إذا وجدت نفسك داخل القطيع اخرج فوراً
الدكتور فيصل القاسم
------------------------

تناول المسلسل السعودي الكوميدي الرائع “طاش ما طاش” قبل أيام قضية في غاية الخطورة بطريقة مرحة، فقد روى لنا قصة تاجر محتال جاء إلى قرية، وراح يطلب من السكان اصطياد القرود مقابل ثلاثين ريالاً لكل قرد. وانتشر الخبر في القرية انتشار النار في الهشيم، وتحول الجميع، بمن فيهم والي القرية، إلى قطيع من الصيادين، إلى حد أن القرود اختفت من المنطقة بسبب تهافت الناس الشديد على اصطيادها.

 

وانتشرت إشاعة عن طريق محاسب التاجر أن السعر سوف يرتفع إلى مئة ريال، وزاد السعر فعلاً إلى مئة ريال لكل قرد، ثم قام التاجر بجمع الناس، وأخبرهم أنه يريد أن يسافر لمدة شهر، وعندما يرجع سوف يشتري القرد الواحد بـمئتي ريال، وسافر التاجر، وترك المحاسب في الشركة، ثم بدؤوا يبحثون، ولم يجدوا شيئاً، فذهبوا إلى المحاسب في الشركة التي جمع فيها جميع القرود، ووضعها في حوش كبير، وأخبرهم أنه يمكن أن يبيعهم القرد الواحد بمئة وخمسين ريالاً(سراً)، وهم يبيعونه للتاجر بـمئتي ريال بعد رجوعه من السفر، فصدّقوه، واشتروا منه جميع القرود، ثم هرب المحاسب إلى مَن اتفق معه، وهو التاجر، تاركين القرود لأهلها، وحاملين معهما السيولة الكبيرة. أما القرود منها ما مات، ومنها ما مرض، ومنها ما بيع بأرخص الأثمان، وبدلاً من أن يعود التاجر إلى القرية لشراء القرود بمبالغ كبيرة، توجه إلى قرية أخرى، وراح يبيع التراب للناس، فسخروا منه في البداية، لكنهم أخذوا يتهافتون زرافات زرافات على شراء التراب عندما بدأ التاجر يرفع سعره من لحظة إلى أخرى، طبعاً كان الهدف من حلقة “طاش ما طاش” السخرية من الناس الذين تهافتوا على شراء الأسهم بشكل جنوني في الأعوام القليلة الماضية، فانتهى بهم الأمر إلى الإفلاس أو الموت حسرة على ضياع الرزق، لكن لعل الموعظة الأهم التي يجب أن يتعلم منها الجميع أنه عليهم التفكير مرات ومرات قبل الاندفاع وراء الدهماء، فإذا رأينا مثلاً حشداً كبيراً من الناس يتهافت على شراء سلعة معينة، فيجب أن لا ننساق بشكل أعمى وراءه، لا بل علينا أن نمتنع تماماً عن شراء تلك السلعة، فاندفاع الدهماء إلى اقتناء شيء ما ليس بالضرورة مؤشراً على أنه جدير بالاقتناء، وبما أن الشيء بالشيء يُذكر، فقد رأى صاحب إحدى الشركات الكبرى وهو خارج من مكتبه ذات يوم أن ماسح الأحذية الذي ينظف له حذاءه يخبره بأنه اشترى بعض الأسهم في البورصة، فاندهش صاحب الشركة، وبدت عليه علائم القلق، وبدلاً من التوجه إلى منزله، عاد مسرعاً إلى الشركة، وعقد اجتماعاً طارئاً مع أعضاء مجلس الإدارة، وقرروا، على الفور، بيع كل أسهم الشركة في البورصة، على اعتبار أن دخول الدهماء إلى البورصة بهذا الشكل الأهوج مؤشر خطير. وفعلاً بعد أسابيع قليلة، انهارت أسعار الأسهم، وخسر البسطاء “تحويشة” العمر، بينما كان حيتان السوق قد باعوا أسهمهم من قبل، كما فعل صاحب الشركة. وتبيَّن أن ذلك الإقبال القطيعي على شراء الأسهم لم يكن إلا خديعة كبرى تورط فيها المغفلون، كما تورط أهل القرية في “صرعة” تجارة القرود، ولو أن البسطاء اطــّلعوا على طرق الاحتيال والنصب التي يمارسها بعض البائعين في الشوارع، لكانوا تعلموا درساً لن ينسوه. فغالباً ما نرى تاجراً يصيح بأعلى صوته في وسط الشارع معلناً عن بيع سلع بأرخص الأسعار، بعد أن يكون قد جمع حوله ثلة من الناس المتفق معهم مسبقاً. وعندها يبدأ المارة بالتجمهر حول التاجر ليشتروا سلعه بلا وعي، على اعتبار أن هناك من سبقهم إلى التجمهر حول البائع. وبعد فوات الأوان يتبيَّن للمشترين أنهم اشتروا بضاعة إما فاسدة أو تافهة بغريزة القطيع.، صحيح أن الجماهير عندما تتجمع حول شيء ما يمكن أن تغري البقية بالانضمام إليها، حتى لو كانت تلك البقية متيقنة من أن الجمهور (القطيعي) يتهافت على سراب، كما حدث لجحا. فقد أراد حجا ذات مرة أن يضحك على أهل قريته، فأخبرهم بأن هناك شخصاً في أقصى القرية يوزع أموالاً على كل من يقصده، فما كان من الناس إلا أن اندفعوا أفواجاً أفواجاً إلى أقصى القرية، فنظر جحا حوله، فلم ير أحداً، فهرش رأسه، ثم اندفع مسرعاً وراء الناس مردداً:”قد يكون هناك فعلاً شخص على أطراف القرية يوزع نقوداً، فلم لا ألحق بأهل البلدة، لقد ظل حجا متماسكاً حتى فكر باللحاق بالقطيع، ففقد السيطرة على صوابه، فعندما ينخرط الإنسان بالجموع يفقد قدرته على التمييز والاحتكام إلى العقل، ويتحول إلى شخص غير واع، لا بل يذوب بالجمهور كما تذوب المادة الكيميائية في السوائل. وقد أبدع الفيلسوف الفرنسي (غوستاف لوبون) في تحليل هذه الحالة النفسية لذهنية الحشود في كتابه “سيكولوجية الجماهير”. أما الأديب الأمريكي (مارك توين) فقد قال ذات مرة: “عندما أجد نفسي منخرطاً في القطيع لا بد أن أفكر بالخروج فوراً”.

المصدر الدكتور فيصل القاسم
10/11/2007
جريدنا بلدنا