من هو ابن بطوطة؟
هو أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن يوسف اللوائي الطنجي، الشهير بابن بطوطة. هذا اللقب الذي حصل عليه من أمه وقد كانت عادة شائعة عند أهل المغرب حيث ينسب اسم الأبناء للأم.
وُلد أبو عبد الله في مدينة طنجة عام 703هـ/ 1304م، ويُنسب إلى قبيلة لواتة البربرية، التي انتشرت بطونها على طول سواحل إفريقية حتى مصر، وينحدر من أسرة عالية، أُتيح لكثير من أبنائها الوصول إلى منصب القضاء والنبوغ في العلوم الشرعية.
درس ابن بطوطة في طنجة العلوم الشرعية وفقًا للمذهب المالكي السائد في أقطار المغرب، ولكنه لم يتم دراسته؛ ففي سن الحادية والعشرين خرج في أول رحلاته، تحيث تدل الوقائع انه لم ينتظر حتى يستكمل دراسة الفقه؛ والواضح أن رغبته في السفر والتجوال أعجلته عن إتمام الدراسة.
كان الدافع وراء خروج ابن بطوطة لرحلاته أولاً أداء فريضة الحج، إضافةً إلى رغبته في رؤية أحوال الناس في مختلف الأقطار، وشوقه إلى المعرفة، وولعه بالتنقل والمغامرة والتجربة، ومعرفة أحوال الدنيا من حوله.
رحلات ابن بطوطة:
سافر ابن بطوطة لكثير من الدول والأقاليم، ومما ميز هذه الأسفار المدة الزمنية الطويلة التي استهلكتها هذه الأسفار، وربما يعود سبب هذه الرحلات الطويلة رغبته بالإطلاع على عادات وأخبار الشعوب والوصول إلى مدن لم يصلها قبله:
رحلة ابن بطوطة في الحج:
في بداية العشرينات قصد ابن بطوطة بيت الله الحرام خارجا من طنجة 725هـ/ 1326م ومن هنا بدأت أول رحلاته، حيث طاف بأنحاء المغرب الأقصى، ثم اتجه نحو الشرق عبر الجزائر أو المغرب الأوسط، ثم إلى تونس وليبيا، وانتهى به المطاف في مصر. ومن الإسكندرية اتجه جنوبًا إلى القاهرة ثم إلى الصعيد حتى وصل إلى ميناء عيذاب على ساحل البحر الأحمر، ثم عاد إلى القاهرة وتابع رحلته إلى مكة المكرمة عن طريق بلاد الشام.
فقد وصف في رحلته هذه مكة المكرمة والمسجد الحرام والكعبة المشرفة وصفا مفصّلا. بالإضافة إلى وصفه أهل مكة وشعابها ومحاسنهم وعاداتهم في الحج والصوم واستقبال الشهور.
رحلة ابن بطوطة إلى العراق وبلاد فارس ومصر:
بعد أداء فريضة الحج اتجه إلى العراق وإيران وبلاد الأناضول، وفي طريقه مر بالكثير من المدن، وفي كل مدينة زارها أخذ بوصفها وصفا دقيقا ووصف سكانها ومن المدن التي زارها في العراق: البصرة، واسط، والكوفة وبغداد والموصل، كذلك فعل عندما ارتحل إلى بلاد فارس، فد زار ابن بطوطة مدينة شيراز الفارسية وهي إحدى المدن الكبيرة، وفيها وصف فن العمارة المتقدم في هذه البلاد والبساتين والأنهار المتدفقة الغنية فيها.
وصل ابن بطوطة إلى الإسكدنرية سنة 1326م، فوصف بنائها بأحسن ما يكون من الوصف وأبوابها الأربعة، ووقف على النيل متنقلا منه إلى الأهرامات ذاهلا بما رأى فوصفها بعجائب الدنيا التي ليس لها مثيل.
رحلة ابن بطوطة إلى اليمن والخليج:
عاد إلى الحجاز وحج للمرة الثانية بعد عودته من رحلة مصر وبلاد فارس، وبقي في مكة سنتين. وفي عام 730هـ/ 1329م غادر الحجاز إلى اليمن وبلاد الخليج العربي، وقد تحدث ابن بطوطة عمّا وجده هناك من تقاليد وعادات وأنواع أطعمة غريبة لم يشاهدها من قبل.
في رحلة اليمن قصد الرحالة ابن بطوطة قاضي القضا، صفي الدين الطبري، واتجه بعدها إلى صنعاء واصفا مناخها وبساتينها وبنائها، لينطلق بعدها إلى عدن واصفا مينائها وموقعها.
رحلة ابن بطوطة إلى آسيا والهند:
اتجه ابن بطوطة إلى بلاد الروم (الدولة البيزنطية)، ومنها عاد إلى مكة ليحج للمرة الثالثة، ثم قطع البحر الأحمر فوصل إلى وادي النيل كي يحاذيه باتجاه الشمال قاصدًا سوريا، ومنها ركب البحر من اللاذقية قاصدًا آسيا الصغرى حيث نزل ميناء آلايا، ومنه إلى ميناء سينوب على البحر الأسود، ثم قصد شبه جزيرة القرم، وتوغل حتى بلاد روسيا الشرقية، وهناك انضم إلى سفارة السلطان محمد يزبك الذاهبة إلى القسطنطينية، وعاد إلى القرم كي ينطلق منها إلى بخارى وبلاد الأفغان، إلى أن وصل إلى دلهي على نهر الغانج فاستقر بها مدة عامين، عمل خلالهما قاضيًا للمذهب المالكي.
رحلة ابن بطوطة إلى الصين:
حاول الرحالة أن يرافق بعثة سياسية أرسلها سلطان الهند محمد شاه إلى ملك الصين، فلم يتجاوز جزائر (ذبية المهل)، حيث استقر مدة سنة ونصف تولى فيها منصب القضاء، وبعدها استمر في رحلته عن طريق ساحل البنغال، ودخل بلاد الهند الشرقية وجزر إندونيسيا، ووفِّق إلى زيارة الثغرين الصينيين زيتون (تسوتونج) وكانتون.
من الغرائب التي ذكرها ابن بطوطة عن نظام التأمين الاجتماعي في الصين؛ أن العامل أو الصانع كان يُعفى من العمل وتنفق عليه الحكومة إذا بلغ الخمسين، وأن من بلغ ستين سنة عَدُّوه كالصبي فلم تُجْر عليه الأحكام.
ثم قفل إلى الجزيرة العربية عن طريق سومطرة والهند في 748هـ/ 1347م، ومنها صعد في الخليج العربي، وعاد إلى بلاد فارس عن طريق ميناء هرمز، ثم سافر إلى العراق فبلاد الشام، فمصر، ومنها انطلق إلى مكة ليؤدي فريضة الحج للمرة الرابعة.
آخر رحلات ابن بطوطة:
بعد أداء فريضة الحج الرابعة واصل ابن بطوطة سيره عائدًا إلى بلاده عبر مصر وتونس والجزائر حتى وصل فاس في المغرب الأقصى عام 750هـ/ 1349م، وبعد أن قام فيها مدة عام، ليعاوده الشوق والحنين إلى الارتحال، فقام برحلة عام 751هـ/ 1350م إلى غرناطة بالأندلس.
ثم رجع إلى فاس ليهيئ نفسه لرحلة إلى إفريقيا الغربية عام 754هـ/ 1353م، فدخل تومبوكتو وهكار، ومنها عاد إلى المغرب عن طريق مدينة توات، ليستقر هناك حتى أدركته المنية.
هكذا أمضى ابن بطوطة أكثر عمره في الترحال بين المدن والبلدان؛ من أجل رؤية عادات الشعوب والأقوام، وليسجل لنا تلك الأحداث التي أصبحت دربًا يسلكه كل من أراد المضي في هذا المجال.
مؤلفات ابن بطوطة:
لم يترك ابن بطوطة خلفه أي إنتاج أدبي، سوى سردٍ لأسفاره على شكل كتابٍ عنوانه: (تحفة النظار في عجائب الأمصار وعجائب الأسفار)، الشهير بكتاب (رحلة ابن بطوطة).
وكان السلطان المغربي أبو عنان فارس المريني الذي أعجب برحلات ابن بطوطة وقصصه المشوقة، قد طلب منه أن يمليها على كاتبه محمد بن جزيّ الكلبي، وقد أطلق ابن جزي على الكتاب اسم (تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار).
وهو عمل مشترك قام به ابن بطوطة وابن جزي، وصبغه كل منهما بطابعه الخاص، فجعل فيه ابن بطوطة روحه التي تحب العجائب والغرائب، وجعل فيه ابن جزي أسلوبه الذي لا يخلو من صنعة وتكلف وتنميق، فهو كتاب سلس الإنشاء، وفيه رواية حوادث نادرة فكهة، وتقاليد شاذة.
أهمية رحلة ابن بطوطة:
لقد كان ابن بطوطة يتمتع بقدرته على تذكُّر ما رآه في رحلاته، على الرغم من مرور السنوات، وتعدُّد المناطق التي زارها، وكان ما يميزه أيضًا أنه ذكر حقائق لأول مرة ولم تُذْكَر عند غيره، فقد ذكر استعمال أوراق النقد في الصين، وأشار إلى استخدام الفحم الحجري.
طبعت رحلة ابن بطوطة في باريس مع ترجمة فرنسية في منتصف القرن التاسع عشر على يد المستشرق ديفريمري وسانجنيتي، وطبعت في القاهرة طبعتين عربيتين، ونشر الأستاذ جب ملخصًا لها بالإنجليزية في سلسلة (Broodway Travellers) عام 1929م، كما طبعت في لبنان في سلسلة الروائع اللبنانية، تحقيق فؤاد أفرام البستاني، وكذلك تُرجمت إلى كثير من لغات العالم؛ مما يدل على مدى أهمية تلك الرحلة.
وتُعتبر رحلاته من أطرف القصص رغم ما تحتويه من غرائب العادات، فإن تسجيل عادات تلك الأقوام وتقاليدهم أفاد كثيرًا في معرفة عادات تلك الشعوب البعيدة، كما أفاد في معرفة تاريخ تلك البلاد، ومعرفة جغرافيتها من خلال وصف البلاد وجبالها وبحارها.
تأثيرات وإسهامات ابن بطوطة:
إن إسهامات وتأثيرات ابن بطوطة على التاريخ العالمي كانت ضخمة في عدة مجالات، منها:
1. الجغرافيا:
قام ابن بطوطة برحلة استمرت ما يقرب من 30 عاماً حول العالم الإسلامي وخارجه، ووثق خلالها تفاصيل دقيقة عن الأماكن التي زارها والثقافات التي تعرف عليها. وهذا ساهم في إثراء المعرفة الجغرافية والتاريخية عن هذه البلدان.
2. الأدب:
كتب ابن بطوطة رحلته الشهيرة "رحلة ابن بطوطة" التي أصبحت واحدة من أهم مصادر توثيق الحياة الاجتماعية والثقافية في العالم الإسلامي بتلك الفترة.
3. الثقافة:
قام ابن بطوطة بالتفاعل مع مختلف الثقافات التي قابلها خلال رحلته، مما أثر على تطور الحوار الحضاري بين الشرق والغرب.
4. الدين:
كان ابن بطوطة من العلماء الدينيين وكانت له دراية بالشريعة الإسلامية، وقدمت رحلته فرصة له لدراسة عادات وتقاليد مختلفة، مما يعكس تنوع الديانات والثقافات في العالم الإسلامي.
شهادة علماء الغرب في ابن بطوطة:
لقي ابن بطوطة الكثير من الثناء من علماء الغرب؛ لما قدَّمه من وصف لأسفاره، فيقول عنه المستشرق ريجيش بلاشير عن كتابه (تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار): "لهذا الكتاب أهمية فائقة في التعرف على العالم الإسلامي في القرن الرابع عشر الميلادي؛ ففي هذا الكتاب يكثر الاستطراد وتختلط فيه الأساطير مع الحكايات البعيدة عن التصديق، والأوصاف المتكررة تكشف فيها أيضًا معلومات تاريخية دقيقة ومفيدة، لا سيما تلك التي لا تحصى والمتعلقة بعقائد وعادات وأخلاق السكان كما يراها هذا الرحالة المسلم، الذي يتفوق عنده حبُّ الاستطلاع على حدَّة الذكاء".
أما المستشرق الروسي كراتشكوفسكي فيعتبره: "آخر جغرافي عالمي من الناحية العلمية، أي أنه لم يكن نقَّالة اعتمد على كتب الغير؛ بل كان رحالة انتظم محيط أسفاره عددًا كبيرًا من الأقطار، وقد جاوز تجواله مقدار مائة وخمسة وسبعين ألف ميل، وهو بهذا يُعَدُّ منافسًا خطيرًا لمعاصره الأكبر منه سنًّا (ماركو بولو) البندقي الإيطالي (1254- 1323م)، الذي دفعه حب الأسفار إلى اجتياز كل آسيا عن طريق منغوليا، وعاد عن طريق سومطرا، والذي عهد إلى كاتب له في إخراج مذكراته إخراجًا أدبيًّا، واسمه (كتاب ماركو بولو).
ويقول الباحث الياباني ياموتو: "إنه من العسير القول بأن جميع حكايات ابن بطوطة عن الصين هي من نسج الخيال وحده، حقًّا إن وصفه لتلك البلاد يشمل عددًا من النقاط الغامضة، ولكنه لا يخلو أحيانًا من فقرات معينة تعتمد على ملاحظة مباشرة عن الصين، فضلاً عن أنه من المستحيل القول بأن رواياته التي وجدت توكيدًا في المصادر الصينية وفي أسفار ماركو بولو قد كانت من تلفيق مخيلته".
وفاة ابن بطوطة:
بعد عمله ابن بطوطة مع ابن جزي في الكتاب المشترك بينهما لا يعرف الكثير عما تبقى من حياته، فقد قيل أنه تولى القضاء في الدولة المرينية. توفي ابن بطوطة في مراكش عام 779هـ/ 1377م، وقد أطلقت عليه جمعية كمبردج لقب "أمير الرحّالين المسلمين".
خاتمة:
لقد كان لابن بطوطة الفضل على الجغرافيين العالميين؛ لأنه ترك صورًا صادقة للحياة في العصر الذي عاش فيه، بعد أن قطع ما يقرب من خمسة وسبعين ألف ميل، بحثًا عن المعلومة الجغرافية الصحيحة. وعلى الرغم من المشككين، فلا يمكن بأي حال من الأحول نفي كل ما وصفه في رحلاته وعدِّه ضربا من الخيال.

أضف تعليقاً