته مطالبها وبتفضيل كل الناس عليها، لمجرد أنه تأخر في تنفيذ ما أرادت، تبادر هي كذلك الرجل بما يثير حفيظته ويأججه نحوها، لأنه من وجهة نظره يراها تحمل عليه، ولا تقدر صنيعه لها ولأولادها، إنه يراها في كثير من الأحيان ناكره للجميل غير شاعرة به، ولو فهمت المرأة هذه الطبيعة في الرجل – ولم ترد استفزازه – فإنها ستطلب منه ما تريد بأسلوب آخر، وستتحين وقت الطلب، وستتوقف عن إحباطه ومعاتبته في كل وقت وحين. الأمر الذي يوسع صدره عليها أكثر ويجعله أكثر احتواء لها وصبراً عليها! صدقوني إن الموضوع جدير بإعادة النظر وبالتفكير فيه، وصدقوني لو فهمنا بعضنا البعض وفهمنا اختلافنا، وأقررناه، فستكون حياتنا أهدأ وألذ. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

عمرو خالد يكتب لمجلة المرأة اليوم بتاريخ 11 يونيو 2005