إن العلاقة الزوجية علاقة توافقية تحكمها في الإسلام أسس وأصول. وقد ذكرت في مقالات سابقة الكثير من هذه الأسس والأصول التي أرساها الإسلام والتي تقوم كلها علي العدل ابتداء وعلي الفضل انتهاء. وأحب في هذا المقال أن نتكلم عن العلاقة التوافقية لما لها من أثر عظيم على نجاح أو فشل الزواج واسمحوا لي، أولا: أن أوضح ماذا أقصد بالعلاقة التوافقية، إنها من وجهة نظري العلاقة التي يحب كل طرف من الآخر أن يقدمها له. وأن يجعله فيها ، وأن يعامله بها، وهذه العلاقة تتعدى ما من شأنه  أن يكون عاماً، لتتعامل مع ما من شأنه أن يكون خاصاً، إنها تتعدى إطار الحلال والحرام العام لتدخل في إطار المناسبة الشخصية!


محتويات المقالة

     

    إن أحدنا يسمع كثيراً من أحد طرفي العلاقة الزوجية أنه لا يعيب على الآخر شيئاً في تقواه وفي مراعاته للحلال والحرام، ومع ذلك فهو تعيس معه ، أو أنه غير سعيد معه، أو أنه مستفز منه، أو أنه لا يشعر بأي خصوصية معه، أو غير ذلك مما لابد أنه وصل إلى حضراتكم كما وصل إلي! فم السبب؟ وأين تكمن المشكلة؟ إن السبب من وجهة نظري الشخصية قد يكمن في عدم فهم طرف للطبيعة الشخصية للطرف الآخر، وعدم قدرته على احتوائه، أو التوافق معه.

     

    إن اختلاف التنشئة والظروف المحيطة والتجارب التي مر بها كل منا... كل هذه الأمور وغيرها تشكل الطبيعة الشخصية لنا، وتجعل من الواحد كياناً متفرداً غير قابل للتطابقية مع غيره، وهذه الحقيقة لابد أن نعيها وأن نسلم بها حتى نستطيع أن نحل الخلافات التي تنشأ بيننا. فهناك الشخص المتهور والآخر الرزين، وهناك الجبان والآخر الشجاع، وهناك المنفق بقدر والآخر الكريم، وهناك العاطفي الذي يترك لمشاعره العنان وهناك المتحفظ في انفعالاته، وهناك الشخص الذي يمرر الأخطاء والآخر التصادمي، وهناك الشخص الهوائي، متقلب المزاج، والتطلعات، والآخر الذي يتميز بالتركيز والثبات علي ما يريد وهناك الشخص واضح الهدف محدد الوسائل ، والآخر بطيء الغضب وهناك الشخص سريع الفيء إلي الحق، والآخر بطيء الفيء إلى الحق، وهناك الشخص الذكي والآخر الأقل ذكاء، وهناك الشخص المقاتل والآخر المستسلم، وهناك الشخص الحرفي، والآخر المؤول وهناك من يصدع بما يراه – حقاً – بأي أسلوب، وهناك من يتخير الأسلوب والوقت ليبلغ ما يريد تبليغه للآخرين، وهناك الصبور والآخر الذي لا يطول صبره، وهناك غير ذلك الكثير من الاختلافات الشخصية بين كل واحد منا والآخر.

     

    لقد آثرت أن أضرب هذه النماذج سالفة الذكر – بالذات – لأنها من وجهة نظري لا تخضع لأحكام الحلال التي لابد أن يوطن المسلم عليها نفسه ولا للحرام الذي يتوجب علي المسلم  اجتنابه؛ والذي لا تروق له وجهة النظر هذه أدعوه لإسقاط طبع مثل طبع الذكاء مثلاً  سواء بالسلب أو الإيجاب في أي من خانتي الحلال أو الحرام، لينتظر أين يقع؟ وقل مثل ذلك في الطبيعة العاطفية ووضوح الرؤية وغيرهما. وأرجع وأقول أن ذلك ليس معناه أنه ليس في هذه الطباع ما هو أحسن من الآخر أبداً، فذلك مما لا يختلف عليه أحد، ولكن الذي أؤكده أن هذه اختلافات واقعة في الدنيا للناس قد تسبب بعض المشاكل خصوصاً بين طرفي الزواج إذا لم يحسنا التعامل معها.

     

    لقد أتاني أحد الشباب حديثي الزواج يفكر في الانفصال عن زوجه التي لم يمضي على زواجه بها أكثر من ثلاثة أشهر، فلما سألته عن السبب في هذه الرغبة قال: إننا غير متوافقين بالمرة إنني لا أعيب عليها في مراعاتها للحلال والحرام، فهي ممتازة في هذا الاتجاه، وكذلك – هي ما شاء الله عليها حافظة لما يقرب من خمس القرآن، وهي ما شاء الله عليها من أكثر الناس الذين قابلتهم في حياتي صدقاً في الحديث، ولكنها ولا أدري إن كان هذا شيئاً جيداً أو غير جيد – كانت شديدة الانعزال عن المجتمع العام، مما حصر معرفتها وتعريفها للناس وللأمور بما رأته فقط، وخبرته فقط في بيت أبيها وأمها.

    إنها لا تعرف تعريفاً للرجل إلا ما رأته على أبيها، ولا تعرف وظيفة للرجل إلا ما رأت أباها يقوم به. إنها تريدني نسخة كربونية من أبيها في كل شيء، بدءاً من تلبية كل مطالبها، مروراً بالانصياع التام للنظام الذي تضعه في البيت انتهاء بالإمضاء على بياض على كل التطلعات والرغبات سواء الحالية أو حتى المستقبلية.

     

    إن رفضي لوجهة نظرها أو اعتراضي عليها، معناه خناقة وزعل، وإلحاح هستيري وضغط لا يفتر حتى أغير وجهة نظري، إنها لا ترى في إيقاظي ليلاً ولو الساعة الثالثة صباحاً لأغلق باب دولابي المفتوح شيئاً يستدعي الثورة أو الرفض، لأن الموضوع من وجهة نظرها  - موضوع نظام، وهيئة ينبغي أن يكون عليها البيت ، والذي يغضب من النظام عليه يقع الخطأ وليس على من يأمر به، سواء كان ذلك في ليل أو نهار أو غيرهما.

     

    هذا مثال من ضمن أمثلة كثيرة جداً تعرضنا لها خلال الفترة القصيرة الماضية والتي لم تزد علي الثلاثة أشهر ، أقول لك الحق (والكلام مازال للشاب) لقد حاولت أن أكون الصورة التي ألفتها، فعلاً حاولت ذلك، لكنني لم أستطع، فعلاً لم أستطع، لأنني وببساطة لست والدها إنني شخص مختلف عنه، لي شخصية مختلفة تماماً عن شخصيته، مع إقراري أنه هو الأفضل، إنني شخص تلهبني الكلمة الطيبة والحانية لبذل كل ما لدي طواعية، أما هو فيستوي عنده الأمر في اتجاهية المتقابلين، فأنا شخص أحب أن أخير في اتخاذ القرارات، ولا أستسيغ أن يفرض علي قرار، أقوم به اتقاء للشر، أو رغبة في سلامة، إنني شخص سريع الغضب مع اعترافي أن ذلك شيئاً سيئاً.

     

    وأحب ساعة غضبي أن تتاح لي فرصة للهدوء بانفراد وأكره من يمتطي ظهري ساعة غضبي ويشبعني إلحاحاً واستهلاكاً، ماذا بك؟ قل لي! تكلم! ائتمني! كذا وكذا وكذا، خلاصة الموضوع أننا مختلفان اختلافاً كبيراً، ونقاط التصادم بيننا كثيرة، وليس عندنا قدرة – على احتواء بعضنا البعض، وأغلب أوقاتنا إما شجار صريح أو غيظ مكبوت، وهذا مما لم أكن لا أتخيله ولا أحبه لحياتي الزوجية؟ فما رأيك؟ رأي أن هذه الشكوى هي التعبير الأوضح لموضوع التوافقية التي أثرته، والتي أرجو من طرفي العلاقة أن يتدبراه جيداً، وأن يبذلا أقصى ما يستطيعان للوصول إليه، فعلى كل من الطرفين أن يلين للآخر، وأن يقبل منه ما لم يألفه طالما، أن الأمر لا يدخل في دائرة الحرام، بهذا فقط ستستمر الحياة، أما بالتصلب والعناد وإرهاق الآخر، فلا أرى الأمور ستسير سيراً حسناً، أو طيباً. وهذا ما لا نرجوه! وستكون الحياة بين الطرفين مكدرة وغير صافيه. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

     

    عمرو خالد يكتب لمجلة المرأة اليوم بتاريخ 5 نوفمبر 2005


    تنويه: يمنع نقل هذا المقال كما هو أو استخدامه في أي مكان آخر تحت طائلة المساءلة القانونية، ويمكن استخدام فقرات أو أجزاء منه بعد الحصول على موافقة رسمية من إدارة النجاح نت.