في المأثور الشعبي العربي قولهم : عمل الخير مقدور عليه, وقولهم عمل الخير معان عليه, ذلك أن عمل الخير يحمل في ذاته الدعوة إليه وأنه حين يبدأ خيراً مبراً عن الغرض يستمر ويتنامى.

 

والخير أحد أضلاع منظومة القيم المطلقة التي بشر الفلاسفة بها وما زالت مستمرة و قائمة: الحق, الخير, الجمال, كتعبير عن القيم التي تحكم الكون والتي يسعى الناس منذ كانوا وحتى آخر العالم أن يتفيؤوا ظلالها. وقد يجمعها بعضهم في تعبير واحد هو (الله), وكذلك جاء قول رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم: (الخير في وفي أمتي إلى يوم القيامة).

 

      نسوق هذه المقدمة لنؤكد أن الخير بدأ مع الخليقة وهو مستمر فيها, في القديم وفي القادم, في كل العهود والعقود, حين كان الناس أفراداً ثم مجموعات ثم كيانات اجتماعية واقتصادية وسياسية, وكلما تقدم العالم نما معه الخير وتطورت أشكاله وأساليب ووسائل الدعوة إليه والحض عليه.

 

      قبل الحديث عن أساليب ووسائل الدعوة لا بد من الحديث عن الركائز التي ستقوم عليها الدعوة. عمل الخير أصلاً عمل تطوعي يقوم على الحافز الإنساني الذاتي أولاً, والرغبة الأصيلة في النفس البشرية لتقديم الخير والتفاعل إيجابياً مع الآخر المحتاج, ولكن عمل الخير أيضاً يتعرض لدخلاء ومنتفعين ونصابين. صحيح أنهم لا يشكلون إلاّ نسبة ضئيلة ولكن ضررهم أبلغ بكثير من نسبتهم, ولذا فإن الركيزة الأولى هي الصدقية والشفافية وما تستتبعه كلتاهما من المحاسبية والمساءلة.

 

      هذا بالنسبة للعاملين في ميدان الخير, أما بالنسبة للمشروع الخيري فتقوم ركائزه على أهميته بالنسبة للمجتمع أو إلى فئة ما منه, وقانونية أو مشروعية قيامه. ويجب أن تكون أهميته وجدواه ظاهرة للعيان, ومنجزاته بارزة, ليكون ذلك دافعاً على المزيد وحافزاً لكل مستزيد. فالخير على هذا النحو عمل ديناميكي يحمل بين طياته إمكانات تجدده واستمراره.

 

      ويمكن القول أن كل ما سبق يمكن اختصاره في تعبير واحد هو (الثقة) : الثقة بالمشروع وجدواه ونفعيته والثقة بالقائمين عليه, وبدون هذا فإن كل ما يعمل للدعوة إليه سيظل بلا جدوى.

      عمل الخير لا يقوم على مجرد النوايا الحسنة وحسب, فهو بالإضافة إلى ذلك إرادة وإدارة وتنمية واستثمار بمعانيها المادية والمعنوية, وحتى يتحقق ذلك فإن هناك أساليب ستتبع ووسائل ستستعمل, ولابد من الإشارة هنا إلى أن ثمة فارقاً بين الأسلوب والوسيلة. فالأسلوب هو النسق المتبع لتحقيق هدف ما, وأما الوسيلة فيه الأداة المستعملة لجعل الأسلوب ممكنا لتحقيق الهدف. والمقصود بالوسيلة هنا هو الأداة الإعلامية المناسبة.

 

      تعبير العولمة تعبير مستحدث ظهر في السنوات الأخيرة, وقبله ظهر تعبير النظام العالمي الجديد الذي أطلقته الإدارة الأمريكية أثناء وبعد حرب الخليج عام 1991 وانهيار الاتحاد السوفيتي. النظام العالمي الجديد كمصطلح أثار مخاوف دول العالم الأخرى كلها حتى وإن كانت معالمه لم تكن اتضحت, ثم جرى (تفكيك) ذلك التعبير ليشمل مصطلحات جديدة (تطلبها) الدولة الأقوى من الدول الأخرى بل وتفرضها أحيانا, وليس هذا مجال الاسترسال فيها, وقبيل مطلع الألفية الثالثة بقليل انطلق تعبير العولمة دلك إن العالم فعلاً تحول إلى قرية صغيرة بفعل ثورة التكنولوجيا وتطور وسائل الاتصال. ليس هذا فقط هو مسوغ العولمة بل أمور أخرى لسنا الآن بصددها أيضاً.

 

       ويرى بعض الناس في العولمة ما استشعروه في النظام العالمي الجديد, ويحذرون منها كما حذروا منه وناهضوه, ويرى هؤلاء أن العولمة هي إفراز الدولة الأوحد والقوة الأعظم, وطغيانها وتلوين العالم بألوانها هي وتشكيله بإرادتها, وقضاء على الخصوصيات واستباحة لها. ويرى آخرون أن العولمة ليست شراً كلها وفيها من الخير الكثير إذا أحسن التعامل بها, ففيها زيادة مجزية في المعرفة والمعلومات, وإطلاع على آخر منجزات العلوم والتكنولوجيا, وتطور في التبادل والتعارف بين شعوب الأمة الواحدة, وبينها وبين الشعوب والأمم الأخرى. وقد حمل العقد الأخير من القرن المنصرم ومطلع هذا القرن من ذلك كله أضعافا مضاعفة عما تم إنجازه منذ بدأ الإنسان تحقيق إنجازات على صعيد الحضارة الإنسانية المستمرة والمتنامية باضطراد.

وفق ذلك كله, تطورت الأساليب في كل منجزات الحياة البشرية ومكتسبات الحضارة, وصار الأخذ بها من مستلزمات التطور والنماء.

 

      ولما كان عمل الخير كما سبق وأشرنا إرادة وإدارة وتنمية واستثماراً, فلا بد للعاملين في مجالاته من أن يأخذوا بالأسباب, أسباب العلم والتقنية وما حققاه من تطورات هائلة قربت البعيد وجعلت غير الممكن ممكناً ووصلت الناس ببعضهم ونقلت الصور والأحداث في لحظة حصولها, فلا بد من الاستفادة من هذا كله في تطوير الأساليب واستعمال الوسائل. سواء على الصعيد المحلي أو الخارجي عربياً ودولياً.

وتطوير الأساليب يقتضي كذلك الإطلاع على أساليب عمل المنظمات المثيلة خارجياً وإمكاناتها وميادين عملها والمساعدات التي يمكن أن توفرها.

ونبدأ بالصعيد المحلي والقدرات المحلية, وإمكان تفعيل هذه القرارات في أبواب الخير المتعددة, والمدرسة هنا مهد مناسب وقادر على العطاء باتجاهين: المادي وما يقدمه الطلاب من تبرعات لوجوه الخير, مهما كانت ضئيلة, فإنها بالتفعيل ستكبر, ولكن الأهم الاتجاه المعنوي الموجه إلى الطلاب لبدر بدور الخير في ذواتهم وتحويلهم مستقبلاً إلى عاملين ناشطين في ميادين الخير, وفي هذا الصدد يمكن التذكير بإعادة إحياء مشروع القرش الخيري, فمنذ وعيت وهذا المشروع يصحو ثم يخبو حتى أصبح من الضروري مأسسته أي جعله مؤسسة قائمة ومستمرة بالتعاون والتنسيق بين قيادات الخير ووزارات التربية والتعليم.

 

      إذن فإن تطوير الأساليب القديمة وتحديثها سيساعد حتما في إثراء العمل الخيري, يضاف إلى ذلك استهداف شركاء ومعاونين, تنظيم حملات مشتركة معهم, ومشروع القرش الخيري في الأردن مثل على ذلك, وعلى الطريق ذاته سنجد شركاء آخرين لمشاريع أخرى.

 

      ويمكن لوسائل الإعلام أن تلعب دوراً مهماً في تقريب الخير للناس وتقريب الناس إلى عمل الخير, وتتراوح استعمالات هذه الوسائل باختلاف الخير المقصود, فبيوت الله مثلاً لها مفعول أكبر في تقديم الناس لزكاة أموالهم وصرفها في مصارفها الشرعية ومنها دعم أسر بالمعونات المالية والمادية من أدوات وآلات يمكن العمل عليها لتحقيق دخل ثابت. ولبيوت الله أثر فاعل في الحث على تقديم المساعدات بأنواعها المختلفة لعائلات الشهداء والمناضلين والذين يفنون حياتهم في سبيل الله وأوطانهم وغير ذلك.

 

      ومن أساليب الدعوة إلى عمل الخير, وتحصيل تمويل لدعمه واستمراره الحفلات بأشكالها المختلفة سواء الفنية أو دعوات العشاء التي يفتح خلالها باب التبرع, وهذا الأسلوب التقليدي يمكن تطويره بالتنسيق مع التلفزيون الأرضي لتصبح الحفلة على مستوى الوطن, وأما إذا جرى بث الحفلة بالقناة الفضائية فستزداد المشاركة ويرتفع الدخل المقصود أضعافاً مضاعفة.

 

      وفي التلفزيون بالذات وبإمكانات البث الفضائي يختلط المحلي بالخارجي ويكون للمشروع مساهمون محليون وخارجيون.

 

      ويتميز التلفزيون – المحلي والفضائي- ببرنامج مرتبط باسمه يسمى ( التيليثون ) أي الماراثون التلفزيوني لجمع التبرعات, حيث يتم البث المباشر للجمهور وبمشاركته ومساهمته بالتبرع والتحدث أيضا لحث الآخرين على التبرع, وقد أثبت هذا الأسلوب نجاعة فائقة في أمريكا حيث استعمل للمرة الأولى, ومن ثم انتقل إلى دول أخرى ومنها الدول العربية, وأولها الأردن, وجرى استعماله أكثر من مرة في أكثر من محطة عربية, أرضياً وفضائياً, وحقق تبرعات مالية عالية, كما حقق تعاطفا جماهيريا مع القضية المطروحة وزاد من أنصارها, كما ذكّر بالخير بشكل عام واستثار في نفوس الناس جمال الإقبال عليه وجدواه.

      وستزداد الفائدة حتماً حين يتضمن البث المباشر تقارير تلفزيونية وأفلاماً تسجيليه ومواد ثقافية تتحدث عن تاريخ المشروع المطروح وتطوره ونمائه, ونماذج حيّة ومختلفة من نتائجه وآثاره على الأفراد والمجتمع المحلي, ويصدق هذا كأسلوب في الدعوة إلى مشاريع الخير المختلفة ويكون التلفزيون وسيلة ملائمة جداً لها.

 

أما الصحافة المحلية فتسهم في الدعوة إلى عمل الخير عبر الأخبار عن المشاريع و جدواها ومساهمتها في التكافل الاجتماعي, وحتى عبر الإعلان, وكذلك الريبورتاجات الصحفية التي تحيط بمشتملات المشروع الخيري وأهميته للمجتمع.

 

      ودور الإذاعة شبيه بدور الصحافة إذ يتفوق عليهما التلفزيون بالصورة المتحركة. ويمكن للإذاعة وكذلك التلفزيون, أن تثير حوارات مباشرة على الأثير تتعلق بالخير والدعوة إليه حيث تتناول الخير بمجمله, ومشروعات محددة يتناقش حولها الناس وقد يسهمون بعد ذلك فيها بجهودهم الشخصية أو بأموالهم أو بفائض ما لديهم.

 

      ومشروع فائض ما لديكم أسلوب جرى تجريبه في الأردن ونجح وبالإمكان استمراره وتطويره ومأسسته أيضا, شأن مشروع القرش الخيري.

 

      والدعوة للخير على الصعيد الخارجي, عربياً ودولياً, يشارك التلفزيون فيها الإعلام الجديد وأقصد به الإعلام الإلكتروني عبر الإنترنت, وهو وسيلة ذات أثر مباشر لأنها تنتقل إلى الأفراد والمؤسسات, وكأنها موجهة للواحد منهم بذاته وبإمكانه أن يتعامل ويتفاعل معها ويشارك فيها على التو. ويمكن لجهات الخير إن تصوغ رسائلها وبرامجها الدعائية ووثائقها ونشاطاتها وفاعليتها ليتم نقلها بسهولة ويسر إلى كل أرجاء وكل المهتمين. وتشير الدراسات إلى إن الإعلام الإلكتروني سيكون هو إعلام المستقبل, ودون أن يلغي وسائل الإعلام الأخرى بالطبع, ولكنه سيكون فيه من الذاتية ما يجعله أقرب للوصول.

 

      ويتيح الإعلام الإلكتروني لجهات الخير في بلادنا أن تطلع على منجزات وإمكانات الجهات المثيلة في العالم, فتستفيد منها وتتعاون معها فتسهم في العولمة الإيجابية. ولا بد من التنبيه هنا إلى أن التمويل الأجنبي لمنظمات الخير والمجتمع المدني يلقى الآن تحفظا وأحيانا اتهامات بالارتباط الخارجي لدى بعض الحكومات العربية التي أصدرت أو هي بصدد إصدار تشريعات تربط التمويل الخارجي بموافقة الحكومة لكي لا يكون فيه شبهة العمالة أو خدمة مصالح الأجنبي. كما أن أحداث 11 سبتمبر 2001 ألقت بظلالها الكئيبة على انتقال الأموال والتبرعات عبر الحدود وصار لا بد لها من التأكد من أن هذه الأموال لن تذهب إلى تمويل المنظمات والجهات المصنفة بالإرهاب.

 

      وفي هذا إعاقة لإمكانات الحصول على تمويل أو مساعدات أجنبية كان يمكن لعدد من الجمعيات في العالم العربي أن تستفيد منها وترفد أعمالها ونشاطاتها, وأملنا أن لا تطول مدة هذه الإعاقة وأن تصل مؤسسات الخير وحكوماتها إلى صيغة مناسبة تحصل المؤسسات من خلالها على الدعم الخارجي دون أن يكون لذلك أثر وردود فعل سلبية.

 

      في الختام يمكن القول أن إمكانات أجهزة الإعلام بكل قطاعاتها هائلة ومؤثرة, ولكن المهم هو البرامج والموارد التي ستحملها لتبث أجهزة الخير دعوتها وتعلن عن رسالتها.

 

مؤتمر الخير العربي الثالث, الأمانة العامة لمؤتمر الخير العربي, لبنان, الاتحاد العام للجمعيات الخيرية في المملكة الأردنية الهاشمية, عمان 22-24 يونيو / حزيران 2002 .

الأستاذ جواد مرقه، رئيس اتحاد المنتجين العرب لأعمال التلفزيون، المملكة الأردنية الهاشمية.